ذكرى شهادة فاطمة الزهراء (ع): فاطمة والحجاب الإلهي + اللعن والبراءة في زيارة عاشوراء (القسم الثالث)

[e]مقدمة مهمة عن خطب الجمعة[/e]

http://www.al-meshkah.com/showkh.php?id2=26&cat=6



ينقل العلامة المجلسي عن كتاب الطرف للسيد علي بن طاووس، فيما ينقله عن كتاب الوصية لأبي موسى عيسى بن المستفاد البجلي الضرير (وهو من الرواة عن الإمام الكاظم والجواد الجواد عليهما السلام) فيما رواه عن أبي الحسن موسى بن جعفر (ع)، عن أبيه الصادق (ع)، قال:

[h]لما حضرت رسول الله الوفاة دعا الأنصار، وكان مما أوصاهم به:

الله الله في أهل بيتي مصابيح الظلم ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ومستقر الملائكة، منهم وصيي وأميني ووارثي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، ألا هل بلغت معاشر الأنصار؟

ألا فاسمعوا ومن حضر: ألا أن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه فقد هتك حجاب الله.[/h]

قال عيسى الضرير:

فبكى أبو الحسن (ع) وقال: [h]هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله، هتك والله حجاب الله، يا أمه صلوات الله عليها[/h].  (بحار الأنوار ج22 ص476 ح27)

وروى محمد بن الحسن الصفار وكذلك روى الكليني عن الإمام الباقر (ع) أنه قال:

[h]بنا عبد الله، وبنا عرف الله، وبنا وعد (وحد: في الكافي) الله، ومحمد حجاب الله[/h]. (بصائر الدرجات ص84 ح12 ، الكافي ج1 ص145 ح10)



[t]ذكرى شهادة الزهراء (ع)[/t]



كان حديثنا في الخطبتين السابقتين عن مسألة اللعن وهل هي من طريقة أهل البيت (ع) مع معانديهم أم ليست كذلك كما ادعاه البعض، وبما أنه تمر علينا ذكرى شهادة الصديقة الطاهرة (ع) فلابد من التوقف عندها ثم استكمال الموضوع السابق المرتبط باللعن وخاصة مع وجود حلقة وصل واضحة بين الموضوعين كما سنبين إن شاء الله تعالى.



[t]فاطمة وأبوها حجاب الله[/t]



وصف النبي (ص) في روايتي الصفار والكليني بأنه [h]حجاب[/h] الله تعالى، وكذلك وصفت فاطمة الزهراء (ع) بأنها [h]حجاب الله[/h] عز وجل في رواية عيسى المستفاد، وهذا يعني أن لله عز وجل حجابا واحدا لا حجابين، فمحمد ص وفاطمة (ع) وكذلك بقية الأئمة (ع) لا تغاير بينهم، وهم يشكلون معا حجاب الله عز وجل. فما المقصود من هذا الحجاب؟

نحن نعلم أنه ليس بين الله وخلقه حجاب، (البحار ج3 ص330 ح34)، كما نعلم من خلال الكثير من الروايات أن الله عز وجل عبد وعرف بأهل البيت (ع)، فكيف يصح أن يصير أفضل الخلق حجابا لله؟ أليس في ذلك صفة منقصة لهم (ع) – حاشاهم عليهم السلام - حيث أنهم صاروا حجابا لله ومانعا عن الوصول إليه؟

سيتبين الجواب عن هذا السؤال من خلال عرض المعاني المحتملة في الحديثين الذين صدرت بهما الخطبة.

 

[t]الحجاب واسطة في الهداية والرحمة[/t]



وهذا هو المعنى الأول للحديث، فالحجاب يعني الذي يتوسط بين شيئين، بين المحجوب عنه وهو هنا المخلوق، وبين المحجوب وهو هنا الله عز وجل، فالنبي (ص) واسطة في إيصال الهداية والرحمة من الله إلى عباده وخلقه. (الكافي ج1 ص145 الهامش، نقلا عن الفيض الكاشاني في الوافي).

