اللعن والبراءة في زيارة عاشوراء (القسم الثاني)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

والحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم من الأولين والآخرين



[e]مقدمة مهمة عن خطب الجمعة[/e]

http://www.al-meshkah.com/showkh.php?id2=26&cat=6



روى الحميري بسند صحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي فيما كتب إليه أبو الحسن الرضا (ع):

وقال أبو جعفر (أي الباقر) (ع):

[h]من سره أن لا يكون بينه وبين الله حجاب حتى ينظر إلى الله وينظر الله إليه، فليتول آل محمد ويبرأ من عدوهم، ويأتم بالإمام منهم، فإنه إذا كان كذلك نظر الله إليه ونظر إلى الله[/h]. (قرب الإسناد ص351 تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت)



كنا قد تعرضنا في الأسبوع الفائت إلى الاستفتاء الموجه إلى المرجع التبريزي فيما يرتبط بتشكيك البعض في زيارة عاشوراء من جهة اللعن الموجود فيها، حيث زعم أن اللعن ليس من طريقة أهل البيت (ع)، وذكرنا أن الإيمان بالله وتوليه وتولي أولياءه لا ينفك عن البراءة من أنداده وأعداء أوليائه، وأنه لا يمكن للفرد أن يجمع بين محبة ولي الله وبين محبة من يعاند ويخالف ولي الله، لأنه لا يمكن الجمع بين الله وغير الله في آن واحد. ومما يشهد على ذلك أحاديث عديدة: 

منها: ما ذكرناه من الحديث الصحيح الذي صدرنا به الخطبة. 

وقول الإمام الباقر (ع) في الحديث: [h]نظر الله إليه[/h]  كناية عن غاية لطفه ورحمته، وقوله (ع): [h]نظر إلى الله [/h]كناية عن غاية المعرفة بحسب قابلية العبد وطاقته. (البحار ج27 ص52) 

ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن الأعمش عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:

[h]وحب أولياء الله والولاية لهم واجبة، والبراءة من أعدائهم واجبة ومن الذين ظلموا آل محمد وهتكوا حجابه فأخذوا من فاطمة فدك، ومنعوها ميراثها وغصبوها وزوجها حقوقهما، وهموا بإحراق بيتها، وأسسوا الظلم، وغيروا سنة رسول الله، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة، والبراءة من الأنصاب والأزلام أئمة الضلال وقادة الجور كلهم أولهم وآخرهم واجبة، والبراءة من أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود قاتل أمير المؤمنين (ع) واجبة، والبراءة من جميع قتلة أهل البيت (ع) واجبة[/h]. (الخصال ص607)

ومنها: ما ذكره ابن إدريس الحلي في خاتمة كتابه السرائر في قسم المستطرفات:

"ومما استطرفناه من كتاب أنس العالم تصنيف الصفواني:

قال (أي الصفواني):[h] روي أن رجلا قدم على أمير المؤمنين (ع) فقال له: يا أمير المؤمنين أنا أحبك، وأحب فلانا، وسمى بعض أعدائه، فقال عليه السلام: أما الآن فأنت أعور، فإما أن تعمى وإما أن تبصر.[/h]

وقيل للصادق (ع): إن فلانا يواليكم إلا أنه يضعف عن البراءة من عدوكم، قال: [h]هيهات، كذب من ادعى محبتنا ولم يتبرأ من عدونا[/h].

وروي عن الرضا (ع) أنه قال: [h]كمال الدين ولايتنا والبراءة من عدونا[/h].

ثم قال الصفواني:

واعلم يا بني، أنه لا تتم الولاية ولا تخلص المحبة وتثبت المودة لآل محمد صلى الله عليه وآله إلا بالبراءة من عدوهم، قريبا كان منك أو بعيدا، فلا تأخذك به رأفة، فإن الله عز وجل يقول:  لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم (المجادلة / 22). (السرائر ج3 ص639، عنه البحار ج27 ص58 ح17 - 19)

والصفواني هذا وصفه النجاشي بأنه "شيخ الطائفة، ثقة، فقيه فاضل"، ووصفه الشيخ الطوسي بأنه "حفظة كثير العلم، جيد اللسان"، واسمه محمد بن أحمد بن عبد الله بن قضاعة بن صفوان بن مهران الجمال، ومن هنا سمي بالصفواني، وله كتب، ومنها أنس العالم وأدب المتعلم. (معجم رجال الحديث ج15 ص8، والذريعة ج2 ص368)

والحديث الأول الذي نقله الصفواني واضح الدلالة في أن من يريد أن يكون إيمانه كاملا فلابد له أن يضم البراءة إلى جنب الولاء، فإن لم يفعل فقد إحدى عيني البصيرة فصار أعور لا يستطيع أن يبصر بشكل صحيح ولا يصدق عليه وصف الإيمان، فإن استمر على حاله من الاقتصار على الولاء فقط فقد عين البصيرة الأخرى فصار أعمى، وإن أضاف البراءة إلى الولاء اكتمل إيمانه ورجعت إليه عينه المفقودة فصار بصيرا.

