خطب الجمعة
مقالات وتحقيقات
في السيرة الحسينية
كتب السيد هاشم الهاشمي
خطب متنوعة
شبهات وردود
متابعات وتعليقات
كلمة ومناسبة
الدروس
سؤال وجواب
المكتبة الصوتية



فضلاً ، ادخل بريدك الإلكتروني لتكون على إطلاع متواصل بكل ما هو جديد في موقعنا.




كتاب حوار مع فضل الله حول الزهراء عليها السلام

دائرة معارف شبكة أنصار الحسين عليه السلام
     

  الرئيسية مقالات وتحقيقات باب من تكره معاملته من الكافي وهل هو دعوة إلى الطبقية والعنصرية والقومية؟

  باب من تكره معاملته من الكافي وهل هو دعوة إلى الطبقية والعنصرية والقومية؟
+ تكبير الخط - تصغير الخط

إرسال باب من تكره معاملته من الكافي وهل هو دعوة إلى الطبقية والعنصرية والقومية؟ إلى صديقك

طباعة نسخة من باب من تكره معاملته من الكافي وهل هو دعوة إلى الطبقية والعنصرية والقومية؟

 أورد الكليني عليه الرحمة في الجزء الخامس من الكافي ص157 - 159 ضمن كتاب المعيشة بابا بعنوان " من تكره معاملته ومخالطته"، وذكر فيه تسعة أحاديث، ويمكن تصنيف من وردت الكراهية بمعاملتهم إلى العناوين الآتية:

1 – المحارف
والمحارف (بفتح الراء) هو المحروم المدبر (ترتيب كتاب العين ج1 ص369)، أي من يطلب الرزق فلا يرزق، ويقال: قد حورف كسب فلان إذا شدد عليه في معاشه وضيق عليه، وهو خلاف المبارك في رزقه.
وقد روى الكليني في الحديث الأول من الباب بسند صحيح عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العباس ين الوليد بن صبيح، عن أبيه، قال:
قال لي أبو عبد الله (ع):
«لا تشتر من محارف فإن صفقته لا بركة فيها».
2 – من لم ينشأ في الخير
إن قلنا بمغايرته للعنوان السابق كما هو الظاهر بلحاظ المعنى وكما استظهره بعض فقهاء الإمامية، (راجع النهاية للشيخ الطوسي ص373) فإن هذا العنوان لوحظ فيه عدم ولادة الشخص وعدم نشأته في النعمة، حتى لو صار ذا نعمة لاحقا، ومن ثم عبر عنه بعض الفقهاء بـ "مستحدث النعمة"، بينما السابق لوحظ فيه عدم البركة في رزقه.
والمقصود من الخير المال، وقد أطلق هذا الاستعمال كثيرا، في القرآن الكريم والأحاديث كما في قوله تعالى: ﴿ وإنه لحب الخير لشديد  (العاديات / 8) وقوله عز وجل: ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم  (البقرة / 273) فيكون ظاهر هذا العنوان من لم يكبر في النعمة الوافرة بل نشأ في الحرمان والفقر.
فقد روى الكليني في الحديث الخامس من الباب بسند صحيح عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ظريف بن ناصح، عن أبي عبد الله (ع) قال:
«لا تخالطوا ولاتعاملوا إلا من نشأ في الخير».
وكذا رواه في الحديث الثامن بنفس النص ولكن بسند ضعيف بفضل النوفلي وابن أبي يحيى الرازي.
والذي يؤكد إرادة المعنى السابق من العنوان وليس المعنى العام للخير كما قد يستشف من كلام البعض ما رواه الكليني في نفس الباب في الحديث الرابع بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، قال: استقرض قهرمان لأبي عبد الله (أي وكيل له) من رجل طعاما لأبي عبد الله (ع) فألح في التقاضي (أي تعجل الرجل لأخذ دينه وأصر على استرجاعه)، فقال له أبو عبد الله (ع): «ألم أنهك أن تستقرض ممن لم يكن له فكان».

3 – ذو العاهة.
أي صاحب العيب والنقص في الجسم كالمصاب بالجذام والعرج والبرص.
فقد روى الكليني في الحديث الثالث عن أحمد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن غير واحد من أصحابه، عن علي بن أسباط، عن حسين بن خارجة، عن ميسر بن عبد العزيز، قال: قال لي أبو عبدالله (ع):
«لا تعامل ذا عاهة فإنهم أظلم شيء».
وكذا رواه بنفس النص في الحديث التاسع بسنده عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عدة من أصحابنا، عن علي بن أسباط، عن حسين بن خارجة، عن ميسر بن عبد العزيز.
وكلا السندين ضعيفين بالحسين بن خارجة، كما أن العدة الثانية التي روت عن علي بن أسباط مجهولة.
وكذا رواه الكليني بنفس المضمون في الحديث السادس المرفوع.

