خطب الجمعة
مقالات وتحقيقات
في السيرة الحسينية
كتب السيد هاشم الهاشمي
خطب متنوعة
شبهات وردود
متابعات وتعليقات
كلمة ومناسبة
الدروس
سؤال وجواب
المكتبة الصوتية



فضلاً ، ادخل بريدك الإلكتروني لتكون على إطلاع متواصل بكل ما هو جديد في موقعنا.




كتاب حوار مع فضل الله حول الزهراء عليها السلام

دائرة معارف شبكة أنصار الحسين عليه السلام
     

  الرئيسية متابعات وتعليقات هل هذا الحديث مخالف للقرآن؟

  هل هذا الحديث مخالف للقرآن؟
+ تكبير الخط - تصغير الخط

إرسال هل هذا الحديث مخالف للقرآن؟ إلى صديقك

طباعة نسخة من هل هذا الحديث مخالف للقرآن؟

 قال فضل الله:
هكذا كرّم الإسلام الزهراء(ع) ومن خلالها المرأة، كما كرّم الرجل، كرّمهما معاً من خلال تكريمه لإنسانيتهما وعناصر الخير التي يختزنانها ﴿ ولقد كرّمنا بني آدم  <الإسراء:70>، فالتكريم الإلهي ليس مختصاً بالرجل، بل هو شامل لكل بني آدم على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأنواعهم، ذكوراً وإناثاً، بيضاً أو سوداً، عرباً أو عجماً..
رواية مخالفة للقرآن:
ولهذا فإننا نرفض كل الروايات التي تحط من شأن المرأة وإنسانيتها، كما نرفض الروايات التي تحط من شأن بعض الأقوام والأعراق، ونعتقد أن المعصوم لا يصدر عنه أمثال هذه الروايات المخالفة للقرآن الكريم .
فمن الروايات التي تحط من شأن المرأة ما نُسب إلى أمير المؤمنين(ع) أنه قال:«المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لا بد منها» (نهج البلاغة، قصار الحكم:238)، فإننا نشك أن هذه الكلمة للإمام علي(ع)، وذلك:
1_ إن الإمام علي(ع) وسائر الأئمة المعصومين ومن قبل جدهم رسول الله(ص)، قد علّمونا أنهم لا يقولون ما يخالف كتاب الله، وأن كل ما ينسب إليهم مما يخالف كتاب الله فهو زخرف (الوسائل، كتاب القضاء، الباب:9، الحديث:13)، وهذه الرواية تخالف كتاب الله، إذ كيف تكون المرأة شراً كلها والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ إنّا هديناه السَّبيل إما شاكراً وإما كفوراً  <الإنسان:3>، ويقول:﴿ وهديناه النجدين <البلد:10> . فالإنسان لم يخلق شريراً في أصل خلقته، بل خلق على﴿  فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم  <الروم:30>،وفي الحديث الشريف :«كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه»(سفينة البحار ج:7، ص:115).
2_ ما المراد بكون المرأة شراً؟ هل ذلك باعتبار عنصر الإغراء، فالرجال يمثلون عنصر إغراء للمرأة كما المرأة عنصر إغراء للرجل، وأغلب النساء يغريهن الرجال ويخدعونهن، وقد عبّر أحمد شوقي عن ذلك بقوله:
خدعوها بقولهم حسناء * والغـواني يغرّهن الثنـاء
3_ وعلى فرض أن عنصر الإغراء عندها شر، فكيف توصف المرأة بأنها شر بقول مطلق والإغراء عنصر من عناصر شخصيتها وليس جميع عناصرها؟! فهل فكرها شر، أو أن عاطفتها التي تحضن من خلالها أطفالها شر، وهل عباداتها شر؟!
4_ ثم إذا كانت المرأة شراً كلها، فكيف يعاقبها الله تبارك وتعالى إذا كان هو الذي خلقها كذلك؟! ألا يحق لها أن تحتجّ بالقول: أنت خلقتني من الشر وجعلتني شراً، فلم تعاقبني على فعل الشر وهو مودع في أصل خلقتي التي لا دخل لي فيها؟!
5_ ما معنى «وشر ما فيها أنه لا بدّ منها» ، هل من جهة الحاجة إليها في التناسل؟ فالرجل كذلك، فإنه طرف في عملية التناسل فلمَ لم يكن شراً؟! وهل يعقل أن يكون الإنسان الذي يمثل ضرورة شراً كله؟! فالشمس تمثل ضرورة للحياة حتى تستمر وتبقى، فهل يصح أن نقول إنها شر؟!
6_ على أننا نربأ بعلي(ع) أن يتكلم بهذه الطريقة، وسيرته تكذّب صدور هذه الكلمة عنه، لأنه أكرم المرأة أيّما إكرام، وأحسن إليها أيّما إحسان، وهو العارف أن في النساء من يفيض الخير منهن وأن في الرجال من هم في غاية الشر، وأن في النساء من تفوق الرجال أدباً وعلماً وعملاً.. وإن حياته مع الزهراء(ع) تؤكد ذلك، فهو الذي أحبّها واحترمها وأجلّها وآلمه فقدها أشدّ الإيلام، مع أنّها(ع) امرأة من النساء وإن امتازت عنهن بخصائص عديدة جعلتها تجسد العصمة والطهارة والقداسة في أقوالها وأفعالها، ولكن هذا الامتياز يؤكد المسألة ولا ينفيها، أي يؤكد عدم صدور هذه الكلمة عن أمير المؤمنين(ع)، لأنها كلمة غير مفهومة ولا نجد لها محملاً صحيحاً، وإذا كان هناك من يحاول صرفها إلى امرأة بعينها لتكون " أل" التعريف عهدية وليست للجنس، فهذا لا يصح، لأن الكلمة حسب ما يظهر منها واردة على نحو الإطلاق.
وقد قرأت في كتاب "بهجة المجالس" أنّ هذه الكلمة هي للمأمون العباسي، وربما نسبت خطأً لأمير المؤمنين(ع).
وهناك روايات تحط من شأن بعض الأقوام، وقد تعرضنا في أبحاثنا الفقهية إلى أنها مما لا سبيل إلى الأخذ بها". (الزهراء القدوة 168)