ومنها: ما نقله الكشي في كتابه الذي لخصه الشيخ الطوسي بإسناده عن سدير الصيرفي، قال:

"دخلت على أبي جعفر (ع) ومعي سلمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحداد وسالم بن أبي حفصة وكثير النواء وجماعة معهم، وعند أبي جعفر (ع) أخوه زيد بن علي، فقالوا لأبي جعفر (ع): نتولى عليا وحسنا وحسينا ونتبرأ من أعدائهم، قال (ع):[h] نعم، قالوا: نتولى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهم! قال (أي سدير): فالتفت إليهم زيد بن علي، قال لهم: أتتبرأون من فاطمة، بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذ سموا البترية[/h]. (اختيار معرفة الرجال ص236 ح429)

وزيد بن علي الشهيد وهو المقرب من الإمام (ع) والمرضي عنه بين من خلال جوابه أن تولي طرفين يمثل أحدهما الحق والآخر الباطل لا يمكن، وأن التولي من الأعداء الذين غصبوا حق فاطمة وظلماها مما استدعى منها موقفها المعروف منهم يعني التبرؤ من فاطمة ولا يمكن الجمع بين تولي فاطمة والتبرئ منها، فإما أن يتولاها الفرد فيتبرأ من عدوها وظالمها، وإما أن يتولى ظالمها فيكون ممن تبرئ منها.   

[e](وللمزيد من أمثال هذه الروايات راجع البحار ج27 ص51 – 63)    [/e]

وكذلك ذكرنا  في الأسبوع الفائت بعض المقدمات التي تساهم في تحديد مسار البحث قبل عرض الأدلة، وبقي منها البعض الآخر.



[t]المقدمة الثالثة: التفريق بين الأصل والحالات الطارئة[/t]



فالقرآن الكريم ينهى المسلمين عن سب آلهة الكفار، بالرغم من أن الدين الإسلامي والتوحيد لا يتم من دون البراءة من آلهة الكفار وكل معبود سوى الله عز وجل، والسب يعد أحد مظاهر ذلك التبرؤ، قال تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم (الأنعام / 108) والوجه في النهي عن سب تلك الآلهة هو ما يتسبب فيه من أثر سلبي كبير يتمثل في قيام الكفار بسب الله عز وجل وعدم قدرة المسلمين من منعهم عن ذلك، يقول المحقق الأردبيلي:

"وهذه (أي الآية السابقة) صريحة في عدم جواز فعل مباح بل واجب لو كان موجبا لسب الإله ونحوه، فلا يفعل شيئا يلزم منه ذلك (أي سب الإله)، من سب آلهتهم وغيره مثل سبهم وسب أصحابهم، إذا كان موجبا لسب النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والمؤمنين، وهو ظاهر عقلا". (زبدة البيان ص340)

ولكن هذه الحالة لا تمثل أصلا لأنها لوحظت بلحاظ أثرها، وإلا لو لم يكن ذلك الأثر موجودا كما لو كانت الغلبة والظفر للمسلمين في استيلائهم على الكفار أو كان المسلمون فيما بينهم وضمن مجالسهم الخاصة بحيث لا يصل سبهم لآلهة الكفار إلى الكفار فهل يصح دعوى مرجوحية السب لآلهة الكفار لمجرد أنه سب؟!

إن البعض ممن يخلط الأوراق إما عن جهل أو عمد كرر في أكثر من حديث له الاستشهاد بالآية السابقة لجعلها الحالة الأصلية والقاعدة الأولية في مسألة السب واللعن مع الكفار (راجع على سبيل المثال: خطبته يوم الجمعة بتاريخ 3 من شهر رمضان 1423هـ، وكلمة له بتاريخ 25 ربيع الثاني 1420هـ) مع أنها واضحة في أنها تتحدث عن الحالة الاستثنائية الخاصة والقاعدة الثانوية، فكيف يصح جعل الاستثناء هو الأصل ومن خلاله يراد تعميم مفهوم اللعن والسب في الإسلام، وجعل الأصل استثناء؟؟!! 

ما لكم كيف تحكمون؟!

طبعا لا أريد القول هنا أن الأصل هو اللعن والسب مع كل أحد سواء المؤمن أو المسلم، حتى يقال أنني من دعاة اللعن والسب بشكل مطلق فإن الأصل في المؤمن مثلا وكما سنبين إن شاء الله هو عدم جواز اللعن والسب، ولكن ما أردت الإشارة إليه أن البعض عندما تحدث عن مسألة اللعن أو السب للكفار وآلهتهم أكثر من الاستشهاد بالآية لتأسيس أصل المنع من السب واللعن بشكل مطلق بالرغم من أنها تتعرض لحالة خاصة ولا تريد تأسيس القاعدة الأصلية في مسألة اللعن أو السب للكفار أو آلهتهم.



[t]المقدمة الرابعة: الفرق بين اللعن والسب[/t]



إن اللعن يعني الإبعاد والطرد على وجه السخط، وعندما يكون من الله عز وجل فهو يعني العقوبة في الآخرة والانقطاع عن قبول الرحمة والتوفيق في الدنيا، واللاعن عندما يلعن فهو يدعو الله عز وجل أن يطرد الملعون من رحمته(المفردات في ألفاظ القرآن للراغب الاصفهاني ص741)، ويتحقق اللعن بقول: لعنه الله، ولعنة الله عليه، أما السب والشتم فهما بمعنى واحد. (لسان العرب ج6 ص137) 

وقيل بأن السب أشد من الشتم، فالشتم هو تقبيح أمر المشتوم بالقول والسب هو الإطناب في الشتم والإطالة فيه (الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري ص38)، ومن هنا قال الراغب الأصفهاني: "والسب: الشتم الوجيع". (المفردات ص391)

وقد تناول الفقهاء مفهوم السب وما يؤخذ في معناه، ونكتفي اختصارا بما قاله السيد الخوئي:

"الظاهر من العرف واللغة اعتبار الإهانة والتعيير في مفهوم السب وكونه تنقيصا على المسبوب، وأنه متحد مع الشتم، وعلى هذا يدخل فيه كل ما يوجب إهانة المسبوب وهتكه كالقذف والتوصيف بالوضيع واللاشيء، والحمار والكلب والخنزير والكافر والمرتد والأبرص والأجذم والأعور وغير ذلك من الألفاظ الموجبة للنقص والإهانة، وعليه فلا يتحقق مفهومه إلا بقصد الهتك". (مصباح الفقاهة ج1 ص441 ط مكتبة الداوري – قم) 



[t]المقدمة الخامسة: عدم التسرع قبل ثبوت اللعن وعدم التوقف بعد ثبوته[/t]



هناك تحذير في بعض الروايات من التسرع في اللعن، فالأصل في مسألة اللعن كقاعدة عامة هو التوقف حتى يثبت مجوز اللعن، فإن اللعن بمعنى الطرد من رحمة الله عز وجل ليس بالأمر الهين، حتى يتم التساهل فيه، فهو يعني أن الملعون مستحق للغضب والخروج من رحمة الله عز وجل، وإطلاق هذا الحكم عظيم عند الله عز وجل، إلى درجة أنه سبحانه وتعالى يعتبر أن من يطرد من رحمته من لا يستحق الطرد أنه أولى بالطرد من رحمته.

فقد روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن علي بن عقبة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر يقول:[h] إن اللعنة إذا خرجت من في صاحبها[/h] (أي فم من أطلقها)[h] ترددت بينهما، فإن وجدت مساغا [/h](أي مجوزا للعن من جهة استحقاق الملعون)[h] وإلا رجعت على صاحبها [/h](أي اللاعن). (الكافي ج2 ص360 ح7)

وكما إن هناك تحذيرا من التسرع في اللعن فإن هناك تحذيرا شديدا من التوقف في اللعن بمبررات واهية كالقول إن رحمة الله يمكن أن تشمله، أو أن الاحتياط في الدين يقتضي التحرز من ذلك.  