4 – السفلة
فقد روى في الحديث السابع عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن الحسين بن مياح، عن عيسى، عن أبي عبد الله (ع) أنه قال:
«إياك ومخالطة السفلة فإن السفلة لايؤول إلى خير».
والسند ضعيف بالحسين بن مياح وعيسى.
قال الشيخ الصدوق تعليقا على رواية مشابهة لهذه الرواية أوردها في من لا يحضره الفقيه:
"جاءت الأخبار في معنى السفلة على وجوه:
فمنها: أن السفلة هو الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل له.
ومنها: أن السفلة من يضرب بالطنبور.
ومنها: أن السفلة من لم يسره الإحسان ولا تسوؤه الإساءة.
والسفلة: من ادعى الإمامة وليس لها بأهل.
وهذه كلها أوصاف السفلة، من اجتمع فيه بعضها أو جميعها وجب اجتناب مخالطته". (من لايحضره الفقيه ج3 ص165)
والمعنى الثاني الذي ذكره الشيخ الصدوق قد روى بنفسه فيه رواية بإسناد مرفوع عن أبي عبد الله (ع) أنه سئل عن السفلة، فقال: «من يشرب الخمر ويضرب بالطنبور». (الخصال ص62 ح89)
وأما فيما يقرب من المعنى الثاني فقد روى بسند صحيح عند السيد الخوئي والمامقاني ضمن حديث الأربعمائة وصية مما أوصى أمير المؤمنين (ع) أصحابه:
«احذروا السفلة، فإن السفلة من لا يخاف الله عز وجل، فيهم قتلة الأنبياء، وفيهم أعداؤنا». (الخصال ص635 ح10، وسند الحديث هو: حدثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (ع)، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام، أن أمير المؤمنين (ع) علم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه).
وجاء في الرواية عن الإمام الرضا (ع) أنه سئل عن السفلة فقال:
«من كان له شيء يلهيه عن الله عز وجل». (تحف العقول ص330 من طبعة الحيدرية بتقديم محمد صادق بحر العلوم، وص442 من طبعة مؤسسة النشر الإسلامي بتحقيق: على أكبر الغفاري)

5 – الأكراد
فقد روى في الحديث الثاني عن محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عمن حدثه، عن أبي الربيع الشامي، قال:
سألت أبا عبد الله (ع) فقلت: إن عندنا قوما من الأكراد وإنهم لا يزالون يجيئون بالبيع فنخالطهم ونبايعهم؟ فقال: «يا أبا الربيع، لا تخالطوهم فإن الأكراد حي من أحياء الجن كشف الله عنهم الغطاء، فلا تخالطوهم».
والحديث ضعيف بمن حدث عنه علي بن الحكم، وأبو الربيع الشامي ثقة عند السيد الخوئي للتفسير، وهو في أول درجة الحسن عند المامقاني، وهو مهمل عند الأغلب.
واستنادا للروايات السابقة ولغيرها أفتى جملة من الفقهاء باستحباب تجنب التعامل مع الأصناف السابقة، وفي هذا الصدد يقول الشيخ الطوسي:
«وينبغي أن يتجنب مخالطة السفلة من الناس والأدنين منهم، ولا يعامل إلا من نشأ في الخير، ويجتنب معاملة ذوي العاهات والمحارفين، ولا ينبغي أن يخالط أحدا من الأكراد ويتجنب مبايعتهم ومشاراتهم ومناكحتهم». (النهاية ص373)
ويقول يحيى بن سعيد الحلي:
"ولا يخالط السفلة ولا يعاملهم والمحارفين، ولا ذا عاهة فإنهم أظلم شيء، ولا تقترض ممن لم يكن فكان، ويكره مخالطة الأكراد ببيع وشراء ونكاح". (الجامع للشرائع ص245، ومستند كراهية مخالطة الأكراد بالنكاح مضافا إلى صدق مخالطتهم بالنكاح بل لعل الصدق فيها أشد من البيع والشراء ما جاء في رواية أخرى لأبي الربيع الشامي عن الصادق (ع) أنه قال: «ولا تنكحوا من الأكراد أحدا فإنهم من جنس الجن كشف عنهم الغطاء». فراجع الكافي ج5 ص352 ح2، والظاهر أن هذه الرواية والرواية الأخرى التي ذكرت في باب من تكره معاملتهم أصلهما واحد بلحاظ اتحادهما في الراوي والمضمون، مضافا إلى الإرسال الموجود في الراوي عن أبي الربيع الشامي)
ويقول المحقق الحلي في تعداد المكروهات في البيع:
" ومبايعة الأدنين وذوي العاهات والأكراد ". (عنه السيد الخونساري في جامع المدارك في شرح المختصر النافع ج3 ص135، ولكن في الطبعة التي كتب مقدمتها السيد محمد تقي القمي السكرتير العام لجماعة التقريب الإسلامي وفي الصفحة120 ضمن منشورات المكتبة الإسلامية الكبرى وقسم الإعلام الخارجي لمؤسسة البعثة، الطبعة الثانية، طهران 1402هـ، وضعت نقط مكان كلمة: الأكراد، وكأن المقدم تحاشيا لما يوجب التقارب بين السنة والشيعة قام بحذفها، وفي رأيي أنه لاينبغي لمن يحقق أو يطبع كتابا إلا أن يلتزم بالأصول العلمية في النقل سواء كان عارفا بالوجه أم لم يكن عارفا بذلك، وسواء كان مقبولا عند الغير أم لا، والأفضل في مثل هذه الحالات أن يعلق المحقق على المقطع الموجب للتشويش بما يرفعه لا بحذف أصل الموجود).
ويقول السيد الطباطبائي تعليقا على ذلك:
"ولا خلاف في الكراهة في شيء من الثلاثة، والنصوص بها مستفيضة". (رياض المسائل ج8 ص162 ط مؤسسة النشر الإسلامي)
وعلل المقدس الأردبيلي الكراهة في تلك الأصناف الثلاثة بقوله:
"دليل كراهة معاملتهم مطلقا عدم خلوص من يعاملهم من أذى بسببهم لعدم الخيرية فيهم غالبا". (مجمع الفائدة والبرهان ج8 ص129)
ويقول السيد الخوئي ضمن تعداد المكروهات في التجارة:
"ومبايعة الأدنين وذوي العاهات والنقص في أبدانهم والمحارفين". (منهاج الصالحين ج2 ص12 مسألة 45، وتبعه على ذلك الشيخ الوحيد الخراساني في منهاجه ج3 ص19، والميرزا التبريزي في منهاجه ج2 ص17، وأما السيد السيستاني في منهاجه ج2 ص21 فقد اقتصر على: "المعاملة مع من لم ينشأ في الخير والمحارفين"، أما السيد الخميني (قد) فقد ذكر عنوانا واحدا في تحرير الوسيلة ج1 ص460 المسألة 22 وهو: "مبايعة الأدنين الذين لا يبالون بما قالوا وما قيل لهم".)
وأقوال الفقهاء في هذا المضمار كثيرة فلتطلب من مظانها.
وقد يكون مفهوما ومقبولا الأسباب الداعية للنهي عن مخالطة السفلة من الناس لما ينجم عن ذلك من تأثر بذميم خصالهم، فإن مرافقة ومخالطة السيئين والأراذل من الناس تؤثر سلبا على سلوك الخيرين منهم، ومن وصايا أمير المؤمنين (ع) لابنه الحسن المجتبى (ع): «قارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم». (نهج البلاغة ص402 ومن وصية له برقم 31، بضبط وتصحيح: صبحي الصالح)
وعنه أيضا (ع): «فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء وصلاح الأخلاق بمنافسة العقلاء». (كشف الغمة ج3 ص141، دار الأضواء – بيروت، الطبعة الثانية 1405هـ، عنه البحار ج75 ص82)
وعنه (ع) كذلك: «صحبة الأشرار تكسب الشر كالريح إذا مرت بالنتن حملت نتنا». (عيون الحكم والمواعظ لليثي الواسطي ص304، بتحقيق: حسين البيرجندي، دار الحديث، قم)