المناقشة:

1- ينبغي في البداية عرض ما ذكره علماؤنا الكبار في شرح الحديث السابق، وبعد التتبع فيما لدي من المصادر يمكن القول أن عمدة الشروح الأساسية للحديث هي الآتي:
أ – ما قاله الطبرسي المتوفى سنة 548هـ في تفسير قوله تعالى: ﴿ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب  (آل عمران/14):
"ثم قدم سبحانه ذكر النساء فقال: ﴿ من النساء  لأن الفتنة بهن أعظم، وقال النبي (ص): "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، وقال (ص): "النساء حبائل الشيطان"، وقال أمير المؤمنين (ع): «المرأة شر كلها ، وشر ما فيها أنه لابد »منها، «وهي عقرب حلو اللسعة». (مجمع البيان ج2 ص252)
وكما هو واضح من كلامه فإن حلقة الربط بين تفسيره للآية والروايات بما فيها الحديث المبحوث عنه هي كون المرأة فتنة للرجل، ومن ثم يكون معنى كلمة «شر كلها» أنها فتنة كلها.
وكون المرأة فتنة أو أن النساء حبائل الشيطان فإنما هو بملاحظة الغالب والأعم، حيث أن غالب الرجال يفتنون بالمرأة، وليس الأمر مقصورا بها فإن له شواهد أخرى في الروايات.
فقد وصف المال على سبيل المثال في جملة من الروايات أنه سبب للفتن ومادة الشهوات وأنه يعسوب الفجار (نهج البلاغة قصار الحكم برقم 58 و316، وعيون الحكم والمواعظ لليثي ص60) بالرغم من أنه يصير عند المؤمن الذي يوظفه في الخير سببا للرفعة والمنزلة عند الله تعالى، ولكن حيث أنه أغلب من لديهم المال يؤول أمرهم إلى الوقوع في المعاصي ولذا وصف المال بذلك. ويكون هذا نظير ما ورد في مضمون الروايات من «أن أكثر أهل النار النساء »(من لايحضره الفقيه ج3 ص391) أو «أن أكثر أهل النار العزاب »(المصدر السابق ص384).
ب – ما قاله ابن ميثم البحراني المتوفى سنة 679هـ في شرح كلمة أمير المؤمنين (ع) موضع البحث:
"وأراد أن أحوالها كلها شر على الرجل، أما من جهة مؤونتها فظاهر، وأما من جهة لذتها واستمتاعه بها فلاستلزام ذلك البعد عن الله تعالى والاشتغال عن طاعته، وأسباب الشر شرور وإن كان عرضية.
ولما كان كونها لابد منها أعني وجوب الحاجة إليها في طبيعة الوجود الدنيوي هو السبب في تحمل الرجل للمرأة ووقوعه في شروره وجب أن يكون ذلك الاعتبار أقوى الشرور المتعلقة بها لأن السبب أقوى من المسبب". (شرح نهج البلاغة ج5 ص361)
وقال أيضا في شرح نهج البلاغة الوسيط المعروف بـ "اختيار مصباح السالكين" ص633:
"أما أنها من شر ما فيها: قلة الاستغناء عنها، أما أنها شر: فلأن مدارها على مؤونتها وهو شر عاجل، وعلى الالتذاذ بها والاشتغال عن الله، ويلزمه شر آجل، وأما أن الحاجة إليها شر من ذلك: فلأنها سبب تلك الشرور، والسبب أقوى من المسبب".
ووفقا لهذا الرأي فإن المقصود من الشر هنا النقص الذي تورده المرأة على الرجل، بغض النظر عن الإلزام الشرعي المقارن له، فمؤونة المرأة ونفقتها واجبة على الرجل، ولكن حيث أنها خسارة مادية له فهي شر أي ضرر عليه، وكذلك استمتاعها به ضرر عليه من جهة ما يمكن أن يخسره مما هو أفضل من ذلك.
ومن الشواهد الأخرى على استعمال الشر بمعنى الضرر ما روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال:
«ردوا الحجر من حيث جاء، فإن الشر لايدفعه إلا الشر». (نهج البلاغة الحكمة 314)