أي أن الخلق لا يمكن لهم أن يصلوا للهداية بشكل مباشر ولا يمكن لهم أن ينالوا الرحمة الإلهية بشكل مباشر، ومن ثم لابد لهم من واسطة توصل لهم تلك الهداية، والنبي (ص) بما فيه من الكمالات غير الموجودة في البشر هو القادر على هداية الناس والبلوغ بهم إلى بر الأمان والسعادة، وعدم كون الناس كذلك إنما هو لجهة نقصهم وعدم وجود الأرضية التي تؤهلهم لكونهم هادين، بل غاية ما يبلغونه هو كونهم مهديين من قبل النبي (ص)، قال تعالى: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (يونس / 35)  

وفاطمة الزهراء (ع) مثل النبي (ص) في هذه الجهة، فهي مسلك الهداية والرحمة، وكل من اتخذ موقفا مضادا لها فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والهداية، فلم تكن فاطمة (ع) لمثل ذلك الشخص حجابا بل كانت واسطة رحمة وهداية له، ولكنه صار بنفسه وبفعله عبر إيذائها وعنادها حجابا عن الرحمة والهداية.



[t]الحجاب مستودع الفيض والسر الإلهي[/t]



وهذا هو المعنى الثاني للحديث ، فالحجاب من النبي (ص) والزهراء (ع) والأئمة (ع) يقع في الوسط بين الله وخلقه، فمن الجهة المتصلة بالخلق لايوجد أي كمال لأن الخلق موطن النقص إلا ما أفاض الله عليهم بواسطتهم (ع)، ومن الجهة المرتبطة بالله عز وجل فهناك كل الكمال والجمال، وهذا الحجاب له اتصال مباشر ومن دون واسطة بكلا الجهتين، وهو بهذا اللحاظ يتلقى كل الفيض والكمال والنور من الله عز وجل، وفيه القابلية لتلقي ذلك النور، ومن ثم صار المعصومون (ع) خزنة لعلم الله عز وجل ومستودعا لأسراره، وفي الحديث الذي رواه الكراجكي عن النبي (ص) أنه قال (ع) لأبي ذر وهو يصف أمير المؤمنين (ع):

[h]ولا يستره من الله ستر، ولا يحجبه من الله حجاب، وهو الحجاب والستر[/h]. (عنه كنز الدقائق ج14 ص525 ط وزارة الإرشاد – طهران)

ومن هنا يعلم أن ما ترشح منهم (ع) إلينا من فضائلهم وكمالاتهم وعلومهم الربانية (والتي يستثقلها البعض ويرفضها الآخر ويؤمن بها من امتحن الله قلبه للإيمان) ومن خلال ما يسمح به هذا الحجاب من تمرير ما يمكن تمريره من نور إنما هو نزر يسير مما هم عليه في واقع الحال، وليست في الخلق قابلية لتحمل المزيد مما لديهم من علوم وفضائل، لأن وعاء الخلق قاصر عن تلقي ذلك النور والعلم الإلهي.

ومما يشهد لهذا المعنى ما رواه الشيخ الصدوق بسند معتبر (عند من يقول باعتبار محمد بن سنان وزياد بن المنذر كما يظهر من الشيخ موسى الزنجاني في كتابه الجامع في الرجال) في باب القضاء والقدر من التوحيد عن محمد بن موسى بن المتوكل، قال: حدثنا علي بن الحسين السعد آبادي، قال: حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، قال:

قال أمير المؤمنين (ع) في القدر:

[h]ألا أن القدر سر من سر الله، وستر من ستر الله، وحرز من حرز الله، مرفوع في حجاب الله ...الخ[/h]. (التوحيد ص383 ح32)

فإن القدر الذي يمثل السر الإلهي رفعه الله ووضعه في حجابه الذي هو فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها صلوات الله عليهم أجمعين.



[t]الحجاب طريق لسلوك سبيل الله[/t]



وهذا هو التفسير الثالث للحديثين أي أن الخلق حتى يصلوا إلى الله تعالى في سلوكهم فلابد لهم من أن يصلوا إليه عبر الحجاب لأنهم محجوبون عن الحق بالحجاب الذي هو النبي (ص) وفاطمة (ع)، ومن ثم لا يمكن السلوك إلى الله إلا بالتوسل بسادة الخلق محمد وآله الأطهار.