النهي وعلاقته بالدعوة إلى القومية والطبقية

ولكن أليس في النهي عن مخالطة الأكراد دعوة إلى القومية والعنصرية؟ وما معنى أن يكون الأكراد قوما من الجن؟ أليسوا هم من البشر؟
أليس في النهي عن معاملة المحارف ومن لم ينشأ في الخير دعوة إلى الطبقية وإيجاد للفاصلة بين الأغنياء والفقراء؟
ولماذا تميز الرواية بين أفراد البشر، بين ذي العاهة وغيره فإن الله عز وجل خلق ذا العاهة بهذا الشكل أو أنه أصابته مصيبة لم يتدخل بها فجعلته كذلك، فما شأن ذلك في مسألة التعامل معه، ونحن نرى في كثير من أصحاب الأئمة (ع) ممن كان ذا عاهة؟
ألا تميز هذه الرواية بين أفراد المجتمع على أساس خلقي (بفتح الخاء وسكون اللام) وليس على أساس خلقي (بضم الخاء واللام)؟

الجواب عن الشبهة

هناك عدة توجيهات وتفسيرات لما جاء في الروايات لا يتنافى مع المبدأ الإسلامي القائم على أن مقياس التفاضل في المجتمع قائم على العلم والعمل والتقوى ومعالي الأخلاق والخصال، وليس على أساس القومية أو الطبقية أو العنصرية أو أي وصف مرجعه إلى الخلقة البشرية للإنسان، وسيتم تناولها مع كل صنف من الأصناف السابقة.
غير أن من الضروري قبل ذكر التوجيهات التأكيد على نقطة أساسية وهي أننا لا ندرك علل الأحكام وأسسها، ومن ثم فنحن مأمورون بالتعبد بها وإن لم نفهم الوجه فيها، إلا أن تكون تلك الأحكام متعارضة صراحة أو ظهورا مع أحكام أخرى وهنا لابد من البحث في كيفية حل هذا التعارض.
فمثلا مع تأكيد الإسلام على عدم التميز بين أفراد المجتمع ولكنه يؤكد أن الإمامة لاتخرج عن قريش أو أن بني هاشم يستحقون الخمس دون من سواهم أو أن زكاة غير الهاشمي لاتحل للهاشمي أو أن القرشية تختلف عن بقية النساء في حكم الحيض من حيث نهايته، أو ما شابه ذلك من أحكام، فإنه بمقتضى التعبد لما ثبت صدوره من الشارع بالطرق المعتبرة فإن العبد ملزم بقبوله أداء لحق العبودية والطاعة وعدم إدراكه للسر لما كان محتملا لمنافاته لأصول أخرى لا يبيح له التحلل منها.
ولكن هذا لا ينافي أن يحاول الإنسان التأمل والبحث في توجيه بعض الأحكام وأن يحاول التدبر في حكمة صدورها من الله عز وجل، وهذا ما قام به علماؤنا في توجيه الروايات السابقة.