فقد استعمل الشر بمعنى الأذى الناجم عن الاعتداء، كما أنه استعمل لفظ الشر ولم يرد به الشر الحقيقي بل النسبي، فإن الاعتداء على الآخرين بغير سبب مسوغ يعد من الشر ولكن رد الاعتداء بالاعتداء ليس من الشر بل هو من الخير الذي يحفظ المجتمع من أخطار المعتدين وتجاوزاتهم وغيهم، وإنما عبر عنه بالشر لما فيه من الأذى والضرر اللاحق بالمعتدي الأول، فهو شر بالنسبة له.
وهذا مما يعيننا في فهم كلمة شر المستخدمة في حديث: «المرأة شر كلها» إذ قد تستخدم كلفظ ولكن لايراد منها الشر الحقيقي.
قال ابن أبي الحديد المعتزلي:
"هذا مثل قولهم: "الحديد بالحديد يفلح"، وقال عمرو بن كلثوم:
ألا لايجهل أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال الفند الزماني:
فلما صرح الشر * فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوان * دناهم كما دانوا
وبعض الحلم عند * الجهل للذلة إذعان
وفي الشر نجاة حين * لا ينجيك إحسان
......، وقال آخر:
ولا أتمنى الشر والشر تاركي * ولكن متى أحمل على الشر أركب". (شرح نهج البلاغة ج19 ص221)
وكما هو ملاحظ في كلام هذين العلمين فإن تفسير الشر كان نسبيا أي كون المرأة شرا بالنسبة إلى الرجل وليس بشكل مطلق، كما أن تفسير الشر لم يتعلق إلا بجهة الفتنة أو الضرر في بعض الأمور المعينة ، ولاعلاقة له بإيمان المرأة أو عاطفتها أو غير ذلك.
2 - سأوكل الحديث حول الفهم الخاص لفضل الله في مسألة مخالفة الحديث للقرآن وكيف يتم ذلك إلى بحث آت، عسى أن يوفقني الله عز وجل إليه بمنه وكرمه، وخاصة أنه أكثر من رد الروايات بذريعة مخالفتها للقرآن بالرغم من أنه لم يحتمل أحد من علمائنا السابقين مخالفتها للقرآن، مما يؤكد أن للرجل مفهومه الخاص في مخالفة الحديث القرآن، وهذا ما اعترف به في أكثر من موطن. (راجع مجلة المعارج الأعداد 21-23 من عام 1417هـ ص456-462، رسالة في الرضاع ص30-31)
وما نحن بصدده ليس إلا مثالا واحدا من عشرات الأمثلة التي رد فيها الروايات بذريعة المخالفة للقرآن.
3 – رغم ما ادعاه الرجل في أكثر من مناسبة من أنه يتكلم بلغة عصرية حديثة هي سبب عدم فهم العلماء لكلامه، ولكننا نتلمس تخبطه في هذه اللغة، فاللغة العصرية التي يدعي أنه يستعملها تفرق بين أساليب الرفض والشك، ويشهد لذلك أنه حاول أن يبرر ما قاله حول شهادة الزهراء (ع) بأنه إثارة للتشكيك وليس رفضا، وهو يتضمن اعترافا بوجود الفرق بينهما،وبناء على ذلك نستطيع القول أنه لا فرق بين اللغة العصرية لفضل الله وبين اللغة القديمة للفقهاء!!! في التفريق بين عبارات الرفض والشك.
والدليل على تخبطه في لغته العصرية قوله:
" ولهذا فإننا نرفض كل الروايات التي تحط من شأن المرأة وإنسانيتها، ......، فمن الروايات التي تحط من شأن المرأة ما نُسب إلى أمير المؤمنين(ع) أنه قال:"المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لا بد منها"......"، ثم يقول: " فإننا نشك أن هذه الكلمة للإمام علي(ع)"!!!!!
وفي كتابه دنيا المرأة يذكر كلاما مقاربا لما جاء هنا حول الرواية ويقول:
"أما قول: "المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لابد منها"، فنتحفظ في أمر نسبته إلى الإمام علي لأن ظاهره لاينسجم مع مفاهيمنا الإسلامية ...". (دنيا المرأة ص40)
فكيف يجتمع الرفض والظهور مع التشكيك والتحفظ؟!!
وفي الجزء السابع من كتابه الندوة ص600 يقول:
"أنا لا أفهم هذه الكلمة، ولذا فأنا أشك في أنها للإمام علي ..."، وبعد عرض بعض ما استند إليه في كتاب "الزهراء قدوة" قال: "إنها ليست لعلي (ع)".
