اللعن والبراءة في زيارة عاشوراء (القسم الأول)

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله خالق الخلق باسط الرزق حمدا لا يحصيه سواه والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الكرام الهداة الميامين.



[e]مقدمة مهمة عن خطب الجمعة[/e]

http://www.al-meshkah.com/showkh.php?id2=26&cat=6



قال عز من قائل في محكم كتابه الكريم

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * ......... * وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله (سورة التوبة / 1، 3) 



بلغنا استفتاء قبل ما يقارب الشهر يتضمن جوابا من المرجع الديني آية الله العظمى التبريزي حفظه الله حول كلام لأحد المؤلفين المعروفين، وأصل الاستفتاء كان قد وجه لسماحته قبل ما يزيد عن الشهرين، ولقد كنت أتحين الفرصة المناسبة لتناول هذا الموضوع لأهميته، فهو يتضمن موقع اللعن والبراءة في مدرسة أهل البيت (ع)، وهي تعد من المسائل الأساسية لا الهامشية في هذه المدرسة الأصيلة والوحيدة للإسلام، فما جاء منها هو الحق وما نفته هو الباطل. 

وحيث أن الموضوع متشعب وفيه نقاط كثيرة فلهذا سأتطرق إليه إن شاء الله في عدة خطب.



[t]الاستفتاء وجواب الميرزا التبريزي[/t]



وبداية لابد من عرض نص الاستفتاء وجواب سماحته.

السؤال:

سماحة آية الله العظمى التبريزي دام ظله

في تاريخ 29 / 4 / 2004 ضمن خطبة له في مدرسة السيد المعصومة عليها السلام، طرح العلامة العسكري شبهات أثارت حيرة الحضور! لقد قال في خطبته وفي إجاباته على أسئلة الحضور حول حديث الكساء: "إن هذا المعروف المتداول في الكتب غير صحيح"، وحول زيارة عاشوراء ولعن معاندي أهل البيت عليهم السلام قال: "إذا توجهنا إلى سيرة الأئمة فلن تجد عندنا هذا الأمر، وما ورد بشأن زيارة عاشوراء غير صحيح، وأنا متردد في أصل زيارة عاشوراء، وفي هذا العصر وهذه الظروف الحساسة لم يعد للعن موقعا أو محلا"!

إن موقف سماحتكم سيأخذ بأيدي طلبة العلم المكتوين الذين لازالت قلوبهم تضطرم بعشق الولاية، أطال الله في أعمار مراجع التقليد العظام وبارك فيهم، فلا زالوا حماة مدرسة أهل البيت عليهم السلام، نسألكم الدعاء.

جمع من أساتذة وطلاب المدرسة المعصومية

في 30 / 4 / 2004 م



وهذا هو جواب المرجع التبريزي حفظه الله:

"بسمه تعالى: أبنائي الأعزاء، إنني أتفهم وأتلمس هواجسكم وقلقكم، ماذا عسانا نفعل إذا كان البعض لايدركون ظروفنا الحساسة، ويعمدون إلى طرح قضايا كان يمكنهم الإعراض عنها وتجاوزها بالسكوت، يظنون أن إثارة الشبهات حول معتقدات الشيعة يمكنه أن يقود نحو الوحدة! ولكنهم غافلون! إذ أن طرح هذه المسائل بالذات يوجب الفرقة والتشتت.

إن الشيعة المتعلقين العاملين بإخلاص في رحاب أهل البيت عليهم السلام لايمكنهم أن يسكتوا ويكونوا سلبيين تجاه التشكيك في معتقداتهم.

إنني ضمن دعوتي للطلبة الأعزاء بالتحلي بالصبر والحلم وحفظ الوحدة والاتحاد أنصح المسؤولين أن يرعووا عن هذه الأعمال، وأن لا يلوثوا الحوزة بالأفكار الخاطئة والمنحرفة.

إن حديث الكساء بالنحو المعروف وزيارة عاشوراء ولعن أعداء أهل البيت عليهم السلام هو جزء من معتقدات الشيعة الإثنا عشرية، وعلى منكرها أن يستغفر، عسى أن يرحمه الله وينجو في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم".