التوجيهات المرتبطة بكراهية معاملة الأكراد

وقبل ذكرها لابد من التنبيه على أن الإشكال إنما يرد ولابد من البحث عن توجيه وجواب له فيما إذا لتزمنا بأمرين:
الأول: إن الرواية معتبرة ولو من جهة التسامح في أدلة السنن، أما لوقلنا بعدم ثبوت استحباب في البين فلا يحتاج الفقيه إلى كثير تكلف، نعم لو قلنا بالعمل بها من باب رجاء المطلوبية كان لابد من البحث عن مخرج وجواب. وكذلك يجب البحث عن جواب لو قلنا بأن عمل المشهور يجبر ضعف السند، حيث أفتى المشهور بكراهة التعامل مع الأصناف السابقة.
الثاني: إن المقصود من الأكراد ذوو الأصول المعروفة، أما لو قيل بأن المقصود من الأكراد هم القوم المطاردون الراحلون من مكان إلى آخر، وكما استظهره بعض العلماء (فقه الصادق ج15 ص170) فإن الرواية لا علاقة لها بالاعتراض المثار، وإن كان من الممكن مع ذلك توجيه وتعليل حكم الكراهة في التعامل معهم، أما لو قلنا بأنهم القوم المعهود فلابد من توجيه الروايات بأحد التوجيهات التالية:
1 – قلة معرفة الأكراد بالأحكام الشرعية.
وهذا ما ذهب إليه ابن إدريس الحلي حيث حمل الكراهية في تعامل هذا الصنف على قلة بصيرتهم في الأحكام، فقال:
"وذلك راجع إلى كراهية معاملة من لا بصيرة له فيما يشتريه ولا فيما يبيعه، لأن الغالب على هذا الجيل والقبيل قلة البصيرة لتركهم مخالطة الناس وأصحاب البصائر". (السرائر ج2 ص233)
ومن ثم فالرواية إرشاد إلى كثرة غير البصير بين الأكراد، ومرجع الكراهة إلى عدم التبصر في الفقه لا إلى كونهم أكرادا، فلا يكون للرواية أي علاقة بالقومية والعنصرية، نظير ما ورد من ذم الأعراب كقوله تعالى: ﴿ الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم . (التوبة /97) حيث قال المفسرون أن منشأ الحكم في الآية من جهة توحشهم وقساوتهم ونشأتهم في بعد من مشاهدة العلماء وسماع التنزيل. (التبيان في تفسير القرآن ج5 ص283، بحار الأنوار ج64 ص167، الميزان في تفسير القرآن ج9 ص370، ومجمع البيان ج5 ص95)
وقد روى الكليني بسند صحيح (عند من يوثق علي بن أبي حمزة البطائني كالمامقاني والسيد الخميني وغيرهما) عن علي بن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن علي بن أبي حمزة، قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: «تفقهوا في دين الله فإنه من لم يتفقه في الدين منكم فهو أعرابي» . (الكافي ج1 ص31)
ومع هذا الذم نجد القرآن مدح بعض الأعراب بقوله تعالى: ﴿ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصوات الرسول . (التوبة / 99) مما يدل على أن النهي ليس متوجها إليهم بما هم سكان البادية في مقابل سكان الحضر. وليس في الآية ما يدل على التلازم غير القابل للانفكاك بين كونهم أعرابا وبين الكفر والنفاق بل لأن طبيعة العيش بالبادية أقرب للجهل وعدم المعرفة بالدين من العيش بالحضر، ومن ثم يكون كفرهم أشد.
تجدر الإشارة إلى أن ابن جرير الطبري نقل في تفسيره عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ حرقوه وانصروا آلهتكم  (الأنبياء / 68) أن قائلها رجل من أعراب فارس يعني الأكراد، أي أن الأكراد بين الفرس بمنزلة الأعراب بين العرب. (جامع البيان ج17 ص57)
ولعل هذا النقل يعزز رأي من يقول بأن المقصود من الأكراد الراحلون المتنقلون من مكان لآخر وليس أصحاب العرق والأصل المعروف.
2 – كثرة التحايل وسوء الخلق
وهذا ما احتمله العلامة المجلسي حيث قال:
"وربما يأول كونهم من الجن بأنهم لسوء أخلاقهم وكثرة حيلهم أشباه الجن، فكأنهم منهم كشف عنهم الغطاء". (مرآة العقول ج19 ص145)
وبناء عليه تكون الرواية إرشادا إلى الحذر في التعامل منهم لغلبة استعمالهم للحيل والخداع في المعاملة، ولا تعني أن كل كردي متحايل ومخادع وسيء الخلق وأن هذه الصفة ملازمة له لأنه كردي.
3 – تأثير عدم الاستقرار على الصفات الأخلاقية
ويحتمل أن يكون المقصود ذلك حيث وصفتهم الرواية بأنهم من الجن، وهو كناية عن خفة الحركة وكثرتها فإن الجن بالقياس إلى الإنسان متميز بذلك، فيكون غرض الرواية الإشارة إلى حالة عدم الاستقرار الموجودة لدى الأكراد مما يوجب كثرة تنقلهم، والشواهد التاريخية تساعد على ذلك حيث كان الأكراد يعيشون في المناطق الجبلية وكانوا مطاردين من الحكام وكانوا أصحاب ثورات ودعوات انفصالية.
ولعل في بعض الروايات إشارة إلى أن حالة عدم الاستقرار كانت ملازمة للأكراد في فترة صدور النص، فقد روى الكليني بسند صحيح عن علي بن محمد عن أحمد بن أبي عبد الله وغيره أنه كتب إليه (ع) يسأله عن الأكراد، فكتب: «لا تنبهوهم إلا بحر السيف». (الكافي ج7 ص297 ح4، وفي بعض النسخ: بحد السيف)
ولقد أورد الكليني الحديث في باب قتل اللص من كتاب الديات.
وقال العلامة المجلسي تعليقا على الحديث:
"ولعل المراد بالأكراد اللصوص منهم، فإن الغالب فيهم ذلك، كذا فهمه الكليني". (مرآة العقول ج24 ص57)
أما الحر العاملي فقد أورده تحت عنوان: "باب جواز قتال قطاع الطرق". (وسائل الشيعة 28 ص382) وفي هذا العنوان إشعار بحالة عدم الاستقرار الحاكمة على قسم كبير من الأكراد بحيث اشتهر بينهم في ذلك العصر قطاع الطرق واللصوص، وفي بعض النصوص التاريخية مؤيدات لذلك، فمنها قصة قيام بعض قطاع الطرق الأكراد بسلب دعبل بن علي الخزاعي بعد سفره للإمام الرضا (ع) ولقائه به، والقصة فيها ما يدل على أن من قام بسلب دعبل من الأكراد ومن ثم تعجب دعبل من ذلك حيث كان الغالب بينهم أنهم من غير المنتسبين للشيعة. (الغدير ج2 ص356، نقلا عن مطالب السؤول في مناقب آل الرسول لكمال الدين بن طلحة الشافعي، فراجع ج2 ص131 من إصدارات مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، بتحقيق ماجد أحمد العطية، الطبعة الأولى 1420هـ - بيروت، وللشيخ عزيز الله العطاردي تعليق على هذه الرواية فراجع مسند الإمام الرضا ج1 ص185)
ومن الطبيعي أن هذه الحالة تؤثر على الخصال النفسية لمن يكثر التنقل، وتكون الرواية الناهية عن تعاملهم إرشادا إلى تأثير حالة عدم الاستقرار على صفاتهم الأخلاقية وتأثير العوامل الخارجية (المحيط) على الخصال النفسانية، مما يوجب كراهة التزويج منهم، ومما يجعل المرأة المتزوجة منهم تعيش حالة عدم الاستقرار النفسي، وكذلك لا يمكن للإنسان أن يصل إلى حقه فيما إذا أقرضهم أو أراد استعادة حقه وماله أو أراد أن يستلم الثمن فيما إذا باعهم متاعا، ومن ثم لا تكون هناك أي كراهة عند من لا يعيش تلك الحالة أو لا تؤثر في صفاته، حيث أن حالة عدم الاستقرار ليست علة للتخلق بالصفة الأخلاقية السلبية بل هي فيها اقتضاء ذلك، نظير ولادة الشخص من أبوين كافرين فهي ليست علة لكفره بل فيها اقتضاء كفره ومن الممكن للإنسان عبر الفحص واستعمال العقل ومخالفة الهوى من اعتناق الدين الحق.
والخلاصة إن الرواية تحذر من التعامل معهم من جهة كثرة بعض الصفات السلبية بينهم ولو من جهة تأثير المحيط الخارجي عليهم، لا من أجل عنصرهم وطائفتهم، نظير ما جاء مرويا عن أمير المؤمنين (ع) من أن الله يعذب ستة بستة ومنهم العرب بالعصبية. (المحاسن ج1 ص10، والكافي ج 8 ص163، الخصال ص325) فليس المقصود أن كل عربي لديه عصبية بل المقصود أن هذه الصفة ملاحظة فيهم كمجموع.
4- التقلب
ويحتمل هذا المعنى في إطلاق لفظ الجن عليهم من جهة كثرة صفة التقلب فيهم، وعدم وجود حالة واحدة متسقة بينهم، والإنسان المتقلب لايمكن الاعتماد عليه في التعامل لأنه قد يكون وفيا لك اليوم لأن الظروف فرضت عليه ذلك، وقد يخونك إذا ما فرضت تحالفاته ومصالحه أن يحسن علاقته بخصمك، والملاحظ على الأكراد ضمن تاريخهم كثرة التقلبات في علاقاتهم مع غيرهم، فيكون مقصود الرواية التحذير من هذه الجهة فيهم، ولايمكن أن تشمل بطبيعة الحال من علم الإنسان فيهم الثبات والاعتماد.
وأخيرا فإن تحذير الرواية من التعامل مع الأكراد لوجود جهة أو جهات سلبية فيهم لا ينفي وجود جهات إيجابية فيهم كالشجاعة والإقدام.

