إمامة الإمام علي (ع) والوفاء بالنذر

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا * يوفون بالنذر ويخافون من يوم كان شره مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولاشكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا. (الإنسان / 5 – 12) [e]مقدمة مهمة عن خطب الجمعة[/e] http://www.al-meshkah.com/showkh.php?id2=26&cat=6 الآيات المباركات من سورة الإنسان، وهي تحكي قصة نذر الإمام علي وزوجته الصديقة الزهراء عليهما السلام، وقبل التعرض لدلالاتها أرى من المناسب التعرض لبعض الأحداث المحلية المهمة. [t]الكويت في منعطف خطير[/t] تمر الكويت بظروف استثنائية عصيبة بعد أحداث منطقة مبارك الكبير التي أدت إلى مقتل رجال الأمن أثناء أداء الواجب، وتقتضي هذه الظروف تكاتفا وتعاضدا بين أبنائه، فقضية الأمن لا تفرق بين الحكومة والشعب، حتى الشخص الذي لايريد التدخل في السياسة ويقول أنا ألتزم بديني وبيتي ولا شأن لي بالآخرين لايمكنه أن يتعبد كما يحب في ظل انعدام الأمن. ولقد كان الموقف الرسمي السابق الذي انتقدناه يتكلم عن أن هذه الأحداث تمثل حالات شاذة وكنا نقول أنها ظاهرة لابد من الإقرار بها أولا لكي نعالجها ونتخلص من تبعاتها، والآن نسمع عن "الظاهرة الشاذة"!! فجمعوا بين كونها "ظاهرة" و"شاذة" في نفس الوقت!! ومع إقرار بعض المقبوض عليهم بوجود خلية أخرى كبيرة لم تكتشف بعد فمن الواضح أنه بضميمة ما حصل سابقا من أحداث وعدد المقبوض عليهم في قضية الجهاد المزعوم في العراق، وعدد من قتل منهم في العراق، وعدد من ألقي القبض عليهم أخيرا فإن المسألة بلغت حد [e]"الظاهرة الخطيرة"[/e] التي يجب مواجهتها بحكمة وبقوة أيضا. وفي هذا الظرف العصيب الذي عقدت جلسة خاصة من قبل مجلس الأمة لمناقشة الأوضاع الأمنية فإن هناك تساؤلا مثارا في وسط الشارع الكويتي عن سر تغيب بعض الأعضاء المحسوبين على توجه معين عن جلسة المجلس مع أهمية المسألة المناقشة للكويت وأهلها. [t]المجرمون يهدفون إثارة الفتنة الطائفية[/t] وقد نشرت بعض الصحف المحلية أن بعض المقبوض عليهم قد اعترفوا بأنه كان من نيتهم القيام بعمليات تفجير انتحارية في وسط الحسينيات في هذا البلد، وفي هذا تأكيد على ما ذكرناه سابقا أن هناك حرصا من بعض الأطراف إلى نقل الحالة التي تسعى العصابات الإجرامية في العراق إثارته بالقتل والتفجير والإرعاب إلى الكويت، أي زرع أرضية للفتنة الطائفية، فعمى القلب جعلهم يتخبطون ويتبعون ناعق الشيطان للانتقام من الشيعة الأبرياء العزل، وللأسف فقد انساق البعض في جلسة مجلس الأمة خلف تلك الغايات المريبة وأخذ يثير قضايا طائفية قديمة لا علاقة لها بالوضع القائم الآن وكأنها هي السبب في الوضع الحالي وليس إجرام المجرمين الحاملين للسلاح، والجلسة وإن كانت سرية ولكن الكويت بلد صغير ومن النعم فيه الدواوين والأخبار تتناقل بسرعة حتى أنني سمعت أحد أعضاء مجلس الأمة متحدثا لإذاعة البي بي سي يقول أنه لم يكن هناك سبب وجيه للجلسة السرية فالمعلومات التي تم تداولها في المجلس كلها منقولة في الصحف!! ولم يكن هناك شيء جديد!! [t]متابعة المرجعية أفشلت الخطط [/t] لقد حاولوا في العراق ففشلوا وما ذلك إلا لأن الشيعة التزموا رأي المرجعية وإلا فالعشائر العراقية كان لها القدرة على إبادة المناطق التي عرفت بارتكاب الجرائم بشكل متواصل، ولقد نقل عن السيد السيستاني قوله: لو قتلوا مائة شيعي فلن نقتل سنيا واحدا، نعم القاتل يجب أن يقتل بما هو قاتل لا بما هو سني، وبهذا الالتزام تقدم العراق