[t]ملاحظات على الاستفتاء[/t]



من الضروري أن أسجل ملاحظتين أساسيتين على الاستفتاء حتى لا أغبن المتحدث: 

أما الأولى فهي أن المتحدث لم يكن في أجواء ضاغطة تفرض عليه التقية أو المداراة بل كان في إحدى المدارس العلمية في قم المقدسة وبحضور عدد من طلبة العلوم الدينية، وهذا يعني أنه لايمكن أن نفترض أن ما صدر من المتحدث لم يكن يمثل فكره الحقيقي وما يؤمن به، هذا مع تحفظنا على مستوى التنازل الذي يقدمه العامل بالتقية لو كان في موقع يفرض عليه التقية، إذ التقية وخصوصا المداراتية منها لا تقتضي أن يقوم الإنسان بأي فعل أو يصدر منه أي قول إذ لا خطر على النفس يستوجب ذلك، ومن الواضح أن دائرة التقية في حال وجود الخطر أوسع من دائرة التقية في حال المداراة. 

أما الثانية فهي أن المتحدث ربط بين شيئين، بين التشكيك في زيارة عاشوراء واللعن الموجود فيها وبين كون هذا من طريقة أهل البيت (ع)، وهذا يعني أن الإنكار لم يكن مقتصرا على المجاهرة باللعن إذ أنه يدخل في النطاق الفقهي (حيث ذكرنا في بعض الخطب السابقة أن فقهاءنا لايجوزون اللعن العلني لبعض رموز أهل السنة كبعض الصحابة لمنافاة ذلك مع التقية التي أمرنا بها) بل تعداه إلى أصل اللعن الذي يدخل في النطاق العقائدي كما سنبين لاحقا إن شاء الله تعالى، إذ أن الزيارة لم تكن علنية دوما، بل هي في الغالب غير علنية فهي مما يفعله خصوص الشيعة عند زيارتهم لأئمتهم إما في مراقدهم الطاهرة أو في مجالسهم الخاصة من بعد. 

ولو قلنا جدلا بأن المتحدث استنكر خصوص اللعن العلني فإن هذا يستوجب طلب عدم قراءة الزيارة علنا أمام المخالفين لا أن يقال بأن الزيارة لا محل لها، فمثلا لو كان المسلم أمام الكافر ويخشى على نفسه من بطش الكافر وقتله فإنه يجوز له أن يعمل بالتقية فلا يلعن الكفار وآلهتهم أمامهم، ولا يصح أن يقال له أنه ليس للعن والبراءة من آلهة الكفار موضع ومحل في حياتك!!!  

وزيارة عاشوراء جاء فيها مقاطع للعن والبراءة، منها:

[h]ولعن الله أمة قتلتكم ولعن الله الممهدين لهم بالتمكين من قتالكم، برئت إلى الله وإليكم منهم ومن أشياعهم وأتباعهم وأوليائهم، يا أبا عبد الله إني سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم إلى يوم القيامة، ولعن الله آل زياد وآل مروان، ولعن الله بني أمية قاطبة، ولعن الله ابن مرجانة، ولعن الله عمر بن سعد، ولعن الله شمرا، ولعن الله أمة أسرجت وألجمت وتنقبت لقتالك .....،  اللهم العن أبا سفيان ومعاوية ويزيد بن معاوية عليهم منك اللعنة أبد الآبدين.[/h]

وجاء في آخر الزيارة:

[h]اللهم خص أنت أول ظالم باللعن مني وابدأ به أولا ثم العن الثاني والثالث والرابع، اللهم العن يزيد خامسا، والعن عبيد الله بن زياد وابن مرجانة وعمر بن سعد وشمرا وآل أبي سفيان وآل زياد وآل مروان إلى يوم القيامة.[/h]



[t]محاور البحث[/t]