التوجيه المرتبط بكراهة التعامل مع المحارف
والوجه في ذلك واضح بحسب الظاهر فإن المحارف الذي لايبارك في رزقه لأسباب عديدة تخصه (مذكورة في الأحاديث المتعلقة بموجبات الرزق وموانعه) عندما يتعامل مع غيره فإنه يخشى على غير المحارف أن تزول البركة في معاملته لأنه تعامل مع المحارف، أي أن عدم البركة تسري إليه وتعديه.
وقد يكون المراد أيضا أن المحارف بسبب عدم البركة في رزقه وانسداد باب الرزق عليه يسعى لتعويض ذلك النقص عبر الغش في المعاملة ولعل في كلمة "خلطته" في الحديث إشعارا بذلك، فقد روى الشيخ الصدوق في الفقيه الحديث الأول الذي رواه الكليني في باب من تكره معاملته بلفظ مغاير لكلمة "صفقته"، فقد روى عن الإمام الصادق (ع) قوله: «يا وليد لا تشتر لي من محارف شيئا فإن خلطته لا بركة فيها». (من لا يحضره الفقيه ج3 ص164)
وبناء عليه تكون الرواية إرشادا إلى الحذر في التعامل معه حتى لايخدع المرء، ويمكن أن يتحقق ذلك عبر الدقة فيما يراد شراؤه أو التعامل معه عليه.

التوجيه المرتبط بكراهة التعامل مع من لم ينشأ في الخير
ولعل الوجه في ذلك أنه يكون حريصا على المال بخلاف من نشأ في الخير الذي اعتاد على رؤية النعمة والمال فهو متصف بالأريحية والمرونة والتساهل في المعاملة، وفي حرص من تعامل معه وكيل الإمام الصادق (ع) على استرداد القرض بسرعة وإلحاحه في ذلك مؤشر واضح على ذلك، فالرواية ترشد إلى انتشار هذه السلبية في هذا الصنف ولاتعني أن كل فقير أو كل من لم ينشأ في الخير كذلك، كيف وقد وصف القرآن الكريم بعض الفقراء بأنه ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف . (البقرة / 273)
كما أن من نشأ في الخير تكثر فيهم صفة الأريحية وعدم الحرص ولا تعني أنهم جميعا كذلك فإن الإنسان يجد فيهم البخلاء، فالمقصود أن النشأة في الخير فيها اقتضاء الصفة الإيجابية في التعامل، وعدم النشأة في الخير فيها اقتضاء الصفة السلبية في التعامل لا أنهما علتان لهاتين الصفتين.