فكيف ينفي نسبتها بضرس قاطع من لديه الشك ومن لايفهم الكلمة؟!!!
أليس غير الفاهم هو الجاهل؟! وهل يحق للجاهل الرفض؟؟ أم أنه مأمور برد ما لم يعلمه إلى أهله؟
وإن ما دعاني إلى ذكر هذه النقطة في البداية – وإن كانت هامشية بالنسبة لأصل النقاش – أن يتنبه المؤمنون لأسلوب الرجل في أحاديثه، فهو كثيرا ما يعبر عن المسائل التي يرفضها بعبارات الشك، ويستخدم التعابير المرتبطة بأحدهما مكان الآخر.
4 – اعتمد فضل الله في دعوى مخالفة الحديث للقرآن على قوله تعالى: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  (الإسراء/70) الشامل للرجال والنساء، والأعراق والألوان والأنواع، ومن ثم لاتصح الرواية لأنها تميز بين أفراد الإنسان مع أنهم سواسية في التكريم.
وحيث أن الإجابة على هذا الكلام يتوقف على فهم الآية المباركة فإنه لابد من النظر قليلا وبما يتناسب مع هذه المناقشة المختصرة في الروايات وأقوال المفسرين.
فقد روى القمي في تفسير قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات  عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (ع) قال:
«إن الله لايكرم روح كافر، ولكن يكرم أرواح المؤمنين، وإنما كرامة النفس والدم بالروح، والرزق الطيب العلم». (تفسير القمي ج2 ص22)
والرواية وإن كانت ضعيفة السند بإرسالها فإن مضمونها كاف في إثباتها لأنها تشير إلى مفهوم ديني أصيل، فالتكريم يعني إعطاء الكرامة، والكرامة لاتكون إلا بما فيه المزية والمنزلة والفضيلة، لابما يكون فيه المنقصة والرذيلة، وهذه المزية إما أن تكون بأمر دنيوي أو أخروي.
فالكرامة الدنيوية للإنسان تكون بما أعطي من خصائص لاتوجد في غيره من المشي منتصبا على رجلين والمنظر الجمالي وما منح من العقل والتفكير والقدرة على الابتكار والاختراع، وهذه الكرامة إذا استغلها الإنسان للوصول إلى الكرامة الأخروية والمعنوية ارتفع إلى عليين وإن لم يستثمرها نزل أسفل سافلين وصار كالأنعام بل أضل.
ولعل الرواية التي تقول «لا يأبى الكرامة إلا حمار» وتفسير تلك الكرامة بالوسادة والطيب والتوسعة في المجلس جاءت لتشير إلى بعض المصاديق للكرامة الدنيوية. (راجع الكافي ج2 ص659 باب إكرام الكريم ح1، وج6 ص512 ح1 و3، عيون أخبار الرضا ج2 ص278، معاني الأخبار ص268)
أما الكرامة الأخروية فتكون بما يرتبط بدخول الجنة التي هي من درجات الكرامة، ومن ثم عبر في العديد من الروايات والأدعية عن الجنة بدار الكرامة (نهج البلاغة ج2 ص112، الصحيفة السجادية ص133 ضمن دعاء أهل الثغور) وهذا يعني أن موجبات الكرامة تندرج تحت عنوانين أساسيين هما: العلم (الإيمان) والعمل الصالح (التقوى).
والقرآن الكريم يؤكد هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  (الحجرات/13)، فجعلت الآية الكرامة في التقوى وأن الأكثر كرامة هو الأكثر تقوى، وكذلك الروايات الواردة عن النبي (ص) وأهل البيت (ع) فإنها تذكر الكثير من موجبات الكرامة الربانية بما يعود إلى الإيمان والعمل مثل: الإيمان بالله ونبوة الرسول محمد (ص) وإمامة أمير المؤمنين (ع)، وزيارة الإمام الحسين (ع) وقيام الليل وصيام النهار والصدقة والجهاد وأمثالها. (ثواب الأعمال ص15، كامل الزيارات ص550 الباب 108 ح12، أمالي الشيخ الصدوق ص366 المجلس 48 ح14)