نحو الاستقرار، وبمتابعة المرجعية تقدمت العملية السياسية في العراق نحو الاستقرار عبر الانتخابات رغم كل التهديدات والمخاوف الأمنية، ولقد التحول السيد السيستاني حفظه الله إلى صمام أمان للاستقرار في العراق، وفي موقف شيعة العراق رد على من يثير مسألة أن متابعة العراقيين لمرجعهم الإيراني يخالف المصلحة الوطنية، فإصرار المرجعية على تقدم العملية السياسية والتزام الشعب العراقي بتعاليمها وعدم الانسياق خلف المؤامرات والفتن الطائفية أحبطا خطط المتآمرين. [t]التعاون مع الأجهزة الأمنية وحفظ الشعائر[/t] لقد كانت توجيهات المراجع عموما تتمثل في عدم الدخول في الفتن التي تثير العداوة بين المسلمين وعدم الزج بها، وحيث أن المجرمين الذين ألقي القبض عليهم في الكويت كانوا يهدفون ذلك فلابد من تحقيق المزيد من التعاون بين أصحاب الحسينيات والأجهزة الأمنية، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب إقامة الشعائر الحسينية عبر التضييق عليها، بل من خلال تكثيف الأمن، لأنها شعائر دينية من حق كل مواطن القيام ويحق لمن كان يقيمها من قبل أن يقيمها الآن، فكما أن الشاب الذي يريد أن يفرح بالاحتفال بالعيد الوطني لا تمنعه الحكومة من إبداء فرحه بل تحقق له المزيد من الأمن، فكذلك الأمر في شهر محرم المقبل ونحن على أعتابه إذ لابد من تكثيف الأمن، فالوطن مستهدف كله، والمطلوب من أصحاب الحسينيات الانتباه والحذر وإبداء المزيد من التعاون مع أجهزة الأمن. [t]آية الوفاء بالنذر وأقوال العلماء فيمن نزلت[/t] نعود إلى محل الحديث من الخطبة، أي نزول سورة هل أتى في أهل البيت (ع) بسبب صومهم وتصدقهم بطعام إفطارهم للفقير، وقد ذكر الشيخ عباس القمي في وقائع الأيام ص139 أن السورة نزلت في مثل هذا اليوم، أي الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة، وقد اعتمد في ذلك على ما ذكره الشيخ الطوسي في مصباح المتهجد ص767. يقول الشيخ المفيد في كتابه الفصول المختارة ص140: "واتفقت الرواة من الفريقين من الخاصة والعامة على أن هذه الآية بل السورة كلها نزلت في أمير المؤمنين وزوجته فاطمة وابنيه". وقال أيضا في المسائل العكبرية ص48: "وكان هو أي أمير المؤمنين (ع) هو المعني بذلك في هذه الآية على اتفاق العلماء بتأويل القرآن". ولقد أورد جملة من علماء السنة بعض الروايات الدالة في نزول الآيات في أمير المؤمنين (ع)، منهم السيوطي في الدر المنثور ج6 ص485 فيما نقله عن ابن مردويه، والحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ج2 ص298، والبغوي الشافعي في معالم التنزيل بهامش تفسير الخازن ج7 ص159، وفي تفاسير أخرى كتفسير البيضاوي والنسفي. وقال القرطبي في تفسيره ج19 ص85: "وقال أهل التفسير: نزلت في علي وفاطمة رضي الله عنهما وجارية لهما اسمها فضة ....، وقد ذكر النقاش والثعلبي والقشيري وغير واحد من المفسرين في قصة علي وفاطمة وجاريتهما حديثا لا يصح ولا يثبت ...". ولقد نقل القرطبي في تفسيره ج19 ص77 عن القشيري قوله: "إن هذه السورة نزلت في علي بن أبي طالب"، وما يهمنا حاليا إقرار القرطبي بأن أهل التفسير من العامة اعترفوا بنزولها في الإمام علي (ع). [t]القصة كما نقلها الزمخشري[/t] ونورد القصة عن الزمخشري لنقلها مختصرة في تفسيره، فقد نقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "إن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله (ص) في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة وجارية لهما إن برءا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوا بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم، فآثروه، ووقف عليه أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذ علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله (ص)، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم. وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرائيل وقال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة. (الكشاف ج4 ص670) [t]تفسير مختصر للآيات وفيها إشارات لفضائل أهل البيت (ع)[/t] [e][*]منزلة الأبرار[/*][/e] قوله تعالى: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا وصفتهم الآية بالأبرار الذين أشاد بهم الله عز وجل في العديد من الآيات، كما في قوله تعالى: وتوفنا مع الأبرار (آل عمران / 193)، كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم * يشهده المقربون * إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون (المطففين / 18 –28) والمتأمل في سورتي الإنسان والمطففين يجد التقارب في وصف الأبرار من جهات عديدة وكأنهما تحكيان حادثة واحدة. والأبرار جمع بر بفتح الباء، وهي صفة مشبهة من البر وهو الإحسان، أي أنهم يحسنون في أعمالهم من غير أن يريدوا نفعا يرجع إليهم من جزاء أو شكور، فهم يريدون الخير لأنه خير لا لأن فيه نفعا لهم. (الميزان ج20 ص124) والآية صفتهم بأنهم عباد الله أي أن عبوديته ترسخت فيهم فظهرت آثارها عليهم. [*][e]الوفاء بالنذر[/e][/*] يوفون بالنذر ويخافون من يوم كان شره مستطيرا والمستطير أي المنتشر والبالغ غايته، والآية تجيب عمن يسأل: لماذا الله عز وجل رزقهم ذلك؟ والجواب هو: لأنهم يوفون بالنذر وهو مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله كان بما أوجبه الله عليه أوفى. (زبدة البيان للمقدس الأردبيلي ص424) [*][e]المراد من الضمير في على حبه [/e][/*] ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيراالضمير في حبه يحتمل وجوها: الأول: الطعام، أي يطعمون الطعام مع اشتهائه والحاجة إليه، نظير قوله تعالى: وآتى المال على حبه (البقرة /177) ويكون معنى على أي مع كما في قوله تعالى: إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم (الرعد /6) أي مع ظلمهم. روى البرقي بسند صحيح عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن الرضا (ع) في قول الله: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا قال: قلت: حب الله أو حب الطعام، قال (ع): [h]حب الطعام[/h]. (المحاسن ج2 ص160 ح1436 / 72) وبناء عليه تكون الرواية تاكيدا لإيثارهم الشيء مع اشتهائهم إليه بسبب جوعهم. الثاني: الإطعام، أي يطعمون على حبهم للإطعام، من جهة أن الإطعام محبوب لله عز وجل. (زبدة البيان ص424) الثالث: الله سبحانه وتعالى، أي أن فعلهم وهو الإطعام صدر من جهة حب الله، وهو الباعث على فعلهم. والضمائر وإن تعددت معانيها ولكنها تؤول في النهاية إلى تقديم ما يحبه الله عز وجل على ما سواه، فمن يطعم الطعام على حب الطعام فإنه قد دفعه لذلك حب الله عز وجل، وكذلك من أطعم حبا للإطعام. [*][e]الرفق بالأسير[/e][/*] ونتوقف عند هذه الآية لبيان ما أولاه الإسلام بحق الأسير الكافر وما ندب إليه من الرفق به، لكي يعلم حجم الوحشية التي يقوم بها المجرمون اليوم في العراق وغيره، ومدى تنافي جرائمهم مع تعاليم الإسلام وأهل البيت (ع)، فقد روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال: سألته عن قول الله عز