بعض أحكام ذوي العاهة
وقبل التعرض لذكر التوجيهات المرتبطة بذوي العاهة يحسن الإشارة إلى وجود جملة من الأحكام المختصة بهم غير ما فات مدونة في كتب الحديث والفقه - وستؤثر في مزيد من الفهم لحكم الكراهة - وأهمها:
1 – عدم جواز أن يكون الأنبياء والأئمة عليهم السلام من ذوي العاهات.
وقد ذكر ذلك جملة من علماء الإمامية في الكتب العقائدية والكلامية وغيرها عند تعرضهم لما يجب أن يتحلى به الأنبياء (ص) من الصفات، وذكروا أن الوجه في ذلك ما توجبه الإصابة بالعاهة من نفور الخلق منهم فيتنافى مع الغاية من نبوتهم، ويلحقه الإمام المعصوم لنفس الحكمة.
قال العلامة الحلي:
"يجب في النبي كمال العقل وهو ظاهر، وأن يكون في غاية الذكاء والفطنة وقوة الرأي بحيث لا يكون ضعيف الرأي، مترددا في الأمور متحيرا، لأن ذلك من أعظم المنفرات عنه، وأن لا يصح عليه السهو لئلا يسهو عن بعض ما أمر بتبليغه، وأن يكون منزها عن دناءة الآباء وعهر الأمهات لأن ذلك منفر عنه، وأن يكون منزها عن الفظاظة والغلظة لئلا تحصل النفرة عنه، وأن يكون منزها عن الأمراض المنفر نحو الأبنة، وسلس الريح والجذام والبرص وعن كثير من المباحات الصارفة عن القبول منه القادحة في تعظيمه، نحو الأكل على الطريق وغير ذلك، لأن كل ذلك مما ينفر عنه، فيكون منافيا للغرض من البعثة". (كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ص349 بتصحيح: حسن زادة الآملي، عنه البحار ج17 ص109.
وللمزيد راجع أيضا شرح أصول الكافي للمازندراني ج9 ص206، وبحار الأنوار للمجلسي ج25 ص155)
وقال السيد المرتضى:
"فإن قيل أفتصحون ما روي من أن الجذام أصابه (أي أيوب عليه السلام) حتى تساقطت أعضاؤه؟
قلنا: أما العلل المستقذرة التي تنفر من رآها وتوحشه كالبرص والجذام فلا يجوز شيء منها على الأنبياء (ع)". (تنزيه الأنبياء ص116 ط مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، بتحقيق: فارس حسون، ولمزيد من الاطلاع على الموضوع يراجع المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي ص154، ومحاسن الاعتقاد في أصول الدين للشيخ حسين آل عصفور ص114، والذخيرة في علم الكلام للسيد المرتضى ص338، والمنقذ من التقليد للشيخ سديد الدين محمود الحمصي الرازي ص 428، وإرشاد الطالبين للمقداد السيوري ص305.)