روى الكشي بسند صحيح  عن محمد بن قولويه والحسين بن الحسن بن بندار القمي، قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن مهزيار ومحمد بن عيسى بن عبيد، عن علي بن مهزيار، قال: سمعت أبا جعفر الثاني ( أي الجواد) عليه السلام يقول وقد ذكر عنده أبا الخطاب: [h]لعن الله أبا الخطاب، ولعن أصحابه، ولعن الشاكين في لعنه، ولعن من قد وقف في ذلك وشك فيه[/h].

ثم قال:[h] هذا أبو الغمر وجعفر بن واقد وهاشم بن أبي هاشم استأكلوا بنا الناس، فصاروا دعاة يدعون الناس إلى ما دعا إليه أبو الخطاب لعنه الله ولعنهم معه، ولعن من قبل ذلك منهم، يا علي لا تتحرجن من لعنهم، لعنهم الله، فإن الله قد لعنهم[/h].

ثم قال (ع): [h]قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تأثم أن يلعن من لعنه الله فقد لعنه الله[/h]. (اختيار معرفة الرجال ص528 ح1012، عنه معجم رجال الحديث ج4 ص134، وأقر الخوئي صحة السند في المعجم ج14 ص256)

وروى الكشي بسند صحيح أيضا عن حمدويه بن نصير، قال: حدثني محمد بن عيسى، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أبيه عمران بن علي، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

[h]لعن الله أبا الخطاب ولعن من قتل معه، ولعن من بقي معهم، ولعن الله من دخل قلبه رحمة لهم[/h]. (اختيار معرفة الرجال ص295 ح521)

فكيف يدعي الإنسان أنه عبد لسيده ومولاه وربه وهو غير ساخط على فرد مع أنه سيده ساخط عليه ؟!



[t]أقسام اللعن[/t]



ولكي يكون الحديث واضحا في أصل الموضوع ودفعا للخلط الذي يمكن أن يحصل بسبب عدم الدقة، نقول أن اللعن قد يقع مرة على الكافر، ومرة على المخالف والمعاند لأهل البيت (ع) ممن تجري عليه أحكام الإسلام (أي غير المعادي وغير الناصب وأما الناصب فهو يدخل ضمن الكافر)، ومرة يقع على المؤمن، ولكل حكمه الخاص به.

وما نريد إثباته هنا أن اللعن في القسمين الأولين داخل في نطاق العقيدة، أي أن مخالفي ومعاندي أهل البيت (ع) سواء كانوا كفارا أو مسلمين مستحقون للعن ويؤجر المكلف على لعنهم والتبرئ منهم إلا أن تقتضي التقية أو مزاحما أهم أمرا آخر.



[t]القسم الأول: لعن الكافر[/t]



قلنا سابقا أن اليقين الذي هو المطلوب في أمر العقيدة قد يحصل بالتواتر، وهو أن يبلغ عدد ناقلي أمر ما في كل طبقة حدا يؤمن معه اتفاقهم على الكذب، وقد يحصل من استفاضة الأحاديث الصحيحة التي توجب الاطمئنان، إن لم نقل بأن الأحاديث المستفيضة موجبة له وإن لم يكن فيها الصحيح.

وفيما يخص الكافر فقد ورد لعنه في القرآن والسنة سواء بوصفه وعنوانه أو بفرده الخارجي، والقرآن باعتباره قطعي الصدور لايبحث في إثباته سندا، وأما من جهة الدلالة فالآيات واضحة وصريحة في اللعن مثل قوله تعالى: إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (الأحزاب / 64)، وقوله عز وجل: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (النساء / 51-52)، وقوله سبحانه: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء (المائدة / 64).

كما أن الأحاديث الواردة في هذا القسم متواترة إجمالا وخاصة في الملعونين بأسمائهم سواء في كتب السنة أو الشيعة، وأرى أن ذكرها سيطيل علينا وقت الخطبة القصير، وأكتفي بهذا المقدار لوضوح الأمر ويمكن للفرد أن يراجع بنفسه كتب الحديث والرجال. 



[t]عبد الله ابن سبأ شخصية حقيقية ملعونة[/t]   

   

ولكنني سأكتفي بمثال واحد فقط وهو ورود اللعن في حق عبد الله بن سبأ.

فقد روى الكشي بسند صحيح عن محمد بن قولويه، قال: حدثني سعد بن عبد الله، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى، عن علي بن مهزيار، عن فضالة بن أيوب الأزدي، عن أبان بن عثمان، قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: [h]لعن الله عبد الله بن سبأ، إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين (ع)، وكان والله أمير المؤمنين (ع) عبدا لله طائعا، الويل لمن كذب علينا، وإن قوما يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم[/h].