وبناء على ما مر وعلى ما يطرح في بعض المحافل الثقافية والتي يتحدث فيها بعض من لم يسبر في الروايات والتحقيق فيها أو حاول أن يضفي قسرا على بعض الروايات استنتاجاته التعسفية، أو البعض الذي يجتر مقولات غيره فإنه ينبغي تناول عدة مباحث أساسية:

المبحث الأول: هل صحيح أن طريقة أهل البيت (ع) لم تكن اللعن بل ذكر أفعال الظالمين ووصفها؟

المبحث الثاني: هل صحيح ما يقال من أن الجائز هو اللعن دون السب؟ أو ما يقال من أنهما لا يجوزان معا؟

المبحث الثالث: هل صحيح أن الجائز هو اللعن من دون تسمية الملعون باسمه بل بوصفه فنقول: لعن الله الظالم ولا يصح أن نقول: لعن الله فلانا؟

وأخيرا: ما مدى صحة زيارة عاشوراء؟

وإنني أعتبر أن تطرق المتحدث لبعض المباحث السابقة لهو أخطر بكثير من التشكيك في سند وصحة زيارة عاشوراء، إذ لو كان الأمر مقتصرا على ذلك التشكيك لهان الأمر مع شدته!! ولكن التعرض لمسألة تدخل في نطاق العقيدة (وهي لعن أعداء ومعاندي آل محمد عليهم السلام) لا الفقه يجعل الأمر غير قابل لغض الطرف عنه.



[t]التوحيد قائم على البراءة[/t]



إن أهم ركيزة عقائدية يبتني عليها الدين الإسلامي هي التوحيد، والإيمان بإله واحد يدبر هذا الكون، حيث أنها الأساس لجميع المعتقدات الأخرى، فالإيمان بالنبوة متفرع عن الاعتقاد بالتوحيد.

والتوحيد مبتن على نفي الأضداد والأنداد، فلا يمكن أن نوحد الله عز وجل إذا أثبتنا له شريكا، وأول كلمة يطلقها المسلم هي "أشهد أن لا إله إلا الله" أي أنه لايمكن أن نؤمن بالله الواحد إذا لم ننف ولم نتبرأ أولاً من بقية الآلهة المزعومة.

وسر ذلك أن الواقعية تقول أنه لايوجد غير الله عز وجل، فليست المسألة في أن هناك إجبارا على أن يعتقد الفرد بوحدانية الله بل لأن واقع الأمر يقول ذلك، وكما أن طبيعة الشر والخير والوجود والعدم لا يجتمعان كذلك التوحيد وإثبات الأنداد لا يجتمعان، فطبيعة المسألة لا تتحمل إلا أمرا واحدا، ولا تقبل الاعتقاد بالشيء ونقيضه وضده، والأمر لا يتحمل في حد ذاته أن تحب الله وتحب عدوه، أو  كل ما يتفرع من حب الله عز وجل كأن تحب ولي الله وتحب عدو ولي الله. 



[t]المبحث الأول: اللعن وطريقة أهل البيت (ع)[/t]



ولكي نستوفي الكلام فيه (بما يتناسب مع خطب الجمعة لا بما يتناسب مع تأليف الكتب) فلابد من ذكر بعض المقدمات الضرورية التي ستساعد في تحديد مسار البحث.



المقدمة الأولى: علاقة الحب والبغض بالولاء والبراءة

تعرض القرآن الكريم في بعض الآيات الكريمة لبعض صفات الله الفعلية، وهي صفة الانتقام وشدة العقاب والعذاب ، قال الله عز وجل: واتقوا الله إن الله شديد العقاب (المائدة / 2، الحشر / 7)، وقال سبحانه وتعالى:  وأن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب (البقرة / 165)، وقال عز من قائل: لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (آل عمران / 4) ، وقال تعالى جده: يوم نبطش البطشة الكبرى إنا من المجرمين منتقمون (الدخان / 16).

وفي مقابل ذلك جاءت صفة الرحمة والمغفرة، قال عز وجل:  قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (القصص / 16)، وقال: إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم ( النمل / 11)، وقد جمعت الصفتان في بعض الآيات القرآنية مثل قوله تعالى: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (المائدة / 98)، وقوله عز وجل:  إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (الأعراف / 167).