ويعضد ما ذكروه من الدليل العقلي التام جملة من الروايات:
منها: ما رواه الكليني بسند صحيح عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (ع) قال: «إن الأمر في الكبير ما لم تكن فيه عاهة». (الكافي ج1 ص285 ح6، وج1 ص351 ح7، وأبو يحيى الواسطي كنية لشخصين أحدهما هو سهيل بن زياد وهذا لم يوثق بالخصوص، قال عنه المامقاني في نتائج تنقيح المقال ص71: ضعيف أو مجهول، وقال عنه المجلسي في رجاله ص224: ضعيف، والآخر هو زكريا بن يحيى الذي وثقه النجاشي.
وبما أن الراوي مشترك بين الثقة وغيره فلايمكن الحكم بصحة الرواية إلا إذا كانت هناك قرينة ولو من خلال الراوي أو المروي عنه على إرادة خصوص الثقة.
والمدون في الكتب الرجالية أن أحمد بن محمد بن خالد البرقي يروي عن سهيل بن زياد الواسطي كتابه (معجم رجال الحديث ج8 ص358)، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يروي عن زكريا بن يحيى الواسطي (معجم رجال الحديث ج7 ص291)، ومحمد بن يحيى العطار شيخ الكليني كان يكثر الرواية عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، (معجم رجال الحديث ج18 ص7) وبما أن الراوي عن أبي يحيى الواسطي المشترك هو أحمد بن محمد من دون تحديد له بالبرقي أو الأشعري، فلا يمكن تحديد الواسطي بقرينة الراوي عنه. وكذلك هو غير ممكن بقرينة المروي عنه لأنه يمكن لأي واحد منهما أن يروي عن هشام بن سالم.
وممن ذهب إلى ضعف الرواية العلامة المجلسي في مرآة العقول ج3 ص206 والوجه في ذلك إما الاشتراك بين الثقة وغيره وإما لاستظهار كون أبي يحيى الواسطي هو سهيل بن زياد، وهذا ما ذهب إليه المجلسي في رجاله ص358.
وكذلك قام البهبودي بحذف الرواية من كتابه صحيح الكافي ج1 ص32.
هذا ولكن هناك مستندا معتمدا لتصحيح الرواية وهو أن الشيخ المفيد روى في ضمن دلائل الإمام موسى بن جعفر (ع) ومعجزاته الرواية بنفس سند الكليني وبنفس المضمون (وإن كان خاليا منه عبارة:« إن الأمر في الأكبر ما لم تكن فيه عاهة») بالشكل التالي:
أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم. (الإرشاد ج2 ص221 ط مؤسسة آل البيت)
و أحمد بن عيسى هو أحمد بن محمد بن عيسى وهو من النسبة إلى الجد، ومما يدل على ذلك أيضا أن الطبرسي الذي قام بمتابعة الشيخ المفيد في محتوى كتابه كما يلاحظه المتأمل نقل السند مع التصريح بأن اسم الرواي هو أحمد بن محمد بن عيسى. (إعلام الورى بأعلام الهدى ج2 ص16 ط مؤسسة آل البيت)
فيكون هذا السند قرينة على أن المقصود من الواسطي هو زكريا بن يحيى الثقة، وبالتالي تكون رواية الكليني صحيحة السند).
ولقد استدل الشيخ المفيد بهذا الحديث لإثبات بطلان إمامة عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق (ع). (الفصول المختارة ص312)
ومنها: ما رواه الكليني أيضا بسند صحيح عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله (ع) في خطبة له يذكر فيها حال الأئمة (ع) وصفاتهم، وجاء فيها:
"مصروفا عنه قوارف السوء، مبرأ من العاهات، محجوبا عن الآفات". (الكافي ج1 ص203 ح2)
ومنها: ما رواه قطب الدين الراوندي عن محمد بن الفضل أن رأس الجالوت سأل الإمام الرضا (ع) عن الدليل على الإمام (ع)، فكان مما قاله (ع) في جوابه:
«ثم يكون مع هذه الخصال تقيا نقيا من كل دنس، طاهرا من كل عيب ... الخ». (الخرائج والجرائح ج1 ص350)
ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن الجوهري، عن الإمام الصادق (ع)، عن أبيه الباقر (ع) قال:
«إن أيوب (ع) ابتلي سبع سنين من غير ذنب، وإن الأنبياء (ع) لا يذنبون لأنهم معصومون مطهرون لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا.»
«وقال (ع): إن أيوب (ع) من جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة ولا قبحت له صورة، ولا خرجت منه مدة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه، ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا تدود شيء من جسده». (الخصال ص398 ح108)
2 – الاختلاف في جواز إمامة بعض أقسام ذوي العاهة للجماعة
ومنشأ الاختلاف اختلاف الروايات الواردة في هذا الخصوص واختلاف الفقهاء في وجه الجمع بينها. (راجع تهذيب الأحكام ج3 ص26، ووسائل الشيعة ج8 ص323)
قال السيد المرتضى:
"ومما انفردت الإمامية به كراهية إمامة الأبرص والمجذوم والمفلوج، والحجة فيه إجماع الطائفة.
ويمكن أن يكون الوجه في منعه نفور النفوس عمن هذه حاله والعزوف عن مقاربته، ولأن المفلوج ومن أشبهه من ذوي العاهات ربما لم يتمكنوا من استيفاء أركان الصلاة". (الانتصار ص158)
وقال العلامة الحلي في المنتهى:
"قال الشيخ في التهذيب: "ينبغي أن يكون الإمام بريئا من سائر العاهات، وهذا على الاستحباب إلا ما استثني، فعلى هذا يكره إمامة الأصم لأنه ذو عاهة، ولو انضم إلى الصمم عمى كان أشد كراهة".
لكن صرح هو في أغلب كتبه بالجواز ولم يشر إلى الكراهة، ولذلك لم يتعرض له أغلب الفقهاء عند ذكر شروط إمام الجماعة وما يستتبعه من أبحاث". (الموسوعة الفقهية الميسرة ج3 ص396)
وعلق العلامة المجلسي على رواية عبد الله بن يزيد عن الصادق (ع) حول إمامة الأبرص والمجذوم للجماعة بالقول:
"ويدل على جواز إمامة الأجذم والأبرص، واختلف الأصحاب فيهما، فقال الشيخ في النهاية والخلاف بالمنع منه مطلقا، وقال المرتضى وابن حمزة بالكراهة، والشيخ في المبسوط وابن البراج وابن زهرة بالمنع إلا لمثلهما، وقال ابن إدريس يكره إمامتهما فيما عدا الجمعة والعيدين، أما فيهما فلا يجوز، والمسألة لا تخلو من إشكال، وإن كان الجواز مع الكراهة قويا". (البحار ج85 ص103، وللمزيد يراجع المهذب لابن البراج الطرابلسي ج1 ص80، والنهاية للشيخ الطوسي ص112، وكذلك المبسوط له ج1 ص155، وتذكرة الفقهاء للعلامة الحلي ج4 ص26 وص296، وإيضاح الفوائد لابن العلامة ج1 ص119، وجامع المقاصد للمحقق الكركي ج2 ص374، وتحرير الوسيلة ج1 ص252 المسألة9 للسيد الخميني، ومدارك الأحكام للسيد العاملي ج4 ص368.)
3 – جواز الفسخ في عقد النكاح لبعض أقسامه
ومن الأحكام الخاصة ببعض أقسام ذوي العاهة هو جواز الخيار في عقد النكاح للجاهل بالعيب أثناء العقد وفي بعض الحالات فيما لو تجدد العيب بعد العقد، فقد ذكروا أن العيوب الموجبة للفسخ في الرجل أربعة هي الجنون والعنن والخصاء والجب، واختلفوا في ثبوت الخيار فيه إذا كان أبرص أو أجذم أو أعمى، وأما في المرأة فقالوا يثبت الخيار فيها في حالات الجنون والجذام والبرص والقرن والإفضاء والعمى والإقعاد. وهناك تفاصيل كثيرة مبنية على اختلاف اجتهادات الفقهاء لا يسعها هذا المختصر. (راجع رياض المسائل ج10 ص373 ط مؤسسة النشر الاسلامي، وجواهر الكلام ج30 ص318)
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن أصل تميز بعض ذوي العاهات بأحكام مميزة لا يختص بفقه الإمامية، فقد قال محي الدين النووي:
"وفي فتاوى ابن تيمية وبه صرح المالكية أن من به الجذام والبرص وهو من سكان المدارس والرباطات أزعج وأخرج لقوله (ص): «لا يوردن ذو عاهة على مصح »، قال ابن العماد: فعلى هذا فيمنع من به برص أو جذام أو صنان مستحكم أو بخر من الجماعات والجمعات ...الخ". (روضة الطالبين ج1 ص101.)
والصنان بضم الصاد جمع أصنة وهي الرائحة المنتنة. والحديث الذي نقله النووي رواه الشيخ الصدوق في معاني الأخبار ص282، ولكنه فسر المقصود من ذي العاهة الإبل التي فيها الجرب أو الداء فلا يدخلها الرجل على الإبل السليمة، وكذا فسره السيد المرتضى في الأمالي ج2 ص44.
قال العبادي: "وتكره مصافحة من به عاهة كجذام أو برص". (مغني المحتاج ج3 ص135، وكذا قال المليباري الهندي في فتح المعين ج3 ص305.)
وكذلك ذكر أهل السنة جواز الفسخ في النكاح إذا كان أحد الزوجين مصابا المرأة بالجذام أو البرص. (الأم للشافعي ج5 ص91، والمجموع للنووي ج16 ص266، وروضة الطالبين للنووي ج5 ص510، والإقناع للحجاوي ج2 ص82، ومغني المحتاج ج3 ص202)
وجاء في كتبهم أيضا عدم جواز إمامة أقطع الرجلين، واختلفوا في جواز إمامة الأصم. (الشرح الكبير ج2 ص30 - 31)

