اللعن والبراءة في زيارة عاشوراء (القسم الرابع والأخير)

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأشرف السلام على المبعوث رحمة للعالمين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الغر الميامين، واللعن الدائم على أعدائهم ومبغضيهم إلى قيام يوم الدين. [e]مقدمة مهمة عن خطب الجمعة[/e] http://www.al-meshkah.com/showkh.php?id2=26&cat=6 كنا قد تعرضنا في الخطب السابقة إلى جملة من المباحث المرتبطة باللعن، وبقي الكلام في السب والإجابة على جملة من الشبهات حول السب واللعن، بالإضافة إلى سند زيارة عاشوراء. ولابد من تقسيم محاور البحث حذرا من الوقوع في الخلط المسبب لعدم ارتباط الإجابة وما يتم تناوله مع المسألة المتنازع فيها. إن السب قد يكون للكافر أو المؤمن أو المسلم، وقد يكون السب لله عز وجل أو الأنبياء أو المعصومين (ع)، وقد يكون أحيانا لمخلوقات الله المطيعة له كالرياح والجبال والشمس والأيام، ولكل واحدة منها حكمه الخاص به. ولابد من التأكيد على أن هذا البحث داخل ضمن النطاق الفقهي. [t]سب الكافر[/t] ولن نتعرض له كثيرا إذ يكفي أن نثبت اقتصار الدليل الذي يحرم السب على حرمة السب المؤمن أو المسلم فقط ليثبت بذلك جواز سب الكافر. هذا مضافا إلى ورود روايات كثيرة ومنها صحيحة السند مثبتة للجواز، كالرواية الصحيحة التي رواها الكليني ووصف الإمام الصادق (ع) فيها أبا شاكر الصيداني بـ [h]الزنديق الخبيث[/h]. (الكافي ج1 ص129 ح10) وقد صرح جملة من الفقهاء بجواز سبهم وأنه إذا سب المسلم الكافر فلا يقام على المسلم التعزير لأنه لم يجاهر بارتكاب الإثم والذنب. (راجع كشف الغطاء للشيخ جعفر كاشف الغطاء ج2 ص401، كشف اللثام للفاضل الهندي ج10 ص523، الكافي في الفقه لأبي الصلاح الحلبي ص418 – 419،وإصباح الشيعة لقطب الدين البيهقي الكيدري ص521، وغنية النزوع للسيد ابن زهرة ج1 ص435، والمهذب لابن البراج الطرابلسي ج2 ص550) بل في بعض كلماتهم أن الكافر من جهة كفره مستحق للسب بقول: يا كافر، بل إن من يكفره يؤجر على ذلك. قال الشيخ المفيد: "وإذا قال له: يا كافر وهو على ظاهر الإيمان ضرب ضربا وجيعا تعزيرا له بخطئه على ما قال، فإن كان المقول له جاحدا لفريضة من فرائض الإسلام فقد أحسن المكفر له وأجر بالشهادة عليه بترك الإيمان". (المقنعة ص796) وقال تلميذه الشيخ الطوسي: "ومن قال لغيره يا كافر وهو على ظاهر الإسلام ضرب ضربا وجيعا، فإن كان المقول له جاحدا لفريضة عامة معلومة في شريعة الإسلام لم يكن عليه شيء بل أجر في ذلك". (النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ص729) وهذا الحكم بجواز السب بل وباستحبابه كما هو الظاهر من كلام الشيخين المفيد والطوسي إنما هو بالعنوان الأولي، وقد تقتضي العناوين الثانوية أمرا آخر، كما لو استلزم السب وقوع المؤمنين في الضيق أو الحرج، أو تسبب في انصراف الكفار عن الإيمان بعد أن أوشكوا على دخوله، أو غير ذلك من الآثار السلبية. نعم في خصوص قذف الكافر أي اتهامه بالزنا أو اللواط ذكر أغلب الفقهاء أن المسلم يعزر بذلك ولا يقام عليه حد القذف. (راجع تحرير الوسيلة ج2 كتاب الحدود، الفصل الثالث، القول في القاذف والمقذوف، المسألة3، وكشف اللثام للفاضل الهندي ج10 ص527 – 528، وتحرير الأحكام الشرعية للعلامة الحلي ج5 ص405 المسألة 6957) بينما ذهب البعض الآخر إلى أنه لا يقام على المسلم شيء أصلا. (مباني منهاج الصالحين ج1 ص311) وفصل البعض بين أهل الذمة والحربي فقال بالتعزير في الأول دون الثاني. (المقنعة للشيخ المفيد ص 792، والوسيلة إلى نيل الفضيلة ص422 لابن حمزة الطوسي، وإصباح الشيعة للكيدري ص521، والنهاية للشيخ الطوسي ص723. والظاهر ومن خلال متابعة كلمات الفقهاء أن أغلب من قال بتعزير الكافر بالقذف من غير تفصيل بين أهل الذمة وغيرهم أراد بالكافر خصوص أهل الذمة باعتبار أنهم هم الموجودون في البلاد الإسلامية وهم الذين كان المسلمون يتعاملون معهم. [t]تشبيه القرآن الكفار بالحيوانات وعلاقته بجواز السب[/t] تجدر الإشارة إلى أن القرآن الكريم قد مثل لليهود بالكلب أو الحمار، كما في قوله تعالى: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا (سورة الجمعة / 5 )، وقوله عز وجل: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث (الأعراف / 176)، غير أن هذا التمثيل لا يمكن عده من موارد السب مع ما فيه من تقريع وامتهان، لأنه تشبيه بالكلب من جهة أن فيه سجية خسيسة لا تنفصل عنه، فسواء زجرته أو لم تزجره فإنه سيبقى على ضلاله وتقديمه هواه والركون إلى الأرض على هدى الله تعالى، وتشبيه بالحمار من جهة أنه يحمل الكتب المملوءة بالتعاليم والقيم والعلوم وهو لا يعرف ما فيها فلايكون له من الحمل سوى الجهد والتعب، ولا يعد هذا إطلاقا لكلمة الكلب والحمار، وفرق بين أن تقول: أنت كلب وبين أن تقول: أنت كالكلب، أو مثلك مثل الكلب. [t]التسامح في سب الإمام (ع)!![/t] سب النبي (ص) والأئمة (ع) هو موجب للكفر واستحقاق الساب للقتل باتفاق الفقهاء. ومن المغالطات التي تطرح في مقام بيان تسامح الإمام علي (ع) مع من سبه، وبالتالي التمهيد لفتح باب هذا التسامح في صفوف الشيعة عند سماعهم سب الإمام علي (ع) ما استشهد به البعض في كتاب الندوة ج8 ص411 حيث قال: وجاء رجل إلى علي (ع) فقال: إني رأيت هؤلاء يتوعدونك ففروا وأخذت هذا، قال (ع):[h] فأقتل من لم يقتلني؟ قال: إنه سبك، قال: سبه أو دع[/h]. ووجه الخلط هنا أن التسامح إنما يكون في المورد الذي ثبت فيه التسامح لا المورد الذي لم يرد فيه ذلك، والثابت شرعا فيمن سب النبي (ص) أو الإمام هو القتل، فكيف يصح الإعراض عن هذا الحكم المعلوم والتشبث بالروايات الضعيفة التي تقبل الحمل على بعض التوجيهات مثل تسبب قتل الساب الكافر في قتل المؤمن القاتل أو قتل المؤمنين والإضرار بهم؟! وهل يريد هذا القائل فتح باب الهتك والسب على أمير المؤمنين (ع) بحجة التسامح؟! جاء في مباني تكملة المنهاج للسيد الخوئي: "مسألة 214: يجب قتل من سب النبي (ص) على سامعه ما لم يخف الضرر على نفسه أو عرضه أو ماله الخطير ونحو ذلك، ويلحق به سب الأئمة الأئمة (ع) وسب فاطمة الزهراء (ع)، ولا يحتاج جواز قتله إلى الأذن من الحاكم الشرعي". وبعد أن أورد السيد الخوئي (قد) الدليل على وجوب قتل ساب النبي (ص) أعقبه بالدليل على وجوب قتل ساب الأئمة (ع) والصديقة الطاهرة بالقول: "من دون خلاف بين الأصحاب، بل ادعي عليه الإجماع بقسميه (أي المحصل والمنقول)، وذلك لما علم من الخارج بالضرورة (ولاحظوا ما تؤديه كلمة الضرورة فالمسألة من الوضوح بحيث لا تدخل في النطاق النظري الاجتهادي الذي يكون فيه الأخذ والرد) أن الأئمة (ع) والصديقة الطاهرة (ع) بمنزلة نفس النبي (ص)، وأن حكمهم (ع) حكمه (ص)، وكلهم يجرون مجرى واحدا، وتؤكد ذلك عدة روايات: منها: صحيحة هشام بن سالم، قال قلت لأبي عبد الله (ع): ما تقول في رجل سبابة لعلي (ع)؟ قال: فقال لي:[h] حلال الدم والله لولا أن تعم به بريئا، قال: قلت: لأي شيء يعم به بريئا؟ قال: يقتل مؤمن بكافر[/h]. ومنها: صحيحة داود بن فرقد، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): ما تقول في قتل الناصب؟ فقال: [h]حلال الدم، ولكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل[/h]. (مباني تكملة المنهاج ج1 ص321، ومما تجدر الإشارة إليه أن ما ذكره السيد الخوئي كان من تأليفه وبخط يده، ولم يكن تقريرا من أحد تلامذته لدروسه، فراجع مقدمة المباني، وللمزيد عن سب النبي والإمام يمكن الرجوع لأسس الحدود والتعزيرات للميرزا التبريزي ص257-261) [t]النهي عن سب الرياح[/t] ولقد بلغت شدة النهي عن السب أن المنع منه لم يقتصر على الإنسان بل تعداه لمخلوقات الله الأخرى، فقد روى الشيخ الصدوق بسند صحيح عند السيدين الخميني الخوئي والشيخ المامقاني وآخرين (في النوفلي) عن أبيه، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن مسلم السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام، قال: [h]قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تسبوا الرياح فإنها مأمورة، ولا تسبوا الجبال ولا الساعات ولا الأيام ولا الليالي فتأثموا وترجع عليكم[/h]. (علل الشرائع ج2 ص577 باب 383) ولقد وضح العلامة المجلسي المراد من الحديث بقوله: "إن تلك الأمور إن كان فيها شرر أو نحوسة أو ضرر فكل ذلك بتقدير خالقها وهي مجبولة عليها، فلعنها لعن من لا يستحقه، ومن لعن من لا يستحقه يرجع اللعن عليه". (البحار ج56 ص2 ح5) وقال أيضا: "الغرض النهي عن سب الرياح والبقاع والجبال والأيام والساعات فإنها مقهورة تحت قدرة الله سبحانه مسخرة له تعالى، لا يملكون تأخرا عما قدمهم إليه، ولا تقدما إلى ما أخرهم عنه، فسبهم سب لمن لا يستحقه، ولعن من لا يستحق اللعن يوجب رجوع اللعنة على اللاعن، بل هو مظنة الكفر و الشرك لولا غفلتهم عما يؤول إليه، كما ورد في الخبر: [h]لا تسبوا الدهر فإنه هو الله[/h] ، أي فاعل الأفعال التي تنسبونها إلى الدهر وتسبونه بسببها هو الله تعالى". (البحار ج57 ص9 ح8) وكذلك ورد في بعض الروايات النهي عن لعن الدواب كما رواه الشيخ الصدوق في من لايحضره الفقيه عن أمير المؤمنين (ع). (وسائل الشيعة ط آل البيت، ج11 ص483 ح6 ،كتاب الحج، أبواب أحكام الدواب، الباب 10) [t]سب المؤمن[/t] أما سب المؤمن ففضلا عن الإجماع على حرمته وكونه ظلما وإيذاء فهناك جملة من الروايات تدل على الحرمة، ومنها ما رواه الكليني بسند صحيح عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن عبد الله بن بكير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: [h]قال رسول الله (ص): سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه[/h]. (الكافي ج2 ص359-360 ح2) فالساب بسبابه فاسق خارج عن طاعة الله عز وجل، كالرطبة التي تفسق أي تخرج من قشرها، أما قوله (ص): [h]وقتاله كفر[/h] فهو من جهة المجاز، كأن القتال من الأسباب الداعية إلى الكفر فأطلق عليه الكفر مجازا، أو أريد به من يقاتل المؤمن مستحلا لقتاله، أو من يقاتله