وكذلك روى بسندين صحيحين عن محمد بن قولويه، عن سعد بن عبد الله، عن  يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، وأحمد بن محمد بن عيسى، عن أبيه والحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال علي بن الحسين (ع):[h] لعن الله من كذب علينا، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرا عظيما، ما له لعنه الله، كان علي (ع) والله عبدا لله صالحا، أخو رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله (ص) الكرامة من الله إلا بطاعته[/h].

(اختيار معرفة الرجال ص107 ح172 و173)

وقد جاء في الحديثين لعن صريح في حق ابن سبأ. 

وقد يقول قائل: إذن هذا يثبت أن عبد الله ابن سبأ شخصية حقيقية خلاف ما تداول فيما يزيد عن العقدين الأخيرين من أنه شخصية أسطورية؟ 

ونقول: 

نعم إنه شخصية حقيقية، حيث أثبتت روايات الكشي الصحيحة وجوده، وأنه كان مدعيا للربوبية لأمير المؤمنين (ع) وأنه (ع) قد استتابه ثم أحرقه بالنار.

ولا يوجد أي محذور ومانع عقائدي أو تاريخي يمس التشيع في هذا المقدار من المنقول في روايات الكشي الصحيحة، بل فيه تكريس لمبادئ التشيع وأصوله، حيث يثبت أن مسألة ربوبية الله عز وجل أمر لايقبل التساهل، وأن كل من يدعي في النبي (ص) أو أوصيائه (ع) ذلك فإنهم (ع) يتبرأون منه ويرونه مهدور الدم.

نعم نحن لا نقبل روايات الطبري التي حاولت إعطاء دور خيالي لابن سبأ في التأثير في الثورة على عثمان أو على مسيرة التشيع بأفكاره اليهودية، فإنها كلها روايات ضعيفة السند وفيها الكذابون والضعاف أمثال سيف بن عمر.   



[t]من مشاكل بعض الحداثويين[/t]



ونحن هنا نقدر للمتحدث الذي شكك في زيارة عاشوراء الجهد الذي بذله في إثبات كذب رواية سيف بن عمر عبر كتابه "عبدالله بن سبأ"، وهو جهد مشكور، ولكننا نخالفه في النتيجة التي أراد الخروج بها من أن ابن سبأ شخصية وهمية، فإن روايات الكشي الصحيحة تثبت وجود ابن سبأ، والغريب أن المتحدث عندما عرض روايات الكشي المسندة بتر إسنادها ولم يتطرق إلى صحة سندها!! (عبد الله بن سبأ ج2 ص171) 

إن هناك مشكلة بارزة وملموسة عند بعض الحداثويين، ألا وهي عدم وجود منهج علمي واضح لهم بحيث يمكن للشخص أن يقيم أفكارهم وفقها، فإذا كان المقياس هو صحة السند من جهة ضعف الرواة ووثاقتهم فإن هذا المنهج يدعو إلى القول بقبول روايات الكشي لأنه ثقة يروي بإسناد متصل كلهم من الثقات، واحتمال الخطأ في النقل لايعتد به لأنه خلاف الأصل إلا أن يدل عليه دليل وهو غير موجود، فلماذا الكيل بمكيالين؟!



[t]الجمود على الأصالة والعقدة من الحداثة[/t]



إننا لا نجمد على مصطلح الأصالة كما أننا لا نتعقد من مصطلح الحداثة، بل إننا نرى أن فتح باب الاجتهاد في غير ضرورات المذهب ومسلماته من موجبات التقدم في فهم الدين وأحكامه أكثر، وهذا من خصائص المذهب الإمامي، ولكننا نتعجب من عدم تحديد ضوابط لهذا المنهج مما حدى بكل من هب ودب ليلقي استنتاجاته الغريبة باسم الحداثة، فإن أي علم مهما طرأت عليه تغييرات وتطورات فإن له أصولا وثوابت منهجية يبتني عليها لاتقوم لذلك العلم قائمة بدونها، فلا يمكن أن يكون هناك منهج قضائي مثلا لا يأخذ بمبدأ الإقرار، ولا يمكن أن يكون هناك علم الطب من دون أن تؤخذ الأعراض الطارئة على المريض بالحسبان.

نسأل الله عز وجل أن ينور أبصارنا للحق ويرزقنا بعد ذلك اتباعه والعمل به.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، والحمد لله في أموره كلها.