وعودا على ما فات فمن الممكن تصور عدة احتمالات لتوجيه كراهة التعامل مع ذي العاهة في مورد بحثنا، فقد وصفوا في الرواية بأنهم "أظلم شيء"، في إشارة إلى أن حجم الضرر لو وقع منهم سيكون أشد على المتعامل معهم من غيرهم، ومن تلك الاحتمالات:
1 – التحذير من الضرر الصحي
قال العلامة المجلسي:
" لعل نسبة الظلم إليهم لسراية أمراضهم، أو لأنهم مع علمهم بالسراية لا يجتنبون عن المخالطة". (مرآة العقول ج19 ص145)
ومن مؤيدات هذا الرأي ما رواه الصدوق عن الإمام الصادق (ع)، عن آبائه (ع)، عن علي (ع)، قال: قال رسول الله (ص):
«إن الله عز وجل كره لكم أيتها الأمة أربعة وعشرين خصلة ونهاكم عنها: ........، وكره أن يكلم الرجل مجذوما إلا أن يكون بينه وبين المجذوم قدر ذراع، وقال: فر من المجذوم فرارك من الأسد». (الخصال ص520 ح9، عنه البحار ج72 ص14 ح2)
ومن الواضح أن هذا التوجيه لا يستقيم مع جميع أنواع النقص، فإن بعضها كالعمى والعرج مما لا يعدي.
هذا وقد استبعد الشيخ يوسف البحراني الاحتمال الذي ذكره العلامة المجلسي واستظهر كون الظلم أمرا ذاتيا فيمن كان ذا عاهة. (الحدائق الناضرة ج18 ص39)
ويمكن تفسير ذاتية الظلم التي أشار إليها الشيخ يوسف البحراني بما سنذكره من الوجهين الآتيين.
2 – الإرشاد إلى الآثار النفسية للعاهة
إذ يحتمل أن الشخص الذي يكون ذا نقص في بدنه يشعر بأنه دون الآخرين فيسعى إلى تعويض هذا الشعور بالدونية وبإلقاء من الشيطان وبضعف من النفس البشرية المنقادة للشيطان عبر التجبر أو إلحاق الأذى بالآخرين، وقد روى الكليني عن الإمام الصادق (ع) قوله:
«ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه». (عنه البحار ج70 ص225 ح17)
أي أن العاهة فيها اقتضاء خلق هذه الحالة في النفس في المصابين بها ولايردعها إلا الالتزام بالأخلاق وتهذيب النفس والتسليم لما كتبه الله عز وجل، وقليل من المصابين بالعاهة يسلم من آثارها لأنهم لم يزكوا أنفسهم بالدرجة المطلوبة.
3 – الإرشاد إلى الآثار الطبعية للعاهة
والمقصود أن هناك جملة من الآثار لا يتحكم بها صاحبها بل هي مغروسة في طباع الإنسان لعلة عضوية في البدن، مثل الأثر الطبعي لبعض المأكولات في إثارة الشهوة الجنسية أو تأثير العنصر الوراثي في سلوك الإنسان العصبي، أو أثر الألوان في ارتياح النفس أو ضيقها، وغير ذلك من الآثار، وهذه الآثار لايمكن إزالتها إلا بتوطين النفس على بذل المزيد من الجهد بعكس اتجاه الطباع ذات التأثير السلبي.
ومما يدل على أصل التأثير ما رواه الشيخ الصدوق بسند صحيح عن أبيه رحمه الله، قال: حدثني سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد البرقي، عن محمد يحيى، عن حماد، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): جعلت فداك، نرى الخصي من أصحابنا عفيفا له عبادة، ولا نكاد نراه إلا فظا غليظا سريع الغضب، فقال: «إنما ذلك لأنه لم يولد له ولا يزني». (علل الشرائع ج2 ص602 ح66)
قال العلامة المجلسي:
"يحتمل أن يكون قوله (ع): «إنما ذلك» علة لعفته، أو المعنى أن غلظته وفخره وعجبه بترك الزنا، ويحتمل أن يكون المراد عدم قدرته على الجماع مطلقا فإن به تندفع المواد الفاسدة، وبه يستقيم الطبع والخلق". (البحار ج5 ص280)
ومن المؤيدات لهذا الاحتمال في ذي العاهة والنقص ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال عن أبي عبد الله (ع) قال: «خمسة خلقوا ناريين: الطويل الذاهب، والقصير القميء، والأزرق بخضرة، والزائد، والناقص». (الخصال ص285 ح41، عنه البحار ج5 ص277 ح6)
فإن الحديث يؤكد على علاقة العنصر البدني بأعصاب الإنسان وكثرة غضبه، وهو المراد بحسب الظاهر من الخلقة النارية.
وخلاصة الكلام أن النهي عن التعامل مع الأصناف السابقة ليس نهيا شاملا لكل فرد فيهم بل تنبيه لآثار سلبية قد تظهر في عدد كثير منهم أثناء التعامل، مما يقتضي الحذر والاحتياط.

موقع المشكاة - السيد هاشم الهاشمي  

 


 

اضغط هنا لمراسلة إدارة الموقع

جميع الحقوق محفوظة لموقع المشكاة © 2005