لأجل إيمانه ومن حيث هو مؤمن، أو أريد بالكفر كفر نعمة التآلف بين المؤمنين، أو إنكار حق الأخوة إذ أن من حق الأخوة عدم المقاتلة، والمراد من حرمة أكل لحمه غيبته، وذلك إشارة لقوله تعالى: ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه، ثم جمع (ص) حرمة المال والدم في عبارة واحدة. (مقتبس من شرح أصول الكافي للمازندراني ج10 ص15) وروى الكليني بسند صحيح عند السيد الخميني والسيد الخوئي والشيخ المامقاني وغيرهم (في النوفلي) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): [h]سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة[/h]. (الكافي ج2 ص359 ح1) وفي بعض النسخ [h]كالشرف على الهلكة، [/h]فإن كان الصحيح النسخة الأولى (أي كالمشرف وهو اسم فاعل) فلابد أن تكون كلمة سباب مصدرا أي مكسورة السين ومخففة الباء، ويقدر في المشرف مضاف محذوف ليكون المعنى كفعل المشرف على الهلكة، أما لو كانت النسخة الثانية هي الصحيحة (أي كالشرف وهو مصدر) فلابد أن تكون كلمة سباب صيغة مبالغة من اسم الفاعل، أي مفتوحة السين ومشددة الباء. (مقتبس من إرشاد الطالب للتبريزي ج1 ص160، وبحار الأنوار للمجلسي ج72 ص160 ح32) [t]سب المؤمن موجب للتعزير[/t] وقد اتفق فقهاء الإمامية على أن قذف المؤمن والمؤمنة باللواط والزنا من دون الاتيان بالبينة موجب للحد، أما سبه بغير القذف ومع عدم كون المورد من موارد الاستثناء فهو فموجب للتعزير. (راجع على سبيل المثال شرائع الإسلام ج4 ص149 - 151، وتحرير الوسيلة ج2 ص425 – 426 المسألة 2 و8) والفرق بين الحد والتعزير أن الأول له حد محدود لا يتجاوزه ففي القذف ثمانين جلدة وفي الزنا من غير المحصن مائة وفي الزنا من المحصن واللواط القتل، أما التعزير فليس له عدد معين، وهو الضرب بالسياط بعدد دون الحد، وأمره موكول لتقدير الحاكم الشرعي، كالجلد ثلاثين أو أربعين سوطا مثلا. [t]استثناءات من حرمة السب[/t] والسب كغيره من المحرمات كالكذب له حالات مختلفة، فهو يجوز أحيانا بل ويجب أحيانا، مما يعني أن التظاهر بالاحتياط في الدين عبر الاحتراز عن السب مطلقا حتى في مورد وجوبه لهو مخالفة صريحة للدين. يقول آية الله العظمى الميرزا التبريزي: "ثم إن حرمة السب أي سب المؤمن للتحفظ على كرامته، فلا يكون حراما فيما إذا لم يكن للمسبوب كرامة واحترام، كالمتجاهر بالفسق على ما سيأتي في الغيبة، فإن مقتضى جواز اغتيابه جواز سبه، وأما وجوبه من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمشروط بشروطه المذكورة في ذلك الباب، ويلحق بالمتجاهر بالفسق المبدع، بل الجواز فيه أولى. ويكفي أيضا في ذلك مثل صحيحة داود بن سرحان عن أبي عبد الله (ع) قال: [h]قال رسول الله (ص): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة[/h]. (إرشاد الطالب ج1 ص161) والملاحظ في هذه الرواية الصحيحة أن الرسول الكريم (ص) لم يدع إلى سب المبدع وأهل الريب فقط بل دعا إلى الإكثار منه، والطلب كان بصيغة افعل الظاهرة في الوجوب، مما يستفاد منه وجوب السب في موارد النهي عن المنكر المستوجبة لذلك. وقد أثبت السيد الخوئي في أبحاثه الفقهية على أن السب قد يكون واجبا. (راجع مصباح الفقاهة ج1 ص548 ط الداوري – قم) كما يلاحظ في هذه الرواية أيضا أن الحكم من البراءة والإكثار من السب والوقيعة أي الغيبة لم يختص بالمبدع فقط بل شمل أهل الريب أي الذين يقومون بتشكيك المؤمنين في المسلمات والثوابت. والعجيب أن البعض أراد أن يفرغ ألفاظ الرواية من معانيها ومداليلها لينشأ لنا مذهبا جديدا في فهم الروايات قائم على تفريغ معاني الكلمات، فقد فسر السب والوقيعة في أهل الريب والبدع في قول الرسول (ص) بإرادة الذم واللوم!!! (الندوة ج6 ص197) ولقد صرح كبار فقهاء الإمامية أن سب المؤمن يجوز في بعض الحالات بل صرحوا أن فاعله يستحق الأجر والثواب. يقول الشيخ المفيد المتوفى سنة 413هـ: "وقول القائل للمسلم: أنت خسيس أو وضيع أو رقيع أو نذل أو ساقط أو نجس أو رجس أو كلب أو خنزير أو مسخ وما أشبه ذلك يوجب التعزير والتأديب، وليس فيه حد محدود. فإن كان المقول له ذلك مستحقا للاستخفاف لضلاله عن الحق لم يجب على القائل له تأديب وكان باستخفافه به مأجورا. ومن قال لغيره: يا فاسق وهو على ظاهر الإسلام فقد صدق عليه وأجر في الاستخفاف به".