وجاء في رواية للشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (ع) أن الإقرار بربوبية الله ونبوة النبي (ص) وإمامة علي (ع) وأداء الفرائض لهو كرامة الآدميين. (التوحيد ص19 ح4)
ولعل رواية القمي تريد أن تبين أن الكرامة الحقيقية هي الكرامة الأخروية، أما الكرامة الدنيوية فيستوي فيها المؤمن والكافر من جهة الإفاضة وإن كانا يختلفان في جهة الاستفادة منها، وحيث أن الكافر لايستفيد من تلك الإفاضة فهو كالفاقد للكرامة، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لايسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل  (الأعراف/179).
وأما من أقوال المفسرين فإنني أكتفي بما قاله الشيخ الطوسي في تفسيره:
"أخبر الله تعالى: أنه كرم ﴿ بني آدم  ، وإنما عنى بني آدم بالتكرمة مع أن فيهم كفارا لأن المعنى كرمناهم بالنعمة على وجه المبالغة في الصفة.
وقال قوم: جرى ذلك مجرى قوله ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس  فأجرى الصفة على جماعتهم من أجل من فيهم على هذه الصفة.
ثم بين تعالى الوجوه التي كرم بها بني آدم بأنه حملهم في البر والبحر على ما يحملهم من الإبل وغيرها، كما قال: ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة  والبحر، والسفن التي خلقها لهم وأجراها بالرياح فوق الماء ليبلغوا بذلك حوائجهم". (التبيان ج6 ص503)
ويظهر من كلام الشيخ الطوسي أنه يرى أن التكريم الإلهي شمل الكافر ولكنه تكريم النعمة من قبيل الحمل في البر والبحر وتسخير الخيل والبغال والسفن والرياح.
ونفس هذا الرأي تبناه العلامة الطباطبائي الذي قال بأن الكرامة في الآية عامة لكل البشر وإلا لم يتم معنى الامتنان والعتاب، وهذا لا يعني أن لايختص الله تعالى بعض خلقه بالكرامة الإلهية الخاصة من القرب المعنوي والفضيلة الروحية، غير أن الآية غير ناظرة للتفضيل من جهة الثواب والفضل الأخروي.
قال قدس سره:
"وبالجملة بنو آدم مكرمون بما خصهم الله به من بين سائر الموجودات الكونية وهو الذي يمتازون به من غيرهم وهو العقل الذي يعرفون به الحق من الباطل، والخير من الشر، والنافع من الضار". (الميزان ج13 ص156)
وله قدس سره كلام في التفريق بين التفضيل والتكريم فمن أحب فليراجع ما قاله في الجزء 13 ص155 – 160.
وبناء على ما فات فإنه يمكن الإجابة على اعتراض فضل الله باستشهاده بالآية المباركة أنه مخالف لحقيقة أصولية مسلمة وهي أن الحكم (وجوب التكريم لو قلنا أن الآية في صدد بيانه) لا يثبت موضوعه بل يترتب على الموضوع الثابت من قبل. (راجع على سبيل المثال ما جاء في: القواعد الفقهية للسيد البجنوردي ج5 ص219، ومنتهى الأصول للسيد البجنوردي أيضا ج1 ص68، وبداية الوصول إلى كفاية الأصول للشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي ج6 ص374، بلغة الطالب للسيد محمد رضا الكلبايكاني ج1 ص105، نهج الفقاهة للسيد محسن الحكيم ص410، كتاب المكاسب والبيع للنائيني بتقرير الآملي ج1 ص128، مصباح الفقاهة للسيد الخوئي ج4 ص77)
توضيح ذلك: إن الآية المباركة تثبت أصل التكريم وهذا أمر لا غبار عليه، ولكن لايمكنها أن تحدد ما يكون فيه التكريم من غيره، ومن ثم لايتمكن لأحد أن يقول بما أن الآية تثبت تكريم بني آدم فلابد من القول أن ميتة الإنسان طاهرة لأن نجاسته خلاف التكريم!!! أو أن يدعي شخص أن الأنثى تساوي الذكر في الإرث بحجة أن استحقاق الذكر ضعفها خلاف التكريم!! أو أنه يجب إلغاء نظام الرق لأنه خلاف التكريم!!
وفيما نحن فيه فإن موضوع التكريم مشكوك، بمعنى أننا لا نعلم هل أن كون المرأة شرا (بمعنى كونها منشأ للفتنة) يعد مخالفا للتكريم أم لا، وإن كنا مسلمين أن الله عز وجل قد كرم المرأة كما كرم الرجل بدليل انطباق قوله تعالى: ﴿ بني آدم  عليها.
5 – النقطة الأولى التي طرحها فضل الله لا داعي للتعليق عليها لأنه فسر كلمة أمير المؤمنين (ع) بطريقة لم يقل بها أحد من علمائنا ممن قبل معناها، فهو يضع للكلمة معنى فاسدا ينتقيه لنفسه ثم يقول أنه مخالف للقرآن!! وقد دأب على هذه الطريقة في أكثر من موضع عندما يريد أن يرد الروايات التي لايستسيغها مزاجه.
6 – يرد على النقطتين الثانية لفضل الله أن هناك حقيقة مسلمة وهي أن عنصر إغراء المرأة للرجل أكثر من عنصر إغراء الرجل للمرأة بكثير، ومن يلاحظ ما نظمه الشعراء والشاعرات عبر التاريخ يجد أن تغزل الرجل بالمرأة أضعاف تغزل المرأة بالرجل، ولم يقتصر هذا الغزل والميل على موضع من بدن المرأة دون الآخر بل شمل جميع أعضاء بدنها، وفي يومنا هذا فإن أهل الفساد يعتمدون على جسد المرأة في الترويج لتجارة الدعارة المحرمة، ويعتمدون على إغرائها حتى في الدعايات التجارية، وهذا بحد ذاته شاهد عملي وواقعي على صدق هذه الحقيقة، وهذا يعني أنه يصح أن يقال: "أن المرأة فتنة كلها" قياسا إلى الرجل، ولكن لايصح أن يقال أن "الرجل فتنة كله" قياسا إلى المرأة.
وفضل الله وإن حاول أن ينكر أو يشكك في هذه الحقيقة المسلمة هنا – كعادته في تناقضاته واختياره في موضع معين ما يتوافق مع رأيه واختيار نقيضه في موضع آخر – ولكنه اعترف بها في العديد من الكلمات الأخرى.
وقد وجه له البعض السؤال التالي: ما المواضع المتوجب على المرأة سترها؟ وما الآيات التي وردت في هذا المجال؟
فأجاب: "أشار القرآن الكريم إلى وجوب ستر المرأة لجسدها في قوله تعالى: ﴿ لايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها  (النور/31) والمراد بالزينة هنا مواضعها لا ما يتزين به كالسوار والعقد والأقراط وسواها، وبكلام آخر: المراد هنا هو مطلق الجسد، وعد الله الجسد زينة إشارة واضحة إلى كونه مركز جاذبية وإثارة للرجل....". (دنيا المرأة ص147)
ووجه له سؤال آخر هذا نصه: في حال فقدت المرأة ما يثير شهوة الرجل (بسبب التشويه، العجز الكامل ...) هل تبقى مأمورة بستر مفاتنها وعدم إبداء زينتها؟
فأجاب: "يجب أن تبقى في هذا المعنى لأن التشريع عام، كما أن فقدانها لعنصر الإثارة والجذب في نظر بعض الأشخاص لا يعني فقدانها الكلي لتلك الصفة". (دنيا المرأة ص148)
والكلمة التالية تعد من أصرح كلماته في هذا المجال فقد قال:
"قد يقال أن النبي (ص) قال: ﴿ وللمرأة أن لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب  فلماذا لم يقل ذلك للرجل؟
ومثل هذا – كما أوصى الله الولد بالوالدين ولم يوص الوالدين بالولد – فإننا نقول باعتبار أن طبيعة الرجل قد تختلف عن طبيعة المرأة ذلك أن الرجل ينطلق من ناحية الغريزة الجنسية بشكل طبيعي لأنه أكثر إثارة أو أسرع إثارة من المرأة في هذا المجال". (المرشد السنة الثانية 1995 العددان الثاني والثالث ص259 نقلا عن محاضرة ألقاها في "المعهد الشرعي الإسلامي ببئر حسن بتاريخ 8/11/1995م)
وبعد كل هذا التناقض والتخبط فإن السؤال المطروح لفضل الله هو:
إذا كان إغراء المرأة للرجل مساو لإغراء الرجل للمرأة فلماذا أوجب الله عز وجل على المرأة أمورا كثيرة كالحجاب وعدم الخروج بزينتها ولم يفرض ذلك على الرجل؟
ولماذا ندب المرأة (بغض النظر عن كونها متزوجة) إلى كثير من الأمور التي تغرس العفاف والحياء فيها كعدم خروجها من البيت واتخاذها جوانب الطريق دون وسطه ولم يندب للرجل ذلك؟
7 – وأما النقطة الثالثة فيرد عليها ما ذكرناه في تعليقنا على النقطة الأولى، فإنها تعتمد على تفسير كلمة الشر، فإذا ما فسرناها بالفتنة والإغراء فإنه لايصح أن يقال لماذا تصف الرواية المرأة بالشر بشكل مطلق، أو يقال: فهل عباداتها وفكرها شر؟ فإن الرواية عندما تصف المرأة بالشر من جهة الفتنة والإغراء الجسدي فلايصح أن نعترض ونقول أنها تصف المرأة بالشر من جهة العبادة أو الفكر إذ أن الجهتين مختلفتان، وحيث أن الرواية لم تتعرض للجهة التي أشار إليها فضل الله فالاعتراض ساقط من أساسه.
8 - ويرد على ما ذكره في النقطة الرابعة نفس ما مر، فإن كون المرأة فتنة للرجل لايعني أنها شر بالمعنى الذاتي وأن الله سيعذبها على ما كان مركوزا في تكوينها، فإن المرأة مركوزة على حب التزين، وهذا الميل لا تعذب عليه لو قامت به ضمن الحدود التي جعلها الله عز وجل، ولم يدع أحد من شراح الحديث الاحتمال الذي أشار إليه فضل الله، ولكنها إحدى طرقه لرد المعنى المقبول، فإنه يحاول أن يقرن بين المعنى الصحيح والمعنى الفاسد، ثم يرد المعنى الصحيح برد الفاسد!!!
9 - أما ما ذكره في النقطة الخامسة فيجاب عنه بأن وجه الحاجة إليها هو ما ذكره من التناسل من وحاجة الرجل تفريغ شهوته بالمرأة، ونفس قول أمير المؤمنين (ع): «وشر ما فيها أنه لابد منها »يدل على أن الذي يحتاج إليها هو الرجل مما يعني أن المسألة نسبية قياسا إلى الرجل، فإن كون المرأة شرا كلها أنما هو بالنسبة للرجل، ومن المعروف علميا أن المسألة عندما تكون نسبية فلاتكون مطلقة ولايمكن استفادة الشر الذاتي منها كما حاول فضل الله الإيحاء إليه.
وحيث أن فضل الله بنى في كلامه تفسير الشر بما يقابل الخير فإنه يبدأ في مغالطاته المعهودة ويقول: "وهل يعقل أن يكون الإنسان الذي يمثل ضرورة شرا كله؟!"
ونقول: نعم ذلك ممكن إن كان المقصود من الشر هو الفتنة، فإن المرأة فتنة كلها، وأسوأ ما في هذه الفتنة أنه لابد منها، وهذا نظير قولنا: الدنيا فتنة كلها، وأكثر ما هو فتنة فيها أنه لابد منها.
وكذلك يرد على فضل الله أن إثبات شيء لا ينفي ما عداه فكون المرأة شرا للرجل لا ينفي أن لايكون الرجل شرا للمرأة من جهة من الجهات، غير أن المرأة اختصت بتعبير: "شر كلها" دون الرجل باعتبار أن الإثارة فيها شاملة لكل جسدها بخلاف الرجل.
وقد يقال: لو كانت المرأة كذلك فلماذا أباح الشارع للمرأة أن تكشف وجهها؟
والجواب: إن مسألة واختلاف الفقهاء كشف المرأة لوجهها أمام الرجل الأجنبي من عدمه مسألة اختلافية بين الفقهاء، وقد ذهب بعض الفقهاء كالسيد الخوئي (قد) إلى لزوم ستر المرأة لوجهها على الاحوط، ولكن لو تبنينا رأي من يقول بالجواز فإن ذلك لا ينفي أن وجه المرأة يتضمن إثارة وفتنة للرجل، أما واقعا فلأن أول ما يلاحظه أي شخص من الشخص الآخر سواء كان رجلا أو امرأة هو الوجه، والرجل عندما يغرم بامرأة منها فإن أكثر ما يجذبه غليها في البداية هو وجهها، ومن الممكن أن يبيح الشارع للمرأة خصوص كشف الوجه تسهيلا لشؤون الناس، ولا ما نع أن يأذن الشارع للإنسان بكشف ما قد يكون فتنة للآخر كما في الرجل أن يكشف صدره أمام النساء مع أنه قد يكون في ذلك فتنة لهن، واوجب على النساء عدم النظر، وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ قد يقال بأنه يجب على الرجل أن يمتنع عن النظرة المحرمة وإن جاز للمرأة الكشف.
10 - أما دعواه أنه قرأ تلك الكلمة في كتاب بهجة المجالس وهي منسوبة للمأمون العباسي ثم احتماله أنها نسبت خطأ لأمير المؤمنين (ع) فيرده:
أولا: إن الشريف الرضي لم يؤلف نهج البلاغة ليجمع فيه ما ليس لأمير المؤمنين (ع)، وصدور الخطأ منه وإن كان واردا، ولكن احتمال الخطأ لايؤخذ به عند نسبة قول ما إلى شخص ما فإن مقتضى الظهور هو أن المتكلم عالم بما يقول من نسبة الكلام إلى الشخص الفلاني دون سواه وقاصد لذلك، نعم يصح نفي النسبة مع العلم ووجود القرائن وهو مفقود هنا، وفضل الله أراد أن ينسب الكلمة للمأمون بناء على تفسيره السابق، وإلا لو افترضنا أن تفسيره للكلمة مرفوض فبأي دليل يصح نفي نسبة الكلمة عن أمير المؤمنين (ع) ونسبتها للمأمون، إذ لقائل أن يقول: ولعل ما نسب للمأمون خطأ والصحيح أنه كلام أمير المؤمنين (ع)!!!!
ثانيا: إن الكلمة الموجودة في نهج البلاغة هي: «المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لابد منها» بينما الموجود في بهجة المجالس لابن عبد البر الأندلسي: "النساء شر كلهن، وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن"، وكل مطلع على قواعد التحدث بالعربية يدرك الفرق الكبير بين "قلة الاستغناء" وبين "عدم الاستغناء" المستفاد من قوله (ع): "أنه لابد منهن".
ثالثا: لو رجعنا إلى النقل الزمني للكلمتين لوجدنا أن أول ما بأيدينا من المصادر التي تنسب الكلمة الأولى لأمير المؤمنين (ع) بحسبب تتبعي المتواضع هو ما ذكره الشريف الرضي المتوفى سنة 359هـ في نهج البلاغة ، ومن بعده الشيخ أبو الفتح عبد الواحد بن محمد بن عبدالواحد الآمدي المتوفى سنة 510هـ، وهو من مشايخ ابن شهرآشوب المازندراني المتوفى سنة 588هـ.
أما الكلمة الثانية المنسوبة إلى المأمون العباسي فأول من نقلها فيما تتبعناه ابن عبد البر الأندلسي المتوفى سنة 463هـ في "بهجة المجالس" ج2 ص63، ومن بعده الزمخشري المتوفى سنة 538هـ في "ربيع الأبرار" ج4 ص291.
ونحن لن ندعي أن المتأخر (ابن عبد البر) قد تأثر بالمتقدم (الشريف الرضي) لاحتمال أن يكون من نقل عنه ابن عبد البر من المصادر المتقدمة على المصدر الذي اعتمد عليه الشريف الرضي، غير أنه في نفس الوقت لاتوجد أي فرصة مساعدة للقول بأن المصدر السابق (نهج البلاغة) قد تأثر بالمصدر اللاحق (بهجة المجالس).
أما الكلمات التي صدرت من الأئمة (ع) في حق بعض الأقوام فقد ذكرنا تفسيرها في مقالتنا "باب من تكره معاملته من الكافي وهل هو دعوة إلى الطبقية والعنصرية والقومية".

وما دعاني إلى هذه الإطالة في الرد هو التحذير من أسلوب عام يتخذه فضل الله وأشباهه في التعامل مع الروايات، فيردونها لأدنى شبهة واهية، بينما الصحيح أن يتم الرجوع إلى كبار علماء الطائفة لفهم ما أبهم من الأحاديث، وعلى أقل تقدير رد علم ما يجهله الإنسان إلى أهله لا أن يرد أحاديث أهل البيت (ع) ويسقطها ويستهزئ بها لأن ضحالة مستواه الفكري لم تسمح باستيعابها.
نعوذ بالله من الزلل.

موقع المشكاة - السيد هاشم الهاشمي  

 


 

اضغط هنا لمراسلة إدارة الموقع

جميع الحقوق محفوظة لموقع المشكاة © 2005