يقول المولى محمد صالح المازندراني:

" قوله (ع): [h]ومحمد حجاب الله تبارك وتعالى[/h] أشار إلى أن سلوك سبيل الله تعالى لا يمكن إلا بالتوسل بمحمد (ص) لأنه حجاب الله المرشد إلى كيفية سلوك طريقه الموصل إليه والمبين لمراحله ومنازله وما لابد منه للسائرين فيه من العلم والعمل، ثم لا يمكن التوسل بذلك إلى الحجاب إلا بالتوسل بأوليائه الطاهرين وأوصيائه المعصومين لأنهم ورثة علمه وسالكون مسلكه بتعليمه والمنزهون عن الجور والطغيان والمتصفون بالعدل والعرفان". (شرح أصول الكافي ج4 ص228)

وبناء عليه فلابد لمن يريد أن يسلك طريق الله أن يتوسل بنبيه (ص)، ولا يتحقق هذا التوسل إلا من خلال التوسل بفاطمة لأنها حجاب لله أيضا، بل لا توسل إلا من خلالهما معا لأنهما موصوفان معا بوصف واحد وهو [h]حجاب الله[/h].



[t]الحجاب : الستر المصون والكرامة[/t]



وهو المعنى الرابع للحديث، فالحجاب يعني ما فرضه الله من احترام وصون للشخص، ولزوم رعاية هذا الشخص لهذا الحجاب ولزوم رعاية الآخرين له أيضا، فعندما يضع الله عز وجل حكما من قبيل وجوب الحجاب أو حرمة شرب الخمر والتجسس والهجوم على البيوت فهو من جهة أن ذلك فيه حفظ لكرامة ذلك الإنسان ، والرجل عندما يعاقر الخمرة علنا يكون قد هتك حجاب الله، وعندما يتجسس الآخرون على بيته يكونون قد هتكوا حجابه، والمرأة الناشرة الشعر تكون قد هتكت حجاب الله عز وجل، والآخرون الذين ينزعون عن المرأة المحتشمة حجابها أو يدخلون بيتها من غير إذنها يكونون قد هتكوا حجاب الله.

ومن صور هتك حجاب الله، ما رواه ابن حمزة الطوسي عن صالح بن الأشعث البزاز الكوفي أن الإمام الصادق (ع) قال للمفضل بن عمر: [h]إذا هتكت امرأة سترها وكانت عارفة بالله هتكت حجاب الله[/h]. (الثاقب في المناقب ص160 ح149 / 10)، ومن صوره أيضا ما وقع مع عائشة حيث أنها كانت مأمورة بأن تقر في بيتها، ولكنها بخروجها من ذلك البيت لقتال الإمام علي (ع) هتكت ذلك حجاب الله عز وجل، وكذلك من صوره ما وقع مع فاطمة الزهراء (ع) عندما لم يراع القوم حرمة بيتها، فهتكوا حجاب الله عز وجل، فهناك هتكان لحجاب الله فيما يخص بيت فاطمة وبيت عائشة، ولكن الفارق بينهما أن القوم الذين هجموا على بيت فاطمة (ع) هتكوا حجاب الله بفعلهم، وعائشة هتكت حجاب الله بفعلها حيث خرجت من بيتها ولم تقر فيه.

ومهما يكن المعنى المقصود من [h]حجاب الله[/h] فإن من المعلوم أن ذلك الحجاب الإلهي ومن جهة ارتباطه بالله عز وجل يجب مراعاته بأشد ما تكون الرعاية، وهذا ما لم يفعله القوم مع فاطمة الزهراء (ع) فلا هم اتخذوها واسطة للهداية ولا استفادوا من مكنون علمها الذي خصها الله به ولا اتخذوها سبيلا للوصول إلى الله ولا حفظوا حرمتها وحرمة بيتها، وفعلوا معها ما استطاعوا من فعله من جرائم. 