(المقنعة ص796) ويقول أبو الصلاح الحلبي المتوفى سنة 447هـ: "ويعزر من عرض بغيره بما يفيد القذف بالزنا أو اللواط ....... أو نبزه بما يقتضي النقص كقوله يا سفلة أو يا ساقط أو يا سفيه أو يا أحمق، أو يا فاسق أو مجرم أو كافر أو تارك الصلاة أو الصوم وهو غير مشهور به بما يقتضي ذلك. فإن كان مشهورا به لم يعزر من قرنه بفعله أو وصفه بما يقتضيه كالمجاهرين بشرب الخمر أو الفقاع أو بيعهما أو ضرب العود وغيره من الملاهي أو ترك الصلاة والإفطار في الصوم، ولا تأديب على من قال لمن هذه حاله يا فاسق أو ساقط أو مجرم أو عاص، كما لا حد على من قال لمعترف بالزنا يا زان وباللواط يا لائط. ......... وإذا قذف المسلم أو الكافر غيره بما هو مشهور به ومعترف بفعله من كفر أو فسق فلا شيء عليه، بل المسلم عابد بذلك". (الكافي في الفقه ص418) وقال الشهيد الأول المتوفى سنة 786هـ: "وكذا يعزر بكل ما يكرهه المواجه مثل الفاسق وشارب الخمر وهو مستتر، وكذا الخنزير والكلب والحقير والوضيع إلا مع كون المخاطب مستحقا للاستخفاف". (اللمعة الدمشقية ص168، انتشارات دار الفكر – قم) وقال الشهيد الثاني المتوفى سنة 965هـ تعليقا على قول المحقق الحلي: "ولو كان المقول فيه مستحقا للاستخفاف فلا حد ولا تعزير" ما يلي: "والمراد بكون المقول له مستحقا للاستخفاف أن يكون فاسقا متظاهرا بفسقه، فإنه لا حرمة له حينئذ، لما روي عن الصادق (ع): "إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة". وفي بعض الأخبار: "من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب". وروى داود بن سرحان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: [h]قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة ...الخ[/h]. (مسالك الإفهام ج14 ص424، وذكر نظيره السيد أحمد الخونساري في جامع المدارك ج7 ص98) ويقول الفاضل الهندي المتوفى سنة 1137هـ: "ولوكان المقول له مستحقا للاستخفاف لكفر أو ابتداع أو مجاهرة بالفسق سقط عنه التعزير بل كان مثابا بذلك مأجورا لأنه من النهي عن المنكر وقد ورد أن من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب ....الخ". (كشف اللثام ج10 ص523 تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي، وذكر نظيره السيد الطباطبائي في رياض المسائل ج16 ص41 تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت، وقد أورد فقهاء الإمامية في كتبهم الفقهية ما قارب العبارات السابقة الدالة تحقق الاستثناء من حرمة السب في بعض الأصناف ، فراجع على سبيل المثال: الوسيلة لابن حمزة الطوسي ص422، وتلخيص المرام للعلامة الحلي ص324 – 325 بتحقيق: هادي القبيسي، وإرشاد الأذهان له أيضا ج2 ص178 بتحقيق الشيخ فارس الحسون، وإصباح الشيعة للبيهقي الكيدري ص521، وتحرير الوسيلة للسيد روح الله الخميني ج2 ص426 المسألة 8، وحاشية المختصر النافع للشهيد الثاني ص202). ومما ينبغي الالتفات إليه أنه حتى لو قلنا بأن المقصود من المبتدع في الدين خصوص المخالف لا المؤمن فإنه يثبت وجوب سبه والبراءة منه، مما يعني أن السب واللعن كأبرز مظهر للبراءة قد يكونان واجبين أحيانا ، وأن ما جاء في الروايات من قبيل[h] لا تكونوا سبابين [/h]و [h]لا تكون لعانا[/h] وكما سيأتي التعرض لها لا يشمل مورد وجوب السب واللعن. [t]رد السب بسب[/t] جاء في استفتاء للسيد الخوئي: "سؤال 1181: من قال لغيره يا كلب أو يا حمار وأشباه ذلك فهل يجوز للغير أن يقابله بالمثل تمسكا بآية الاعتداء بالمثل أم ليس عليه إلا التعزير؟ الجواب: لايجوز". (صراط النجاة ج1 ص431) ولكن الذي يظهر من تقريرات السيد الخوئي أن هذا الرأي كان متبناه قبل أن يعدل عنه، فقد قال قدس سره: "وعن المحقق الأردبيلي في آيات الأحكام بعد ذكر جملة من الآيات الظاهرة في الاعتداء بالمثل، قال: فيها دلالة على جواز القصاص في النفس والطرف والجروح بل جواز التعويض مطلقا، حتى ضرب المضروب وشتم المشتوم بمثل فعلهما، إلى أن قال وتدل على عدم التجاوز عما فعل به وتحريم الظلم والتعدي. ومن هنا ظهر أن هذا الرأي لا بعد فيه خلافا لما استظهرناه في الدورة السابقة، وقد وقع التصريح بذلك في جملة من أحاديث العامة، وتقدم بعضها في الهامش". (مصباح الفقاهة ج1 ص440 ط مكتبة الداوري – قم) [t]سب المسلم[/t] اقتصرت الأدلة في حرمة السب على سباب المؤمن فقط، يقول السيد الخوئي تعليقا على قول الشيخ الأنصاري: "سب المؤمن حرام في الجملة بالأدلة الأربعة" ما يلي: "قد استقل العقل بحرمة سب المؤمن في الجملة لكونه ظلما وإيذاء، وعلى ذلك إجماع المسلمين من غير نكير، وقد تعرض لذلك الغزالي في إحياء العلوم. وقد استفاضت الروايات من طرقنا ومن طرق العامة على حرمته. نعم المراد هنا من المؤمن في رواياتنا غير ما هو المراد في روايات العامة، ومن هنا منعوا عن سب أبي حنيفة وأشباهه". (مصباح الفقاهة ج1 ص436 ط مكتبة الداوري – قم، راجع الملحق رقم 1) [t]شبهات حول اللعن والسب[/t] وفي مقابل الأحكام الفقهية الواضحة للسب واللعن أورد بعض مدعي الاجتهاد بعض الشبهات الضعيفة لتعميم الحكم بمرجوحية اللعن والسب في جميع الأحوال وتتلخص شبهاته بالآتي: [e]1 - شبهة رواية "إني أكره لكم أن تكونوا سبابين لعانين"[/e] وهي رواية وردت في كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين (ع) من جملة كلام له وقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال: [h]إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم وأهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به[/h]. (نهج البلاغة ص323 من كلام له رقم 206) وأوردها المنقري في كتابه بالصيغة التالية: "كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين". (وقعة صفين ص103، عنه