والمؤمن هو الذي يتحلى بأخلاق الله عز وجل، فقد ورد عن النبي (ص) في كتاب له لبعض ولاته على اليمن:[h] وخذهم بأخلاق الله واحملهم عليها[/h] (مكاتيب الرسول للأحمدي الميانجي ج2 ص651)، فيبغض الكفار ويبغض المعصية ويغضب عند معاصيه ويكون شديدا على من يستحق الشدة وفي موضعها، فلا يمكن للمؤمن أن يكون رحيما في موضع سخط الله ونقمته، قال تعالى: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله (النور / 2) ومن جهة ثانية يحب المؤمن الأعمال الصالحة والمؤمنين ويكون رحيما في موضع الرحمة ، ولايمكن للمؤمن أن يكون شديدا وقاسيا في موضع رحمة الله ورأفته، قال تعالى واصفا نبيه: حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (التوبة / 128)، وبهذه الطريقة يحقق المؤمن التوازن في أخلاقه وسلوكه.

فلا يبغض المؤمن من أحبه الله عز وجل، ولا يحب من أبغضه الله عز وجل، لأن ذلك يتنافى مع محورية الله عز وجل وعبودية العبد له ولزوم متابعته، ومن ثم لا يستقيم إيمان عبد من دون أن يكون للحب والبغض الدور الأساسي المحرك له في الحياة.

وقد روى الكليني بسند صحيح عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحب والبغض أمن الإيمان هو؟ [h]فقال: وهل الإيمان إلا الحب والبغض، ثم تلا هذه الآية: [/h]حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان وأولئك هم الراشدون. (الكافي ج2 ص125 ح5)

هذا الحب والبغض لهما لوازم وآثار تنعكس تلقائيا في حياة الفرد، فمن يحب أولياء الله فإنه يواليهم ومن يبغض أعداء الله فإنه يتبرأ منهم، ونلاحظ أن البراءة تبلغ حدا وكما في سورة التوبة التي صدرت بها الخطبة بحيث أن السورة المباركة تقرأ من دون البسملة المتضمنة للرحمة، وهذا من الخصائص الوحيدة لهذه السورة في القرآن الكريم. 

كما أن من يحب الطاعة يلتزم بها ومن يبغض المعصية يتجنبها، فما نجده في أنفسنا من عدم التزام بالطاعة وارتكاب للمعصية لا يتفق مع دعوى حب الله عز وجل، وهو يعني أن إيماننا ليس إيمانا حقيقيا، غير أن الله عز وجل بتفضله ومنه قبل هذا الإيمان الناقص واعتبرنا مؤمنين، ولكنه لم يتسامح في مسألة التولي لأولياء الله عز وجل والتبرئ من أعدائه، واعتبر عدم تولي من يأمر بتوليه مخرجا للإنسان من الإيمان بشكل كامل وكما دلت عليه الروايات المتواترة.



[t]المقدمة الثانية: الفرق بين المنهج العقائدي والفقهي[/t]



هناك اختلاف جذري بين المنهجين الفقهي والعقائدي يكمن في أن المنهج العقائدي لا بد أن يوصل لليقين والاعتقاد، حيث أن المطلوب هو عقد القلب على أمر، وهو لايتحقق بالظنون والشكوك والتخرصات بل بالقطع واليقين والاطمئنان، ومن ثم لابد أن يعتمد المنهج العقائدي على أدلة تفضي إلى اليقين مثل دليل التواتر، أو اجتماع قرائن عديدة تعضد الخبر، أو تراكم الأحاديث الصحيحة، فالتواتر لايحتاج في ثبوته إلى وثاقة الرواة بل إنه يعتمد أساسا على كثرة العدد التي يمتنع معها التواطؤ على الكذب، بينما الحديث الصحيح عندما يضاف إليه الكثير من الأحاديث الصحيحة البالغة حد الاستفاضة فإن ذلك يوجب القطع أو الاطمئنان على أقل تقدير بما تتناوله تلك الأحاديث. 