[e]وليس الصحيح أن يقال: ماذا فعل القوم مع الزهراء (ع)؟ وبم ظلموها؟ بل الصحيح أن يقال: ما الذي لم يفعلوه معها؟! وبم لم يظلموها؟![/e]



[t]فاطمة الزهراء (ع) مؤسسة مدرسة البراءة[/t]



لقد حرصت سيدة نساء العالمين أشد الحرص على إظهار سخطها وغضبها على القوم الذين غصبوا حق الإمام علي (ع) وآذوها، وأن تبقي علامة هذا السخط عبر إخفاء قبرها حتى ينتقم الله لها على يدي ولدها المهدي عجل الله فرجه الشريف، فقد أوصت أمير المؤمنين (ع) على أن تدفن ليلا ولا يحضر أحد ممن ظلمها جنازتها وأن يعفي موضع قبرها لكي يبقى صوت البراءة باقيا ما بقي التشيع والدين، ومن ثم لا نجد من المبالغة القول أنها (ع) التي كرست مبدأ البراءة من أعداء ومعاندي آل محمد (ع) في مدرسة التشيع.

ينقل البخاري أن رسول الله (ص) قال: [h]فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني[/h] (صحيح البخاري ج4 ص42)، ثم ينقل أن فاطمة (ع) هجرت أبا بكر حتى توفيت. (صحيح البخاري ج4 ص219)       



[t]القسم الثاني : لعن المسلم المعاند[/t]



كنا قد تعرضنا في الخطبة السابقة إلى اللعن وقلنا أنه على أقسام، فمرة يتعلق بالكافر وأخرى بالمسلم، وثالثة بالمؤمن، وفي خصوص الكافر أثبتنا جواز لعن الكافر باسمه ومن خلال ما ورد من لعن في حق بعضهم كعبدالله بن سبأ، وبقي الكلام على أدلة لعن المسلم المعاند لأهل البيت (ع) سواء كان العناد بقوله أم بفعله، ومما يمكن أن يستشهد به في مقام الدليل روايات عديدة، منها:

1 – روى الكليني بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حكيم وحماد بن عثمان، عن أبي مسروق (أي عبد الله النهدي) قال: سألني أبو عبد الله (ع) عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة وقدرية وحرورية، فقال: [h]لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء[/h]. (الكافي ج2 ص387 ح13، وص409 ح2)

والحرورية من الخوارج ولا كلام في كفرهم، أما المرجئة والقدرية فإن قيل بكفرهم فلا كلام وتدخل هذه الرواية ضمن الروايات المثبتة للعن الكافر، أما مع القول بعدم كفرهم فيحمل الكفر في الرواية على جحود الحق، ويحمل الشرك فيها على شرك الطاعة وغير ذلك من أشكال الشرك غير المخرج عن الملة مثل شرك الرياء، ومعنى قوله (ع):  [h]لا تعبد الله على شيء[/h] أي لا تعبده على مستند يركن إليه.

2 – روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن محمد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): رجل قال لي: اعرف الآخر من الأئمة ولا يضرك أن لا تعرف الأول، قال: فقال:[h] لعن الله هذا، فإني أبغضه ولا أعرفه، وهل عرف الآخر إلا بالأول؟! [/h](الكافي ج1 ص373 ح7، مرآة العقول ج4 ص195)

3 – روى الكليني بسند صحيح عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن معاوية بن وهب، عن سعيد السمان، قال: كنت عند أبي عبد الله (ع) إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة، قال: فقال (ع):[h] لا، (وواضح من الحديث أن الإمام كان يتقيهم، ويمكن أن يحمل على التورية أي ليس فينا إمام أعلن عن كونه مفترض الطاعة)، فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنك تفتي وتقر وتقول به، ونسميهم لك، فلان وفلان، وهم أصحاب ورع وتشمير (ويظهر أن الاهتمام بمسألة تقصير الثياب - وهي أمر حسن بلاشك - كانت عند البعض علامة مهمة جدا على التقوى والورع منذ تلك الأزمنة!!) وهم ممن لا يكذب، فغضب أبو عبد الله (ع): ما أمرتهم بهذا، (ونلاحظ هنا أن الإمام (ع) لم يقل ما أقر بذلك بل قال: لم آمرهم بالإعلان) فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا.

فقال لي: أتعرف هذين؟ قلت: نعم، هما من أهل سوقنا من الزيدية، وهما يزعمان أن سيف رسول الله عند عبد الله بن الحسن، فقال: كذبا لعنهما الله....الخ[/h]. (الكافي ج1 ص232 ح1) 

وكما هو ملاحظ في هذه الأحاديث فإن اللعن توجه لمسلمين بمسمياتهم المحددة وليس من خلال أفعالهم.

4 – روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص):

[h]إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم ....الخ[/h]. 

وهذه الرواية وإن جاء فيها البراءة من وصف معين وهم المبدعون والذين يدخلون الشك في قلوب المؤمنين فيما يرتبط بمعتقداتهم ودينهم، غير أن فيها إشارة مهمة تفيد مواجهتهم بالبراءة مباشرة، واللعن من أشكال البراءة بلا ريب، حيث أن تعبير: [h]إذا رأيتم[/h] يرشد إلى مواجهة أهل البدعة والريب، أو على أقل تقدير تكون صورة المواجهة من الصور التي مما لا يمكن إخراجها من صور الرؤية، وبناء عليه تكون هذه الرواية من الروايات القريبة جدا من الروايات الدالة على لعن بعض الفئات والأشخاص بأسمائها، حيث أن مواجهة الملعون باللعن يتلازم مع تشخصه وتعينه خارجا، إذ لابد أن يكون الخطاب موجها للمبدع بخصوصه بالقول: "لعنك الله أيها المبدع في الدين: وليس الأمر كمن يجلس في بيته ويقول: [h]لعن الله المبدع في الدين [/h]من دون تحديد له.

ومهما يكن من أمر فإن الرواية لا تدل على جواز اللعن فقط (كشكل لا خلاف في كونه من أشكل البراءة) بل على وجوبه أيضا. ( وهذا ما ذكره السيد الخوئي في مصباح الفقاهة ج1 ص281) 

وللعلم فإن هناك روايات كثيرة جدا جاء فيها لعن من ارتكب بعض ما حرم الله لا بالاسم بل من خلال الوصف، وسنكتفي بذكر مثال واحد على ذلك، وهو ما رواه الكليني بسند صحيح عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن أبيه، عن هارون بن الجهم قال: كنا مع أبي عبد الله (ع) بالحيرة حين قدم على أبي جعفر المنصور، فختن بعض القواد ابنا له وصنع طعاما ودعا الناس، (وهذا من آداب الختان حيث روى الشيخ الصدوق في الخصال ص313 عن الإمام الكاظم [h]أن رسول الله (ص) قال: أنه لا وليمة إلا في خمس: في عرس أو خرس أو عذار أو وكار أو ركاز ، فأما العرس فالتزويج، والخرس النفاس بالولد، والعذار الختان، والوكار الرجل يشتري الدار، والركاز الذي يقدم من مكة[/h]) وكان أبو عبد الله فيمن دعي، فبينما هو على المائدة يأكل ومعه عدة على المائدة فاستسقى رجل منهم، فأتي بقدح فيه شراب لهم، فلما صار القدح في يد الرجل قام أبو عبد الله (ع) عن المائدة، فسئل عن قيامه؟ فقال:[h] قال رسول الله (ص): ملعون ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر[/h]. (الكافي ج6 ص68 ح1، عنه الوسائل ط آل البيت ج24 ص232 ح1 باب62)

والمتحصل من مجموع ما سردناه أن جواز اللعن لمن كان على ظاهر الإسلام بالإسم ممن خالف وعاند أهل البيت (ع) مما قام الدليل عليه، وإنكاره مكابرة واضحة فضلا عن عدم ركونه إلى دليل. [e](راجع الملحق رقم 1)[/e] 



[t]القسم الثالث: لعن المؤمن[/t]



ولابد أن نؤكد أن البحث في هذا القسم الأخير من اللعن مضافا إلى ما سيأتي من أقسام السب التي سنتعرض لها في الخطبة القادمة بإذن الله تعالى داخل ضمن نطاق البحث الفقهي لا العقائدي، حيث أن الأدلة الواردة فيها لا تصل إلى مستوى الأدلة القطعية بل هي أخبار آحاد موجبة للظن الذي ثبت اعتباره من الشرع، وبما أن المسألة فقهية وهي مما ليس لغير الفقيه إبداء وجهة النظر فيها ولهذا فقد استندنا للنتائج التي سنتوصل إليها إلى فتاوى الفقهاء العظام، وكل ما سنقوم به أحيانا عبارة عن ذكر ما يصلح كدليل ومدرك لما اعتمدوه في فتاواهم وآرائهم الفقهية.

في خصوص لعن المؤمن جاء في استفتاء موجه للسيد الخوئي: سؤال 1220: هل يجوز لعن شارب الخمر المتجاهر حتى لو كان مواليا؟

الخوئي: لا يجوز لعن من هو مؤمن.

التبريزي: على الأحوط. (صراط النجاة ج1 ص442)

وجاء أيضا: سؤال 918: هل يجوز أن يلعن الفاسق أو يتهجم عليه بألفاظ مؤذية في غير حضوره أو يدعى عليه أم لا؟

الخوئي: لا يجوز لعن المؤمن أو سبه أو الدعاء عليه، بل عليه أن يأمره بالمعروف أو ينهاه عن المنكر إن أمكن، والله العالم.

التبريزي: يضاف إلى جوابه: إلا إذا كان مبدعا. (صراط النجاة ج3 ص298)

ومستند ما ذهب إليه الميرزا التبريزي (حفظه الله) رواية صحيحة السند رواها الكليني عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): [h]إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كي لا يطمعوا الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لهم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات[/h]. وقد أقر السيد الخوئي وغيره من العلماء بصحتها السندية. (مصباح الفقاهة ج1 ص281 و354)

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لايوجد أي اختلاف بين رأي السيد الخوئي والميرزا التبريزي، فالسيد الخوئي كان في صدد إثبات أصل الحكم في خصوص المؤمن ولم يكن بصدد ذكر المستثنيات، ومما يشهد على هذا أن السيد الخوئي (قدس سره) يرى جواز سب المبدع في الدين. (مصباح الفقاهة ج1 ص548 ط الداوري)

وإلى هنا انتهى بنا الحديث حول أقسام اللعن وبقي الكلام حول السب، وسنتعرض له في الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.



[t]الملحق رقم 1:[/t]



ومن جملة الروايات الأخرى:

1 – روى الكليني بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حكيم، قال: قلت لأبي الحسن موسى (ع): جعلت فداك، فقهنا في الدين، وأغنانا الله بكم عن الناس، حتى أن الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه، تحضره المسألة ويحضره جوابها فيما من الله علينا بكم، فربما ورد علينا الشيء لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شيء، فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم، فنأخذ به؟ فقال: [h]هيهات هيهات، في ذلك والله هلك من هلك يا ابن حكيم، قال: ثم قال: لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت[/h].

قال محمد بن حكيم لهشام بن الحكم: والله ما أردت إلا أن يرخص لي في القياس. (الكافي ج1 ص56 ح9)

2 – روى الكليني بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى (ع)، قال: قلت: أصلحك الله، إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلا يرد علينا شيء إلا وعندنا فيه شيء مسطر، وذلك مما أنعم الله به علينا بكم، ثم يرد علينا الشيء الصغير ليس عندنا فيه شيء، فينظر بعضنا إلى بعض، وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه؟ فقال:[h] وما لكم وللقياس؟ إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس، ثم قال: إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، وإن جاءكم ما لاتعلمون فها – وأهوى بيده إلى فيه (أي فمه، أي ألزموا السكوت ولا تقولوا بغير علم) – ثم قال: لعن الله أبا حنيفة كان يقول: قال علي وقلت أنا ... الخ[/h]". (الكافي ج1 ص57 ح13)

تجدر الإشارة إلى أن الخطيب البغدادي ذكر في ترجمة أبي حنيفة من تاريخه أنه استتيب من الكفر والزندقة مرتين وأن قسما كثيرا من أهل السنة قالوا في حقه عبارات شديدة مثل: لا مولود أشأم على الإسلام وأضر منه، وأنه دجال من الدجاجلة، وأنه نقض عرى الإسلام عروة عروة، وأنه ليس له دين، وسود الله وجهه، (تاريخ بغداد ج13 ص391، وص413 – 454)، ومما جاء فيه مما يرتبط بموضوع بحثنا ما رواه عن البرقاني، عن الاسفرائيني، عن الفرهياني، قال سمعت القاسم بن عبد الملك، يقول: سمعت أبا مسهر يقول: كانت الأئمة تلعن أبا فلان على هذا المنبر، وأشار إلى منبر دمشق، قال الفرهياني: وهو أبو حنيفة. (تاريخ بغداد ج13 ص440)