البحار ج32 ص399) وأما الجواب عن ذلك: فأولا: من ناحية السند ، والرواية المذكورة ضعيفة السند فهي مرسلة، أما رواية المنقري فضعيفة في عمر بن سعد فهو مجهول، وعبد الرحمن بن عبيد بن الكنود وهو مهمل، والحارث بن حصيرة وهو مهمل أيضا. فكيف يستدل برواية ضعيفة من وجهة نظره ويعرض عن روايات صحيحة تدل على جواز السب أو وجوبه كما في المبدع في الدين عند نهيه عن المنكر. وهذا الإعتراض أوردناه من جهة إلزام الطرف الآخر الذي يتهافت في أقواله ويطرح أراء تتنافى مع الأسس التي وضعها بنفسه من أجل الانتصار لاستحساناته، حيث أنه يقول بعدم جواز الاعتماد على روايات نهج البلاغة غير الموثقة في المسائل الفقهية (الندوة جص ص301)، وإلا فإننا نرى أن مضمون الرواية لا يتنافى مع ما طرحناه سابقا من تعدد حالات السب واللعن وأن لها حالات حرمة وجواز ووجوب ، وكما سنبين في النقطتين الآتيتين. وثانيا: إننا لا نتكلم عن الحالات الطارئة أو الاستثنائية، بل عن الحالة الأولية، فمثلا لايجوز سب ولي الله أو لعنه حتى لو كان المرء لوحده بين أربعة حيطان، وكذلك يجوز لعن وسب عدو الله إن كان المرء لوحده أو بين المؤمنين، ومن الجائز أن يكون منشأ النهي هو الآثار السلبية التي كان سيتركها السب واللعن في ذلك الظرف وليس من أجل اللعن والسب بحد ذاتهما. وثالثا: إن صيغة [h]سبابين[/h] و [h]لعانين[/h] من صيغ المبالغة الدالة على الكثرة، فالمنهي عنه هو كثرة السب واللعن لا أصل السب واللعن، (وقد استشكل بعض الفقهاء على دلالة حديث[h] سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة[/h] من جهة أن سباب صيغة مبالغة فيه، ومن ثم لا تكون دالة على حرمة أصل السب، فراجع منهاج الفقاهة ج1 ص375) وكأنما الرواية تريد أن ترشد المؤمنين إلى أن لا يعتادوا على اللعن والسب، إذ أن كثرته قد توقعهم في المحرم في بعض الموارد، حتى أن الإسكافي عندما عنون الخطبة الدالة على النهي عن السب واللعن قال: "تحذير أمير المؤمنين أصحابه من اعتياد السب واللعن وكراهته لهم أن يكونوا لعانين سبابين" (المعيار والموازنة ص137 )، فقد جاء بكلمة "اعتياد" وجعله موطن التحذير. [e]2 - شبهة أن الشاتم مهان[/e] يقول البعض: إن الشتيمة عندما تصدر من شخص فهي تهين صاحبها، فهي أسلوب غير إنساني بل أسلوب حقير ووضيع، فإذا ترك الشاتم وشتيمته مع قدرة المشتوم الرد عليه فإنه يكون قد عاقب الشاتم. (الندوة ج8 ص409) ولا خلاف في أن الأفضل أن لا يرد المشتوم الشتيمة بشتيمة فيما إذا كان الشاتم مؤمنا أو مسلما لا يجب مواجهته بسب، ولكن إطلاق فكرة أن الشاتم مهان من دون الإشارة إلى أن السب قد يأخذ حكم الوجوب كما في المبدع في الدين فيه تعمية على المستمعين، ولا يعقل أن يكون الممتثل للأمر الإلهي مهانا لمجرد كونه سابا بل إنه مأجور على سبه، بل الصحيح أن يقال أن غير الشاتم في مورد وجوب الشتم – كما في مورد النهي عن المنكر - هو المهان، فإن كون الفرد مخالفا لأمر الله عز وجل يجعله مستحقا للإهانة ، وأي إهانة أشد من سخط الله على العبد لتخلفه عن امتثال أمره؟! [e]3 - شبهة أن الشاتم معقد وينطلق من غريزته[/e] حيث يزعم البعض أن الشاتم إنما ينفس عن عقدته بالسب، فالشاتم يعبر عن حالة عصبية تتحرك بذهنية تدمير الآخر. (الندوة ج8 ص404) كما زعم أن أدب القرآن يرفض سب آلهة الكفار لأنه لا يمثل حلا لأي شيء (الندوة ج1 ص478)، ولأن الكافر يخرج من عقلانيته لتنطلق غريزته عندما يجد أن مقدساته تسقط بكلمات المسلم النابية، وأن الغريزة الموجودة عند المسلم تجتذب الغريزة الموجودة في الكافر (الندوة ج8 ص407). ولكن هذا الزعم باطل من جهة أن البراءة واللعن والسب في موارد مشروعيتها ما هي إلا مظهر من مظاهر البغض في الله، والبغض في الله من أعمدة الإيمان، ومن يريد أن يهمش اللعن والشتم بشكل مطلق فإنه يقوم بالفصل بين البغض ومظاهره، وكأنه يريد أن يبقى البغض في مرحلة الشعور القلبي من دون أن يكون له أي إنعكاس في سلوك الشخص، وهذا ما يتنافى مع أصل ارتباط الإيمان القلبي بالعمل. إن العقل له دور في اختيار الحق والصواب، وينتهي دوره هناك، لتأتي مرحلة الحب والبغض، والقول أن السب أو اللعن ينطلق من الغريزة ويلغي العقل هو خلط بين مرحلتين، فلايمكن للعقل وحده أن يحرك الإنسان نحو شيء لو لم يرتبط بحب أو بغض، كما أنه تشويه لقيمة البغض في الله وتصويره بأنه أمر غريزي محض، مع أن الأمور الغريزية لا تكون مستندة إلى فهم وبصيرة بينما اللعن أو السب في مواردها المقررة إنما هو متابعة لحكم العقل بقبح فعل الكافر وخبث ذاته ومتابعة لما يقتضيه الشرع من إظهار ما يجب إظهاره من مظاهر البراءة، فينطلق المؤمن بعد هذا الحكم ليلعن ويسب من يستحق ذلك. نعم النهي في مورد سب آلهة الكفار ليس من أجل أن المسلم انطلق من غريزته عندما سب آلهتهم ولم ينطلق من عقله بل من جهة ما يتسبب منه ذلك السب في اعتداء الكفار على مقدسات المسلمين منطلقين من غريزتهم لا من عقولهم، ومن هنا جاء التعبير في سب الكافر لله بقوله {عدوا بغير علم} أي أنه اعتداء لا يستند للدليل والعلم، ولم يرد مثل هذا التعبير في سب المسلمين لآلهة الكفار. [e]4 – شبهة أن الشتم واللعن يمنع الآخرين من قبول الحقيقة.[/e] وذلك من خلال ما تكرسه كلمات اللعن والشتم من حواجز نفسية تبعد كل طرف عن الآخر، وتتسبب في عدم تقبل الحق والتعصب للباطل، ويضيف البعض قائلا: " فلو بقيت تسبّ إنساناً وتلعنه من الصباح حتى المساء فهل يقنعه ذلك بالحق الذي أنت عليه أو أنه يعقّده ضد الحق الذي أنت عليه؟‍ وقد ذكرت لكم أكثر من مرّة أن الإمام جعفر الصادق(ع) كان من حديثه لأصحابه[h] ما أيسر ما رضي به الناس عنكم كفّوا ألسنتكم عنهم[/h]. (فكر وثقافة العدد 138، السنة الرابعة بتاريخ 7 / 8 / 1999) والجواب: إننا لا نتكلم وكما ذكرنا سابقا عن الحالات التي تكون هناك مضاعفات سلبية للسب واللعن توجب المنع منهما كما في سب آلهة الكفار مع عدم قدرة المؤمنين من منع الكفار عن سب الله عز وجل، وكذلك لا خلاف في أن المنهج القرآني يدعو أولا إلى: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن (النحل / 125)، وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن (الإسراء / 53)، فلا يعقل أن تفتح بابا للحوار بغرض إقناع الكافر والمنحرف وأنت تقوم بلعنه وسبه، فهذا ما سيجعلك منفورا عنده، ولن نختلف في أن هذا سيصنع حاجزا عنده، غير أن اللعن والشتم إنما يأتي في موارد جوازه أو وجوبه لإعلان الموقف بعد أن اتخذ الطرف الآخر موقفه الحاسم، فنحن نتكلم فيما بعد الحوار لو أصر الكافر أو المنحرف على رأيه بعد أن ألقيت عليه الحجة، فإن الموقف القرآني هنا هو قوله تعالى: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (آل عمران / 61). أي أن الابتهال إلى الله عز وجل بنزول اللعنة يأتي بعد انتهاء الحوار وعدم جدواه. ونظير هذا الموقف سورة براءة التي بدأت بإعلان موقف البراءة من المشركين، فإن الموقف عندما يتطلب اتخاذ موقف شديد من الكفار، فلا معنى لطرح شبهة لزوم الدعوة بالحسنى فإن هذه الشبهة ساقطة لأن الموقف تعدى الحوار والجدال. والعجيب أننا نشهد من نفس هذا البعض عندما يتناول الإمام الحسين (ع) وسيرته في كربلاء يطرح فكرة أن الإمام الحسين (ع) هو رجل الحوار والآخرون من الكفار لم يكونوا كذلك، في إيحاء بأن باب الحوار مفتوح في جميع الحالات، سواء كانت هناك حرب أم لم تكن، وسواء مارس الآخرون ظلمهم وجرائمهم أم لا. إن من الجائز أن نسأل هذا البعض: ما موقفنا ممن يهين النبي (ص) أو يسبه، أو يسب الله عز وجل، هل نفتح معه باب الحوار لنناقشه في سبه ونحاول أن نقنعه بعدم جدوى السب؟! أم أن التكليف يفرض علينا قتله لأن من لايحفظ حرمة الله ولا نبيه (ص) بالسباب فهذا لا مجال للحوار معه بل يحل السيف مكان الحوار. وما نراه في واقع الأمر: إنها عقدة البعض في إظهار نفسه أمام الآخرين من الغربيين والمتأثرين بهم بأنه يعيش الانفتاح وليس الانغلاق، ومن منطلق هذه العقدة يصور هذا البعض كل من يلعن أو يسب بأنه لا يعيش رحابة الإسلام وأنه معقد وحاقد وما شاكل ذلك من أوصاف، ولا يريد أن يعترف بأنه يعيش الميوعة في الإيمان والجهل في الأسس التي تبنى عليها الأدلة، وأن الإنسان المؤمن بحق هو الذي يتقيد بما يحب الله، فإن كان ما أحب هو اللين فهو لين وإن كان ما أحب هو الشدة فهو شديد. [t]سند زيارة عاشوراء[/t] لقد ألف عدد من العلماء بحوثا خاصة حول إثبات صحة سند هذه الزيارة (ومن جملتهم: الشيخ محمد سند في الصفحة العقائدية من موقع رافد، والسيد ياسين الموسوي في كتابه سند زيارة عاشوراء، والشيخ جعفر السبحاني في كتابه رسائل ومقالات ج3 ص401)، وقد أثبتوا صحته وفق بعض المباني الرجالية، مضافا إلى قرائن أخرى من قبيل جودة ألفاظ الزيارة وقوة متنها ومعانيها، على أننا لو افترضنا أنه لم تثبت الزيارة بسند صحيح فإنه يكفي أن يكون الدليل على اللعن بالأسماء قطعيا وهي طريقة أهل البيت (ع) التي اعتادوها وكما أثبتناه سابقا، فيكون هذا أكبر شاهد على صحة الزيارة وصحة ما جاء فيها من لعن. وخلاصة المطاف أن المشمولين باللعن في زيارة عاشوراء إما من الكفار أو من المعاندين لأهل البيت (ع) وهؤلاء مما لا شك في لعنهم بالأدلة المتقدمة في لعن الكافر والمسلم، وخاصة إذ لاحظنا أن من جملة الملعونين في زيارة عاشوراء من حارب وقاتل الإمام الحسين (ع) في كربلاء كشمر وعمر بن سعد، ولعن أولئك مما دلت عليه روايات متواترة إجمالا مضافا إلى وجود روايات صحيحة أخرى في هذا الصدد، (كما رواه الكليني في الكافي ج6 ص547 ح13 بسند صحيح عند من يوثق النوفلي كالخوئي والخميني والمامقاني، وفي ج4 ص577 بسند صحيح عند من يرى وثاقة أو حسن القاسم بن يحيى كالخوئي والمامقاني والوحيد البهبهاني، وكذلك ما جاء في الزيارة الجامعة الصغيرة المروية بسند صحيح في الكافي ج4 ص579 ح2 من لعن عدو آل محمد والبراءة منهم) ولا يمكن لشخص يدعي التشيع أن يتوقف في لعن قاتل الإمام الحسين (ع) والمحارب له. [t]نتيجة البحث[/t] والمتحصل من مجموع ما فات في هذه الخطبة والخطب