فالحديث المستفيض - وهو الذي بلغ عدد رواته ثلاثة في كل طبقة ولم يبلغ حد التواتر - ذهب كثير من فقهاء الإمامية إلى حجيته وإيجابه الاطمئنان بالصدور. (راجع مثلا ما قاله: الشيخ محمد حسن في جواهر الكلام ج5 ص172، وج10 ص286، وج30 ص8، والآقا رضا الهمداني في مصباح الفقيه ج1 ق1 ص82 و288، وج2 ق2 ص612 و667 و760، والسيد الخوئي في كتاب الطهارة ج5 ص14)

ولكنهم عندما يتناولون حجيته وإيجابه للأطمئنان فهم يغضون النظر عن كون أسانيد الأحاديث المستفيضة صحيحة أو لا، أي أنهم لاحظوا الحديث من جهة ما يوجبه بسبب القرينة ولو من جهة العدد للاطمئنان، وهناك فرق وجداني واضح بين الأثر الحاصل من استفاضة الأحاديث الضعيفة واستفاضة الأحاديث الصحيحة. (يستشف من كلمات بعض فقهاء الإمامية هذا المعنى، فمن ذلك وعلى سبيل المثال ملاحظة المقارنة بين ما ذكره السيد محمد العاملي في مدارك الأحكام ج2 ص271 وبين ما قاله في نفس الكتاب ج8 ص198 وص462)

وبعض الفقهاء أشار مع تصريحه باستفاضة بعض الأحاديث إلى تضمنها للمعتبر سندا مما يشعر بأن وجود المعتبر بينها له مدخلية في تحصيل الاطمئنان. (فراجع على سبيل المثال ما قاله: المحقق البحراني في الحدائق الناضرة ج11 ص452، والآقا رضا الهمداني في مصباح الفقيه ج3 ص183)

فإن وقع الكلام في الحديث المستفيض بما هو مستفيض في إيجابه الاطمئنان فإن الوجدان يشهد (ودلت عليه عبارات الفقهاء السابقة) بأن المستفيض إذا كان صحيحا فهو موجب له. 

وكذلك هناك فرق وجداني واضح بين أثر الأحاديث المستفيضة والأحاديث المستفيضة جدا المقاربة لحد التواتر. (راجع على سبيل المثال ما قاله السيد العاملي في نهاية المرام ج1 ص307 و314 و389  وبين ما قاله في نفس الجزء من الكتاب في ص31 و174) 

أما المنهج الفقهي فإن المطلوب فيه مجرد المعذرية أمام الله عز وجل ولذا يكتفي فيه بالخبر الواحد المعتبر، وهو وإن لم يكن يفيد القطع ولا الاطمئنان بل غايته إفادة الظن، فالإنسان يشهد بوجدانه أن إخبار الثقة لايفيد القطع لاحتمال وقوع الاشتباه والخطأ عنده، إلا أن الشارع قد تعبدنا بالأخذ به في الأحكام الفقهية، حيث أن الأدلة الدالة على لزوم الأخذ بالخبر الواحد المفيد للظن قطعية ويقينية، مما يجعل الخبر الواحد الظني يفضي وينتهي إلى العلم، ومن هنا صار ظنا معتبرا عند الشارع، وخرج هذا الظن عن عموم الأدلة الناهية عن الأخذ بالظن كقوله تعالى: [h]إن الظن لا يغني من الحق شيئا[/h] (يونس / 36).

ونلاحظ بناء على ما مر أن المنهج العقائدي لايقبل إلا بنفس القطع واليقين والاطمئنان، وإذا كان الدليل ظنيا كما إذا كان خبرا واحدا فهو غير كاف لعقد القلب، أما المنهج الفقهي فيصح الاكتفاء فيه بالخبر الواحد.