وجل: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا قال:[h] هو الأسير، وقال (ع): الأسير يطعم وإن كان يقدم للقتل[/h]. (تهذيب الأحكام ج6 ص153 ح268 / 2، عنه منتهى المطلب ج2 ص932 الطبعة القديمة) وروى الكليني بسند صحيح عن زرارة عن أبي عبدالله (ع) قال: [h]إطعام الأسير حق على من أسره، وإن كان يراد من الغد قتله، فإنه ينبغي أن يطعم ويسقى ويرفق به، كافرا كان أو غيره[/h]. (الكافي ج5 ص35 ح2، عنه الجواهر ج21 ص131) وذكر فقهاء الإمامية أن الأسير الكافر لايعطى من الزكاة الواجبة (جواهر الكلام ج15 ص377)، ولكن يجوز أن يعطى من الصدقة المستحبة بل ذكر بعضهم استحباب إعطاء الزكاة للذمي عندما يكون في حاجة وضرورة (وسائل الشيعة ج9 ص409 ح3)، وهذا يعني حصول المتصدق على هذا الكافر الثواب، وهنا تتجلى إنسانية تعاليم الدين. نعم مما لاخلاف فيه أن إعطاء الصدقة للمؤمن أكثر ثوابا وفضلا. [*][e]الإطعام لوجه الله[/e][/*] إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولاشكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا. وعبوسا أي مكفهرا تعبس فيه الوجوه، ووصف اليوم بالعبوس توسعا لما فيه من الشدة، وهذا كما يقال: يوم صائم وليل قائم، والقمطرير أي الشديد في الشر، والنضرة أي البهجة. (التبيان ج10 ص210، مجمع البيان ج10 ص617) روى الشيخ المفيد في الاختصاص ص151 عن العالم (ع) قال: "أما إن عليا لم يقل في موضع إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءا ولاشكورا ولكن الله علم من قلبه أنما أطعم لله فأخبره بما يعلم من قلبه من غير أن ينطق به". وهكذا جاء في تفاسير أهل السنة عن مجاهد وسعيد بن جبير. (روح المعاني ج15 ص172، تفسير الطبري ج12 ص361) [t]الفرق بالجزاء بين أهل البيت (ع) ونساء النبي (ص)[/t] قوله تعالى: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا. (الإنسان 12) قال الشيخ المفيد في الإرشاد ج1 ص178: "فقطع لهم بالجزاء ولم يشترط لهم كما اشترط لغيرهم لعلمه باختلاف الأحوال على ما بيناه". وفي كلامه إشارة لأزواج النبي (ص) اللائي حيث علق تميزهن الدنيوي والأخروي بمواصلتهن على التقوى، قال تعالى: يا نساء النبي (ص) لستن كأحد من النساء إن اتقيتن. [t]الآيات وارتباطها بإمامة الإمام علي (ع)[/t] أورد العلامة الحلي في كتابه الألفين هذه الآيات من جملة ما أورده من أدلة قرآنية على أهلية واستحقاق الإمام علي (ع) للخلافة دون غيره. طبعا العلامة الحلي لاينطلق من فراغ، فقد روى الشيخ الطوسي فيما احتج به أمير المؤمنين على اللجنة التي عينها عمر بن الخطاب لتحديد الخليفة من بعده أنه قال (ع): [h]فهل فيكم أحد نزلت فيه وفي زوجته وولديه ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إلى سائر ما اقتص الله تعالى فيه من ذكرنا في هذه السورة غيري؟[/h] قالوا: لا. (الأمالي المجلس 20 ح1 ص550 ط مؤسسة البعثة) وكذلك روى الشيخ الصدوق احتجاج أمير المؤمنين على أبي بكر باستحقاق الخلافة بآيات وأحاديث منها قوله تعالى: يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا. (الخصال ص 550 ح30) فما هو الوجه في هذه الآية والسورة على هذه الأهلية؟ إن استحقاق الإمام علي (ع) إما بسبب النص النبوي الواجب اتباعه، والإمام علي (ع) قد احتج عليهم بنص الغدير، وطبعا النص لا يكون إلا لوجود مؤهلات، ولكن حيث أنه كلام النبي (ص) المأخوذ عن الله عز وجل فلا مجال لأحد من التخلف عنه. وإما الاستحقاق من جهة الكمالات والفضائل إذ يقبح تقديم صاحب المنقصة على صاحب الفضيلة، والإمام علي (ع) قد احتج عليهم بالسورة والآية من هذا الباب، فالسورة أثبتت للإمام علي (ع) أنه من الأبرار الذين يوفون بالنذر وكان عملهم خالصا لوجه الله تعالى، وهي فضائل غير اعتيادية، والقرآن الكريم يضع الأبرار في الموضع المتقدم الذي يدعو المؤمن أن يتوفاه الله معهم ويلحقه بهم، وهم من السمو والرفعة بحيث أن كتابهم في عليين، والإمام علي (ع) الذي كان في ذلك المقام الرفيع أجدر بأن يتبع، فالذي يكون في العلو يتبع ويسير المقتدون خلفه أما السافل فلا يلتفت إليه إلا من كان على شاكلته من ذوي النفوس المنحطة. [t]ابن تيمية والعلامة الحلي: من الكاذب فيهما؟[/t] ولقد حاول بعض المتعصبين من التشكيك في نزول الآيات المباركة في أهل البيت (ع) وما فيها من الشهادة بفضلهم، وكان على رأسهم ابن تيمية الذي أصر زورا وافتراءا على نفي نزول السورة فيهم، حيث قال وهو يسخر من العلامة الحلي: "وذكر أشياء من الكذب تدل على جهل ناقلها مثل قوله: "نزل في حقهم هل أتى" فإن سورة هل أتى مكية باتفاق العلماء". (منهاج السنة النبوية ج4 ص20) وقال أيضا في موضع آخر: "وسورة هل أتى مكية باتفاق أهل التفسير والنقل، ولم يقل أحد منهم أنها مدنية". (منهاج السنة النبوية ج7 ص179) والجواب: إن دعوى الاتفاق المزعومة ما هي إلا كذب وافتراء على أهل السنة، فقد قال القرطبي المتوفى سنة 671 هـ ( أي أنه عاش قبل ابن تيمية المولود سنة 661هـ ) في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" ج19 ص77: "مكية في قول ابن عباس ومقاتل والكلبي، وقال الجمهور: مدنية". فابن تيمية يزعم الاتفاق على مكيتها بين أهل النقل والتفسير، والقرطبي يقول أن غالبية أهل السنة يرون مدنيتها. فمن هو الذي يصر على الكذب؟! ثم إن السورة تتحدث عن الأسير، فهل كانت هناك حروب وأسرى في مكة؟ فالسورة بنفسها تدل على مدنيتها وتفضح جهل وكذب ابن تيمية. ثم إن ما نقله القرطبي عن الكلبي من أن السورة مكية مخالف لما نقله غيره، فقد قال الآلوسي في تفسيره: "وقال مجاهد وقتادة: مدنية، وقال الحسن وعكرمة والكلبي: مدنية إلا آية واحدة فمكية وهي: فلا تطع منهم آثما أو كفورا". (روح المعاني ج15 ص166) وعلى نفس المنوال ما نقله القرطبي عن ابن عباس، فهو مما لا يستقيم مع ما هو معروف عنه من انتمائه لمدرسة أهل البيت (ع)، وقد نقل الطبرسي في تفسيره مجمع البيان ج10 ص611 عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح أن الآيات: إن الأبرار إلى قوله: وكان سعيهم مشكورا قد نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين، وكذا نقل في تفسيره ج10 ص612 - 613 عن الحسيني القايني عن الحاكم الحسكاني فيما رواه عن ابن عباس أن سورة الإنسان نزلت بالمدينة. وقد اختلف أهل السنة فيما نسب إليه حول السورة أمكية أم مدنية، فقد أخرج السيوطي في الدر المنثور ج6 ص480 عن النحاس عنه القول بأنها مكية، بينما أخرج عن ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عنه القول بأنها نزلت بالمدينة. وكذا نقل الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج2 ص398، 400 عن ابن عباس أن آيات الوفاء بالنذر نزلت في الإمام علي والزهراء والحسنين عليهم الصلاة والسلام. [t]تجويع الصغار[/t] ومن الشبهات التي أثارها ابن تيمية على الآيات أن الإمامين الحسن والحسين (ع) كانا صغيرين، فإن إبقاءهم وتجويعهم ثلاثة أيام بلا طعام خلاف المأمور به شرعا، وهو قد يفسد العقل والدين والبدن. (منهاج السنة ج7 ص185) والجواب عن ذلك: إن الرواية وكما نقلها الزمخشري تدل على أن الامتناع عن أكل الطعام كان بفعلهما واختيارهما، وكما يمدح الكبار للإيثار فكذلك الصغار بلا فرق، حيث أن الصبي (وبغض النظر عن معتقدنا في مقام أهل البيت وما لهم من الكمالات منذ ولادتهم) ممن نقل الاتفاق على صحة عبادته كالصلاة، وقد قال ابن قدامة الحنبلي: "ولا خلاف في أنها (أي الصلاة) تصح من الصبي العاقل"، ومعنى الصحة أنه يؤجر عليها، فلماذا لاتكون عبادة الصدقة والإيثار غير مقبولة من السبطين مع إقدامهما بأنفسهما على ذلك؟ فهل جاء أثر خاص لابن تيمية أن العبادات تقبل من الصبيان ولا تقبل من السبطين؟! وقال الشيخ المفيد في الإرشاد ج2 ص29 في حق السبطين: "وكان من برهان كمالهما وحجة اختصاص الله لهما – بعد الذي ذكرناه من مباهلة رسول الله (ص) بهما – بيعة رسول الله (ص) لهما، ولم يبايع صبيا في ظاهر الحال غيرهما، ونزول القرآن بإيجاب ثواب الجنة لهما على عملهما مع ظاهر الطفولية فيهما، ولم ينزل بذلك في مثلهما، قال الله عز اسمه في سورة هل أتى: ويطعمون الطعام ... إلى قوله: {جنة وحريرا}، فعمهما هذا القول مع أبيهما وأمهما عليهم السلام، وتضمن الخبر نطقهما في ذلك (أي بقوله: إنما نطعمكم ... إنا نخاف ...) الدالين على الآية الباهرة فيهما والحجة العظمى على الخلق بهما، كما تضمن الخبر عن نطق المسيح عليه السلام في المهد وكان حجة لنبوته، واختصاصه من الله بالكرامة الدالة على محله عنده في الفضل ومكانه". [t]إشارات واعترافات[/t] وختاما ننقل قولين لبعض مفسري السنة فيها إشارات والتفاتات جميلة حول الآية تتضمن دفعا للشبهات أيضا. القول الأول: يقول برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي المتوفى سنة 885هـ وهو من علماء أهل السنة في تفسيره للقرآن وهو يدفع هذا الاعتراض المتوهم: "ولا يستبعد الصبر على الجوع هذه المدة لأنه ربما كانت للنفس هيئة قوية من استغراق في محبة الله تعالى أو غير ذلك، فهبطت إلى البدن فشغلت الطبيعة عن تحليل الأحزاء فلا يحصل الجوع، كما أنا نشاهد الإنسان يبقى في المرض الحاد من غير تناول شيء من غذاء ولا يتأثر بدنه لذلك، فلابد أن تقف الأفعال الطبيعية في حق بعض السالكين، وهو أحد القولين في قول النبي (ص): "إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني". (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج8 ص268 ط دار الكتب العلمية – بيروت، ومقصوده من أحد القولين أي التفسيرين والشرحين لقوله(ص)، والحديث رواه البخاري ومسلم في صحيحهما.) القول الثاني: قال الآلوسي: "ومن اللطائف على القول بنزولها فيهم أنه سبحانه لم يذكر فيها الحور العين، وإنما صرح عز وجل بولدان مخلدين رعاية لحرمة البتول وقرة عين الرسول لئلا تثور غيرتها الطبيعية إذا احست بضرة، وهي في أفواه تخيلات الطباع البشرية ولو في الجنة مرة". (روح المعاني ج15 ص174) ونحن نوافق الآلوسي على أصل اللطيفة وهي رعاية حرمة البتول، ولكن نختلف معه في توجيهه بأن منشأ عدم الذكر هو عدم ثوران غيرة البتول فإن مثل هذه الغيرة غير ممدوحة، بل الأرجح من وجهة نظري أن النعيم يتفاوت بحسب حال الأفراد، وكون الشخص متزوجا في الآخرة بالحور العين أو بأعداد كبيرة منها وعدم كون الآخر كذلك لايلازم أن الأول في نعيم أفضل، فزوجة واحدة كالزهراء (ع) تفوق حتى بلحاظ النعيم ما يكون لدى غيره من الآلاف من الحور العين، ولعل ما يجده أمير المؤمنين (ع) من اللذة والنعيم بالزهراء (ع) لوحدها ما لايجده الآخرون بمن سواها. نسأل الله عز وجل أن يكتبنا مع الأبرار مع محمد وآله الأطهار.