عندما يعجز الفكر يتخبط القلم مع السيد محسن الأمين في رأيه حول دفن الإمام السجاد لأبيه الحسين (ع) قصص منتقاة من "كتاب نجفيات" لعلي محمد علي دخيل الاختلال الأخلاقي في معسكر أعداء الإمام الحسين (ع) العزاء الحسيني بين العادات الصفوية والمحاولات الاستعمارية فتاوى الأعلام في لبس السواد في عزاء سيد الشهداء (ع) السيد عبد الحسين الشرع (رض) وسفر الآخرة كراهة التزوج في شهر محرم وصفر محطات مضيئة في حياة مسلم بن عقيل (رض) استفتاءات معربة للمرجع الديني السيد البروجردي قدس سره في العزاء والشعائر الحسينية‏ كرامة لأبي الفضل العباس عليه السلام رأي السيد الخوئي والسيد السيستاني في زفاف القاسم المجتهد الكبير السيد البجنوردي (قد) وموقفه من شكل العزاء الشيخ الوحيد ومقولة "التطبير عادة وثنية" رأي المرجع الديني الشيخ محمد تقي بهجت قدس سره في التطبير رأي المرجع الشيخ محمد علي الأراكي (قد) في التطبير من لم يذق طعم الفقه ؟! كرامة من أمير المؤمنين عليه السلام للمطبرين هل التطبير أصله عائشي ؟
هل التطبير أصله عائشي ؟

رواية ضرب السيدة زينب عليها السلام جبينها بمقدم المحمل رواية نقلها العلامة المجلسي في كتابه بحار الأنوار، وقد صرح أنها مأخوذة عن بعض المصادر المعتبرة عنده. (بحار الأنوار ج45 ص114)

وقد تلقاها من بعده العديد من كبار فقهائنا بالقبول، مثل شيخ الشريعة الاصفهاني والسيد محمد الوحيدي والسيد مرتضى الفيروزآبادي والميرزا جواد التبريزي رضوان الله عليهم، وكذلك من الأحياء السيد صادق الروحاني والشيخ لطف الله الصافي حفظهما الله.

كما جعلها العديد منهم مؤيدة لما استدلوا به على جواز التطبير .

ومن المعلوم في مجال الفقه وغيره أنه لا مانع بعد الاستناد على المطلب بدليل مستقل المستغني بوحده عن غيره كأصالة الإباحة مثلا أن يضم إليه ما يؤيده.

غير أن البعض ممن لا يصح مقايسته بأعلامنا السابقين ادعى أن هذه الرواية أموية وأنها مكذوبة إلى غير ذلك من دعاوى فاسدة تم الرد عليها، وليس فيها سوى الاجترار والتكرار، ضمن مبدأ إعلامي يعتمد على أن التكرار يثبت الرأي وليس قوة الدليل ومتانة الحجة!!

ثم خرج إلينا أخيرا فادعى أن التطبير أصله عائشي وليس زينبيا بما يظن أنه إبداع علمي جديد إذ لم يسبقه إلى هذه الدعوى أحد، وقال:

"وجدت في كتب أخواننا أهل السنة أن أول من قام بفعل يشبه التطبير وينطبق عليه التطبير هو عائشة، عندما توفي النبي (ص) وسمعت بالخير لدمت، واللدم باللغة العربية يعني أخذت حجرا أو ما يشبه الحجر وضربت رأسها، وهذه الرواية صحيحة عند إخواننا أهل السنة والجماعة ، فلذا يصح أن نقول أن التطبير ليس زينبيا، التطبير إذا أردنا أن نرجع إلى أول من طبر هي أم المؤمنين عائشة، بالرغم من ذلك الآن إخواننا أهل السنة والجماعة يرفضون هذا الأمر، ولو أنه لم يعترض أحد على عائشة، فالتطبير ليس زينبيا التطبير بل هو عائشيا!! ولكن بالرغم من ذلك أهل السنة والجماعة رفضوا أو على الأقل لم يؤيدوا ، لا أريد أن أقول رفضوا هذا العمل ولكن لم يؤيدوا هذا التصرف".

والرواية التي أشار إليها البعض هي رواية واحدة تنتهي إلى شخص واحد وهو عباد بن عبد الله بن الزبير، ولكنها منقولة في العديد من المصادر، وعمدتها التالي:

قال أبو يعلى الموصلي:  جعفر بن مهران ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال: سمعت عائشة تقول : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري ، وفي بيت لم أظلم فيه أحدا ، فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة ، وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.

وقال حسين سليم أسد : إسناده حسن ، من أجل جعفر. (مسند أبي يعلى الموصلي ج8 ص63 ح 4586 الهامش2)

كما رواه أحمد في مسنده ج6 ص274 .

وقال حسين سليم أسد عن سند مسند أحمد بن حنبل: وهذا إسناد صحيح . (مسند أبي يعلى الموصلي ج8 ص63 الهامش2)

بينما قال الألباني عن حديث مسند أحمد: وإسناده حسن . (إرواء الغليل ج7 ص86)

ورواه الطبري في تاريخه ج2 ص441 بإسناد حسن.

وروى أيضا في مصادر أخرى بألفاظ متطابقة أو مقاربة، ففي البداية والنهاية لابن كثير ج5 ص261: وقمت ألدم، وفي السيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1069 بلفظ: وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي، وكذلك رويت في أنساب الأشراف للبلاذري ج1 ص562.

هناك جهات عديدة للبحث في كلامه السابق، ومنها:

أولا: كيف يترك المتحدث رواية مروية في كتبنا ونقلها العلامة المجلسي عن بعض الكتب المعتبرة، وقبلها العديد من فقهاء الشيعة الكبار ولم يكذبها أحد منهم كما نعلم ثم يريد إبطال الرواية الشيعية بالرواية السنية؟!

فعلى أي ميزان علمي يتم الاحتجاج بالرواية السنية غير المقبولة عندنا لإسقاط الرواية الشيعية المتلقاة بالقبول؟!

والعجيب أنه يصف الرواية الشيعية بالأموية ولا يصف السنية بذلك؟!

ثانيا : لا يمكن للتقدم والتأخر أن يكون دخيلا في إثبات الحكم أو نفيه، بل المقياس هو الإمضاء الشرعي من عدمه، وقد ثبت في الشرع الإسلامي أنه أمضي العديد من الأمور التي كانت منتشرة في الجاهلية مثل حرمة القتال في الأشهر الحرم وغير ذلك.

فلو أن العرب كانت تبكي وتلطم على الميت، فإن سبقهم هذا لا يجعل اللطم والبكاء جاهليا، بل المناط في ذلك إمضاء الشرع لهما من عدمه.

ونفس الأمر يجري على فعل عائشة لو سلمنا جدلا بأن الرواية السابقة تدل على أنها أول من طبرت أو فعلت ما يشبه التطبير، فلو تحقق الإمضاء الشرعي من المعصوم عليه السلام ومن بعده الفقهاء لفعل السيدة زينب (ع) فإن هذا الإمضاء حجة وإن سبقها إلى ذلك الفعل سابق ، سواء كان السابق ممن ارتضينا مسلكه أو خالفناه.

ثالثا: ما ادعاه المتحدث من أن فعل عائشة رفض أو لم يؤيد من قبل أهل السنة يفتقر إلى الدقة، فقد قبله بعضهم.

قال عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي السهيلي في تفسيره السيرة النبوية لابن هشام والمتضمن لقول عائشة أنها التدمت:

"وقمت ألتدم مع النساء : الالتدام ضرب الخد باليد ، ولم يدخل هذا في التحريم ، لأن التحريم إنما وقع على الصراخ والنواح ، ولعنت الخارقة والحالقة والصالقة وهي الرافعة لصوتها ، ولم يذكر اللدم لكنه ، وإن لم يذكره، فإنه مكروه في حال المصيبة ، وتركه أحمد إلا على أحمد صلى الله عليه وسلم :

فالصّبر يحمد في المصائب كلّها * إلاّ عليك فإنه مذموم

وقد كان يدعى لابس الصّبر حازماً * فأصبح يدعى حازماً حين يجزع". (الروض الأنف ج4 ص270)

نعم ناقشه بعض أهل السنة ورفضوا قوله، فقد قال الحطاب الرعيني:

"وفيما ذكره السهيلي نظر لقوله ( ص ) ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب متفق على صحته". (مواهب الجليل ج3 ص47)

غير أن هذه المناقشة لا تلغي وجود من وافق عائشة في فعلها .

رابعا: ما ادعاه المتحدث من أن اللدم في اللغة يعني الضرب بحجر ونحوه على خلاف التحقيق، فالكتب اللغوية تصرح بأن اللدم بمعنى اللطم، وهو ضرب الوجه أو الصدر باليد.

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة 175ه‍:

"اللدم ضرب المرأة صدرها وعضديها في النياحة ، والالتدام فعلها بنفسها، ولدمت صدرها والتدمت مثله، .... واللدم واللديم: صوت الشيء يقع على الأرض". (العين ج3 ص1631)

وقال أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة429ه‍ في الفصل المخصص لبيان أنواع الضرب:

"الضرب بالراحة على مقدم الرأس صقع، وعلى القفا صفع، وعلى الوجه صكّ (وبه نطق القرآن)، وعلى الخد ببسط الكف لطم، وبقبض الكف لكم، وبقبض الكف لكم، وبكلتا اليدين لدم". (فقه اللغة ص196 الباب19 الفصل31)

وقال ابن الأثير الجزري المتوفى سنة 606ه‍:

" والالتدام : ضرب النساء وجوههن في النياحة". (النهاية في غريب الحديث والأثر ج4 ص245)

وقال محمد بن مكرم بن منظور الأنصاري المتوفى سنة 711ه‍:

" لدم : اللَّدْمُ : ضرْبُ المرأَةِ صَدْرَها . لَدَمَت المرأَة وجهَها : ضربته . ....، ابن سيده : لَدَمَت المرأَةُ صدْرَها تَلْدِمُه لَدْماً ضربته ، والْتَدَمَتْ هي . واللَّدْمُ : ضرْبُ خُبْزِ الملَّة إِذا أَخرجته منها وضَرْبُ غيره أَيضاً . واللَّدْمُ : صوتُ الشيء يَقعُ في الأَرض من الحَجر ونحوه وليس بالشديد ؛ قال ابن مقبل : وللفُؤادِ وَجِيبٌ تَحْتَ أَبْهَرِه ، * لَدْمَ الغُلامِ وراءَ الغَيْبِ بالحَجَرِ وقيل : اللَّدْمُ اللَّطْم والضربُ بشيء ثقيل يُسْمَعُ وَقْعُه". (لسان العرب ج12 ص539)

وقال فخر الدين الطريحي المتوفى سنة 1085ه‍:

"اللدم ضرب الوجه والصدر ونحوه". (مجمع البحرين ج6 ص162)

وقال محمد بن محمد الزبيدي اليماني المتوفى سنة 1205ه‍:

" [ لدم ] : اللَّدْمُ : اللَّطْمُ . وأَيضًا : الضَّرْبُ مُطْلقًا كما في الرَّوْضِ ، أو بكِلْتَا اليَدّيْن أَوْ بِشَيءٍ ثَقِيلٍ يُسْمَعُ وَقْعُه . وفي الصِّحاح : قال الأَصْمَعِيُّ : اللَّدْمُ : صَوتُ الحَجَرِ يَقَعُ بالأَرضِ وليس بالصَّوْتِ الشَّدِيدِ . وفي الحَدِيثِ : واللهِ لا أَكُونُ مِثْلَ الضَّبُعِ تَسْمَعُ اللَّدْمَ حتى تَخْرُجَ فتُصَاد ، ثم يُسَمَّى الضَّربُ لَدْمًا". (تاج العروس من جواهر القاموس ج17 ص646)

وفي الإفصاح في فقه اللغة ج1 ص232-233:

"أصوات بعض الأشيا‍ء

... اللدم: صوت الشيء يقع في الأرض من حجر ونحوه وليس بالشديد ...".

وفي الإفصاح ج1 ص641:

"الضرب بالكف

... اللطم: ضرب الخد وصفحة الجسد بالكف مفتوحة ، .... اللدم: اللطم ، وهو ضرب الخد وصفحة الجسد مفتوحة".



وأهم الملاحظات على كلمات أهل اللغة في معنى اللدم ما يلي:

1 – اتفاق كلمتهم على استخدام اللدم بمعنى اللطم، وتضعيف بعضهم لاستعماله بمعنى الضرب بالشيء الثقيل كالحجر، وكما نقله ابن منظور.

كما أن أبا هلال العسكري المتوفى سنة 395ه‍ لم يضع أي فرق بين اللطم واللدم في باب اللام من كتابه معجم الفروق اللغوية.

وفي كلا المعنيين أي الصوت الناشئ من ضرب الحجر أو الضرب بالكف جاءت بعض كلمات أمير المؤمنين (ع) حول اللدم، فقد قال (ع) لما أشير عليه بأن لا يتبع طلحة والزبير ولا يرصد لهما القتال:

"والله لا أكون كالضَّبُع تنام على طول اللّدم حتى يصل إليها طالبها". (نهج البلاغة الخطبة 6)

وقد فسر اللدم في كلامه هنا بالضرب بالحجر.

قال ابن ميثم البحراني:

"قال الأصمعي: اللدم بسكون الدال ضرب الحجر أو غيره على الأرض وليس بالقوي، ويحكى أن الضبع تستغفل في حجرها بمثل ذلك فتسكن حتى تصاد". (شرح نهج البلاغة ج1 ص281)

وقال (ع) في خطبة أخرى له في قتاله لطلحة والزبير وأهل البصرة:

"والله لا أكون كمستمع اللدم يسمع الناعي ويحضر الباكي". (نهج البلاغة الخطبة 148)

قال ابن ميثم البحراني:

"واللدم: ضرب الصدر باليد، فعل الحزين". (شرح نهج البلاغة ج3 ص205)

2 – اختلاف كلمتهم في المعنى الثاني لللدم أنه الصوت المترتب على الضرب بالحجر ونحوه أم أنه نفس الضرب.

3 – فرق بعضهم بين اللطم واللدم أن اللطم لم يؤخذ فيه الضرب بكلتا اليدين بينما أخذ هذا المعنى في اللدم.

وبغض النظر عن تصريحهم بأن اللدم هو اللطم، وتضعيف بعضهم إرادة الضرب بالشيء الثقيل من اللدم ، فإنه لا يمكن قبول دعوى إرادة الضرب بالحجر في حديث عائشة، وذلك لأن أقل ما يقال أن اللدم يطلق على معنيين اللطم أو الضرب بالشيء الثقيل كالحجر، وتعيين إرادة أحدهما يحتاج إلى قرينة، ولا توجد أي قرينة في إرادة الضرب بالحجر ، فلا إشارة إلى خروج الدم أو غير ذلك.

وإن لم نستظهر أن المراد من الحديث معنى اللطم بقرينة قولها: وأضرب وجهي، فلا أقل أن المعنى مردد بينهما، ومع التردد يتحقق الإجمال، فكيف يزعم المتحدث أن المراد هو الضرب بالحجر؟!

وخلاصة القول أنه لا يصح بأي حال مقارنة رواية النطح الشيعية الصريحة في الضرب بقوة بما هو بارز (مقدم المحمل) والمستوجب لخروج الدم برواية لدم عائشة السنية الدالة على مطلق الضرب من دون وجود أي قرينة علي الضرب بالحجر كخروج الدم.

ولم أجد أحدا من السنة أو الشيعة فسر اللدم في حديث عائشة بما فسره المتحدث، فكلهم متفقون على تفسيره بمعنى اللطم . (الروض الأنف للسهيلي ج4 ص270، مواهب الجليل للحطاب الرعيني ج3 ص48، السيرة النبوية لابن كثير ج4 ص477 الهامش3، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ج4 ص245، سير أعلام النبلاء للذهبي ج27 ص465 وكذا كتابه تاريخ الإسلام ج1 ص562، إمتاع الأسماع للمقريزي ج2 ص137 الهامش1و2، أحاديث أم المؤمنين عائشة للعسكري ج2 ص190)