ونحن في مسألة اللعن للكفار والمعاندين لأهل البيت (ع) سنثبت أن الدليل فيها مفيد للقطع واليقين مما يجعلها داخلة في نطاق العقيدة التي لايعذر الفرد بإنكارها أو التشكيك فيها، وهنا مكمن الخطورة في كلام المتحدث حسبما نرى، لأنه لم يتطرق لمسألة المجاهرة باللعن من عدمها لمعاندي أهل البيت (ع) التي تدخل في النطاق والمنهج الفقهي، بل تعداه إلى أصل اللعن وهذا يدخل في ضمن العقيدة كما سنبين إن شاء الله تعالى معتمدين في ذلك على أقوال علمائنا ومثبتين لتلك الأقوال بالأدلة القطعية.



[t]البراءة واللعن جزء أساسي من المعتقد[/t]



وسنكتفي حاليا بعرض قول علمين من أعلام الإمامية، تثبت أهمية البراءة واللعن كمظهر من مظاهر البراءة من ظالمي أهل البيت (ع)، وأنها من أصول العقيدة حيث أدرجا ذلك في الكتب والرسائل المعدة لبيان العقيدة، على أن نتعرض للأدلة التي ابتنيت عليها البراءة واللعن في الخطب القادمة إن شاء الله تعالى، بالرغم من أنه لايخلو بعض ما سيأتي في كلام العلمين من تعرض لبعض الأدلة.

يقول الشيخ الصدوق في كتابه الهداية في الأصول والفروع ص48 بعد أن ذكر معتقد الإمامية:

"[e]ونعتقد فيما خالف ما وصفناه أو شيئا منه أنه على غير الهدى، وأنه ضال على الطريقة، ونتبرأ منه كائنا من كان، من أي قبيلة كان، ولا نحبه[/e]".

وقال في كتابه الاعتقادات في دين الإمامية:

"[e]ونعتقد فيهم عليهم السلام أن حبهم إيمان وبغضهم كفر، وأن أمرهم أمر الله ونهيهم نهي الله، وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله، ووليهم ولي الله وعدوهم عدو الله .........[/e]

باب الاعتقاد في الظالمين: [e]اعتقادنا فيهم أنهم ملعونون والبراءة منهم واجبة، قال الله عز وجل[/e]: وما للظالمين من أنصار (البقرة / 270)، وقال الله تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون (هود / 18 – 19).

............. فلما نزلت هذه الآية: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة (الأنفال / 25) قال النبي صلى الله عليه وآله: من ظلم عليا (ع) مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء عليهم السلام من قبلي".

ومن تولى ظالما فهم ظالم، قال الله عز وجل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (التوبة / 23).

............. وأما فاطمة صلوات الله وسلامه عليها فاعتقادنا فيها أنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين .....، وأنها خرجت من الدنيا ساخطة على ظالميها وغاصبي حقها ومن نفى من أبيها إرثها.

......... واعتقادنا في البراءة أنها واجبة من الأوثان الأربعة: يغوث ويعوق ونسر وهبل، ومن الأنداد الأربع: اللات والعزى ومناة وشعرى وممن عبدهم ومن جميع أشياعهم وأتباعهم وأنهم شر خلق الله، وأن لا يتم الإقرار بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وبالأئمة المعصومين عليهم السلام إلا بالبراءة من أعدائهم".

(الاعتقادات في دين الإمامية ص 69، 76 – 78، 80 – 81)

ويقول الكراجكي تلميذ الشيخ المفيد في رسالة كتبها لأحد إخوانه طلب فيها منه أن يذكر فيها اعتقادات الشيعة وسماها بـ "البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان":

"ويجب أن يعتقد أن الله فرض معرفة الأئمة بأجمعهم وطاعتهم وموالاتهم والاقتداء بهم والبراءة من أعدائهم وظالميهم، وأن لا يتم الإيمان إلا بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وأن أعداء الأئمة كفار ملحدون في النار وإن أظهروا الإسلام، فمن عرف الله ورسوله والأئمة الاثني عشر وتولاهم وتبرأ من أعدائهم فهو مؤمن، ومن أنكرهم أو تولى أعداءهم فهو ضال هالك لا ينفعه عمل ولا اجتهاد، ولا تقبل له طاعة ولا يصح له حسنات". (كنز الفوائد ج1 ص248)

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين