من سيرة العلماء الربانيين في الاحتياط في التصدي للإفتاء

يقول السيد محمد حسين الطهراني عن آية الله الشيخ حسين الحلي (قدس سره): كان أستاذنا آية الله الشيخ حسين الحلي رجلا عظيما من النادرين ، وقد انفرد وتفرّد في العلم والتقوى والزهد والإعراض عن الرئاسات الدنيوية ، وكان رجلا محقّقا يحتاج جميع العلماء إلى علمه وفهمه ودرايته ، وكلّما سئل عن مسألة - سواء في وقت الدرس أم خارجه ، كان يُسئل مثلا عن فتواه ورأيه في بعض المسائل - ينظر إلى السائل ويقول : مالي - وأنا أحمق - والفتوى ؟! إن شغلنا ليس أكثر من مطالعة الكتب والحصول على بعض المطالب ، ثم نبحث مع الزملاء! وكان هذا الرجل الكبير وصاحب الشخصية العظيمة ، والذي يعتبر - على التحقيق - أفضل من الحاج السيد محسن الحكيم في دقة النظر وسعة الإطلاع والتبحر في الفقه والأصول ، حتى أن نفس السيد محسن الحكيم كان يعترف بهذا . وكان في أثناء الدرس (وبعض دروسه موجودة عندي بتقرير مني) يأتي ببعض عبارات الحاج السيد محسن الحكيم رحمه الله (بالطبع بصيغة قال بعض أو قال بعض معاصرينا من غير أن يذكر مستمسك العروة) ويؤيد حق المطلب من خلال تحليله لكلامه ، وردّه بشكل جيد جدا . ولكنه في نفس الوقت كان يحضر في بعض مجالس آية الله الحاج السيد محسن الحكيم ، وإذا ما جاء أحد ما من بغداد (كممثل أو وزير أو محافظ) وطلب من المرحوم السيد محسن الحكيم إذنا بالحضور أو كان له سؤال أو استفتاء ، فكان الشيخ الحلي يذهب ويجلس في ذلك المجلس ويستمع إلى كلامه ويحلّ مسألته ويجيب عليها كأي شخص عادي جدا . وهذه عبارته التي قالها في أحد دروسه قبل أن يصبح المرحوم السيد أبو الحسن الاصفهاني مرجعا ورئيسا : "كنا قد اتفقنا مع أصدقائنا على أن لا نسمح بصيرورته مرجعا لأنه لا يليق للقيادة الاسلامية ، ولكن بعد أن أصبح السيد أبو الحسن رئيسا جمعت كل الأصدقاء وطلبت منهم التوقف عن إثارة الأمر لأن مخالفة السيد أبي الحسن اليوم هي معارضة لجعفر بن محمد (عليهما السلام)". وقد كان ملتزما بهذا الأمر عمليا ، وهذا يعني أنه رحمه الله كان يملك قلبا متواضعا بالنسبة لكل شخص ينال موقعا ورئاسة ويصبح شخصا بارزا في الإسلام ، وكان يخدمه عمليّا أيضا ، ولكن قبل أن يصير ذلك الشخص رذيسا لم يكن الأمر بهذا النحو . ولقد كان والد الشيخ حسين يقيم صلاة الجماعة في الصحن المطهّر لأمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف ، وبعد وفاته انتقلت الجماعة إليه رحمة الله عليه ، لكنّه قدّم أستاذه آية الله النائيني ، وبعد المرحوم النائيني ومع أنه كان أفضل تلامذته لكنّه لم يقبل بإقامة الصلاة مكانه ، فقام يذلك آية الله الحاج السيد محسن الحكيم ، وأبى الشيخ حسين الحلي القيام بهذا العمل ، وكان يقول مرارا : إن شغلي هو التدريس فقط ، فأنا طالب علم ، فلم يُفتِ ولم ينشر رسالة عملية ،  ولم يتصدّ لإمامة الجماعة . وأما في مجال الدرس والتحقيقات فكان له الباع الطويل في ذلك ، ومهما قلتم فهو قليل في حقّه. لقد كان يملك مقدار صندوق كامل من التقريرات والتحقيقات والكتب المستقلّة في الفقه والأصول . لقد تحدّث حول الاجتهاد والدقّة التي تمتّع بها كبار العلماء ، وإلى أي حدّ كانوا يجتنبون عن الفتوى ولا يجعلون أنفسهم في معرض الإفتاء ، وكم كانوا يخافون من الله العلي الأعلى ، إلا أنهم يمتنعون من الفتوى ، وهذا من متطلبات شزة تقواهم ، فقال: إن بعض الاحتياطات الموجودة في الرسالة العملية بنحو الاحتياط الوجوبي هي في الأساس احتياط استحبابي ، ولكن بما أن ذلك المجتهد صاحب الرسالة يريد الامتناع عن إظهار الفتوى ولا يريد تحمّل مسؤولية عمل الناس فلذا يبيّن المسألة بنحو الأحوط الوجوبي ، لكي يرجع الناس إلى شخص آخر ، ويخرج نفسه بهذا عن تحمّل المسؤولية . ثم قال أستاذنا المرحوم النائيني قدّس الله نفسه في إحدى المرات على منبر التدريس: "يا أيها الطلاب ، لقد جاء المرحوم الحاج الملا علي الكني إلى طهران (وهو صاحب الكتاب "القضاء" النفيس ، وكان معاصرا للشيخ الأنصاري ، ومن أعلام الطلاب ، وربما كان قرينا للشيخ الأنصاري ، وكان العالم والمجتهد الأول في طهران ، ومن أراد الاطلاع على علميته فليلاحظ كتابه "القضاء" فهو كتاب معروف) ، وكان جميع علماء طهران خاضعين ومسلّمين له ومذعنين بأعلميته ، فجاءوا إليه وطلبوا منه أن يتصدّى لأمور الناس لكي يرجع إليه الناس في أمر القضاء والمرافعات ويبدي نظره ويقوم بفضل الخصومات". قال الأستاذ : "فأجاب المرحوم الحاج الملا علي الكني قائلا : إني لا أقوم بهذا العمل لأني أشك في اجتهادي!! إلى أن أتاه خمسون شخصا من مجتهدي طهران والنواحي الأخرى - ممن يراهم مجتهدين - وشهدوا باجتهاده ، فعندها قبل الاقتراح . أما أنتم أيها الجالسون والحاضرون في مجلس الدرس فلو جاءكم خمسون شخصا من المجتهدين وشهدوا بأنكم لستم مجتهدين فلن تقبلوا ذلك وتدّعون الاجتهاد رغم ذلك!!". رابط صورة الشيخ حسين الحلي قدس سره http://www.al-shia.org/html/ara/others/?mod=monasebat&id=204 رابط صورة الملا علي الكني http://www.ahadith.ir/fa/gallery/category/34-mola-ali-kani.html