السابقة حول لعن وسب معاندي ومخالفي أهل البيت (ع) ما يلي: في خصوص المبحث الأول: قامت الأدلة القطعية من التواتر والأحاديث الصحيحة الكثيرة على لزوم لعن مخالفي أهل البيت (ع) من الكفار والمخالفين بما يدخل المسألة في الأمر العقائدي لا الفقهي، وأن أهل البيت (ع) لم يكتفوا بذكر أفعال الظالمين ووصفها بل كانوا يلعنونهم ويدعون إلى لعنهم إلا أن تقتضي الأدلة الثانوية من تقية أو غيرها أمرا آخر. وفي خصوص المبحث الثاني: لم يثبت أي دليل يحظر السب دون اللعن، بل إن السب كاللعن يحرم في موضع كما في المؤمن، ووقع الخلاف في جوازه في الفاسق (الذي لم يقتض نهيه عن المنكر الوجوب)، ويجب في ثالث كما في المبتدع في الدين. في خصوص المبحث الثالث: ثبت من خلال الكثير من الروايات الصحيحة أن الأئمة كانوا يلعنون أشخاصا بأسمائهم لا بمجرد أوصافهم، فما يقال من عدم الجواز لا يستند إلى دليل معتبر. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن على أعدائهم ومعانديهم إلى قيام يوم الدين. [t]الملحق رقم (1):[/t] وقد استظهر اختصاص حرمة السب بالمؤمن دون المسلم جملة من الفقهاء منهم العلامة المجلسي حيث قال تعليقا على رواية: [h]سباب المؤمن فسوق[/h] بالقول: "والإضافة إلى المفعول أو إلى الفاعل ، والأول أظهر فيدل على أنه لا بأس بسب غير المؤمن إذا لم يكن قذفا". (البحار ج72 ص161) وقد يتراءى من بعض الروايات حرمة سب المسلم، كالرواية التي رواها الكليني بسند صحيح عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع) قال: [h]إن رجلا من بني تميم أتى النبي (ص) فقال: أوصني، فكان فيما أوصاه أنه قال: لا تسبوا الناس فتكتسبوا العداوة بينهم[/h]. (الكافي ج2 ص360 ح3) ولكن الميرزا التبريزي حفظه الله يقول تعليقا عليها: "ولكن لا دلالة فيها على خصوص سب المؤمن، بل ظاهرها النهي عن السب مطلقا، باعتبار أن السب كسب لعداوة الناس، والمناسب للعاقبة كون النهي إرشاديا". (إرشاد الطالب ج1 ص160) ويقصد سماحته أن المناسب للعاقبة المذكورة في الرواية أن يكون النهي فيها إرشادا إلى تلك العاقبة، وليس نهيا مولويا بحيث ينتج حرمة مطلق السب بما فيه سب المسلم. وفضلا عن اختصاص دليل حرمة السب بالمؤمن فهناك عدة روايات يمكن استفادة جواز سب المسلم المستحق لذلك، صراحة أو إيماء، وهي: 1 – روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله (ع) [h]قال: قال أمير المؤمنين (ع): ضمنت لمن يسمي على طعامه أن لا يشتكي منه، فقال له ابن الكواء: يا أمير المؤمنين لقد أكلت البارحة طعاما فسميت عليه وآذاني، فقال: لعلك أكلت ألوانا فسميت على بعضها ولم تسم على بعض يا لكع[/h]. (الكافي ج6 ص295 ح18) وكلمة [h]لكع[/h] قالوا أنها تطلق على عدة معاني، فهي تستعمل بمعنى اللئيم، والدنيء، والوسخ والأحمق، والعبد، والصغير في العمر أوالصغير في العلم والعقل، والذي لا يبين الكلام (لسان العرب ج12 ص321، مجمع البحرين ج4 ص388) وهو ببعض هذه المعاني سب، وإن أريد به بعضها الآخر كالصغير في العقل فقد يقال بعدم صراحته في السب من جهة عدم وضوح قصد الهتك فيه أو عدم وضوح صراحته في الهتك والإهانة، وحيث لم يعلم أي المعاني هو المراد فلا يمكن الركون إلى مثل هذه الرواية من جهة الإجمال فيها، إذ لم يعلم أن المقصود من كلمة "لكع" هل هو المعنى المفيد للسب أم المعنى غير المفيد له. 2 – روى البرقي بسند صحيح عن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد، قال: إن أبا الحسن عليه السلام اشترى دارا وأمر مولى له يتحول إليها، وقال (ع) له:[h] إن منزلك ضيق، فقال المولى: أجزأت هذه الدار لأبي، (أي اقتنعت بها واكتفيت) فقال أبو الحسن (ع): إن كان أبوك أحمق ينبغي أن تكون مثله[/h]. (المحاسن ج2 ص451 ح27كتاب المرافق باب سعة المنزل، عنه البحار 73 ص153 ح30، وكذلك رواه الكليني بسند صحيح عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد، بمتن مقارب، ولكن فيها إن المولى قال: قد أحدث هذه الدار أبي (الكافي ج6 ص525 ح2)، ولعل هذه العبارة أصح مما في المحاسن. وأبو الحسن (ع) كنية للإمامين الكاظم والرضا، ومعمر بن خلاد من أصحابهما، فيكون المقصود به أحدهما (ع)، وإن كان الأرجح بلحاظ بعض القرائن أن يكون المقصود به الرضا (ع). وفي هذه الرواية مبحثان: المبحث الأول: كيف يصف الإمام (ع) أب المولى بأنه أحمق، وهذا يعد من الغيبة؟ وقد أجيب عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن يكون والد المولى من المخالفين. والآخر: إن الكلام إذا كان على وجه المطايبة والتأديب لا يعد من الغيبة. (مرآة العقول ج22 ص426، ولعل الوجه الأول هو الأقرب إذ لم يعهد من الفقهاء إدراج مثل الوجه الثاني مسوغا للغيبة). المبحث الثاني: مدى دلالة العبارة على جواز السب. فإن السب إن كان متصورا هنا فهو في قوله (ع) : [h]ينبغي أن تكون مثله[/h] ، وهذه الجملة قد تكون على وجه التقرير فيكون مفادها: إنك أحمق مثل أبيك، ويحتمل أن تكون استفهامية بمعنى الاعتراض فيكون مفادها: فهل ينبغي أن تكون أحمق مثل أبيك، والسب إنما يتصور على وجه التقرير لا الاستنكار، ومع تعدد الاحتمال لا يمكن الجزم بجواز السب في دلالة الرواية. 3 – روى الكليني بسند صحيح عند السيد الخوئي والشيخ المامقاني والعلامة المجلسي والنراقي وغيرهم (في المعلى بن محمد البصري) عن الحسين بن محمد الأشعري، عن المعلى بن محمد البصري، عن أبان بن عثمان، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: [h]لما ولد مروان عرضوا به لرسول الله (ص) أن يدعو له فأرسلوا به إلى عائشة ليدعو له، فلما قربته منه قال: أخرجوا عني الوزغ ابن الوزغ، قال زرارة: ولا أعلم إلا أنه قال: ولعنه[/h]. (الكافي ج8 ص238 ح324) والرواية واضحة الدلالة حيث وصفت مروان بأنه [h]الوزغ ابن الوزغ[/h] غير أن سندها مختلف فيه، فهي تصلح كحجة عند جمع من علمائنا. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الحديث قد رواه الحاكم النيشابوري بسنده عن عبد الرحمن بن أبي عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتي به إلى النبي (ص) فدعا له، فأدخل عليه مروان بن الحكم فقال:[h] هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون[/h]. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (المستدرك ج4 ص479) وأنكر الذهبي في التلخيص على الحاكم قوله، وضعف الحديث لوجود ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف في السند، وذلك أن أبا حاتم كذبه. أقول: ويكفينا للاحتجاج به أن ميناء ثقة عند ابن حبان، أما سر تكذيب أبي حاتم له هو ما قاله أبو حاتم بنفسه: "روى في أصحاب النبي مناكير". إذن هم لم يقيموا وثاقته ابتداء لينظروا بعد ذلك في روايته بل قيموا روايته وحيث أن بعض ما يرويه فيه ما يفضح بعض الصحابة حكموا عليه بالكذب، ومما يؤكد ذلك أن أحمد بن عدي قال: وتبين على أحاديثه أنه يغلو في التشيع. وقال الجوزجاني وهو من النواصب: أنكر الأئمة حديثه لسوء مذهبه. (راجع تهذيب الكمال ج18 ص566) 4 – روى الكليني بسند صحيح (عند من يعتمد على محمد بن سنان كالسيد الخميني والشيخ المامقاني والعلامة المجلسي وغيرهم) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن العلاء بن الفضيل، قال: [h]إذا أطلع رجل على قوم يشرف عليهم أو ينظر إليهم من خلل (أي الفرجة بين شيئين) شيء لهم فرموه فأصابوه فقتلوه أو فقئوا عينه فليس عليهم غرم، وقال (ع): إن رجلا اطلع من خلل حجرة رسول الله (ص) فجاء رسول الله بمشقص (أي بسهم) ليفقأ عينه فوجده قد انطلق، فقال رسول الله (ص): أي خبيث، أما والله لو ثبت لي لفقأت عينيك[/h]. (الكافي ج7 ص291 ح5، عنه وسائل الشيعة ج29 ص68 ح6) وكلمة [h]خبيث[/h] ذكرها العلماء ضمن ألفاظ السب. ولقد سار على هذا المنوال جملة من علماء الإمامية، فقد قال الشيخ الطوسي عن مقاتل بن مقاتل: "واقفي خبيث" (معجم رجال الحديث ج18 ص312)، وكذلك قال عن عبد الكريم بن عمرو (معجم رجال الحديث ج10 ص66)، وقال السيد الخوئي: "وغير بعيد أن يكون المراد بالدهقان، هو محمد بن صالح الهمداني، فإن الموصوفين بالدهقان بين من لم يكن وكيلا، مثل إبراهيم الدهقان وعبيد الله بن عبد الله الدهقان، وبين من هو خبيث وملعون كعروة بن يحيى". (المعجم ج16 ص186) 5 – روى الكشي بسند حسن (عند المامقاني في إبراهيم بن عقبة) عن حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن إبراهيم بن عقبة، قال: كتبت إليه يعني أبا الحسن (ع): جعلت فداك قد عرفت بغض هذه الممطورة، أفأقنت عليهم في صلاتي؟ قال: [h]نعم اقنت عليهم في صلاتك[/h]. (رجال الكشي ص461 ح879) وموضع الشاهد أن الإمام لم ينه ولم يردع إبراهيم بن عقبة عند وصفه للواقفة بـ "الممطورة". قال العلامة المجلسي: "كانوا يسمونهم وأضرابهم من فرق الشيعة سوى الفرقة المحقة: الكلاب الممطورة لسراية خبثهم إلى من يقرب منهم". (البحار ج48 ص267) وقال أيضا: "والممطورة الواقفة، لقبوا بذلك لأنهم لكثرة ضررهم على الشيعة وافتتانهم بهم كانوا كالكلاب التي أصابها المطر وابتلت ومشت بين الناس، فلا محالة يتنجس الناس بها، فكذلك هؤلاء في اختلاطهم بالإمامية وافتتانهم بهم". (البحار ج82 ص203) وهناك روايات كثيرة ضعيفة السند في خصوص سب الكافر أو المسلم أو المؤمن غير أن ما ذكرناه سابقا من الروايات الصحيحة وخاصة صحيحة داود بن سرحان وأقوال الفقهاء فيها الكفاية لإثبات أصل المطلوب وهو جواز السب بل وجوبه في بعض الأحيان. نعم لم نجد في جميع روايات الأئمة (ع) أي عبارة تفيد الفحش في القول وهو السباب بألفاظ مستهجنة يستقبح ذكرها وتكون عادة مرتبطة بذكر العورة، بل لم نعثر على روايات كان السب فيها بألفاظ من قبيل: يا كلب أو يا خنزير وما شاكلها من ألفاظ السب، حيث أن الفاظ السب وإن كانت كلها سبا إلا أنها وبالنظر إلى العرف متفاوتة بالتشكيك، فلا شك في وجود الفرق بين لفظ "كلب" وبين لفظ "أحمق". [e]تجدر الإشارة إلى أن الرأي القائل بجواز اللعن دون السب هو رأي ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة ج11 ص21.[/e]