تعريب لخطاب الشيخ الوحيد الخراساني في شهادة الزهراء (ع)

تعريب لخطاب زعيم الحوزة العلمية في قم المقدسة الشيخ الوحيد الخراساني حفظه الله بتاريخ ٢٧ جمادى الأولى ١٤٣٤ بمناسبة شهادة الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلامالحمدلله رب العالمین وصلی الله علی سیدنا محمد وآله الطاهرین سیما بقیة الله في الأرضین واللعن علی أعدائهم إلی یوم الدین. انتهى البحث إلى رأي الشيخ ، ولكن حيث أن  الفاطمية أمامنا فإن الأهم في هذا اليوم هو تناول هذا الموضوع. في الرتبة الأولى يجب أن نحقق في أنفسنا المعرفة لكي نتمكن من تعريف الناس بالحقيقة. والصديقة الكبرى (عليها السلام) كما هو وارد في عنوانها توصف بالمجهولة قدرا. إن جهالة القدر (المنزلة) هذه ليست لجماعة (وفئة) دون أخرى، فالجهل تارة يسند (وينسب) إلى الجاهل ، وبطبيعة الحال فإنه  يتعدد ، وتارة يكون طرف الإسناد مجهولا (في نفسه) وكما هو في وصفها: المجهولة قدرا. لذا فعامة الناس إلا أخص الخواص محرومون من هذه المعرفة ، أما عن كنه معرفتها فالكل محروم منه لأن الخلق فطموا عن معرفتها ، فمطلق الخلق مفطومون عن تلك المعرفة. ولو كنا نعرفها لما وقع ذلك القصور والتقصير في حقها. إن كل شخص تكون معرفته في أمرين: المبدأ والمنتهى. إن الروايات في مبدأ ومنتهى الصديقة الكبرى (عليها السلام) لا تحتاج إلى الإسناد لأنها في حد التواتر الإجمالي ، مضافا إلى أن فيها الصحاح والموثقات عن منابع العصمة (عليهم السلام). إن بحث مبدأ خلقتها (ع) ومنتهاه عند {وبرزوا لله الواحد القهار} (إبراهيم: 48)  لهو أمر موجب للبهت (والحيرة)، ونحن نكتفي برواية واحدة نقلها الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه في معاني الأخبار (الصفخة 396). والعمدة هو دراية هذه الرواية وفقه هذا الحديث. الحديث مشتمل (متضمن) لمبدأ خلقة تلك السيدة (ع) ومنتهى أمرها، وينبغي أن يقرأ متن الحديث. عن أبي عبدالله، عن آبائه علیهم السلام، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: خلق نور فاطمة قبل أن يخلق الأرض والسماء ، فهذا هو مبدأ الخلقة، وهي متقدمة على خلق جميع السماوات والأرضين والمجرات والثوابت والسيّارات، فخلقة هذه القديسة عالم (مستقل في ذاته)، فما هو جوهر وجودها؟ خلق نور فاطمة قبل أن يخلق الأرض والسماء . وما هو مقدار تلك القبلية؟ لا یعلم ذلك إلا هو (سبحانه وتعالي). فقال بعض الناس : يا نبي الله! فليست هي إنسية ؟  لقد طُرح هذا السؤال: لو كانت خلقتها متقدمة على خلق عالم المادة كله ، فهذا المخلوق ليس إنسيا، ولايكون إنسانا، ويجب أن يكون من جوهر آخر،... فقال بعض الناس : يا نبي الله! فليست هي إنسية ؟ فقال : فاطمة حوراء إنسية ؛ جواب النبي (ص) إن صورتها (ع) صورة إنسان، ولكن من جهة سيرتها وباطن وجودها فهي حوراء ، فهي كائنة في مرحلة التقدس (والتنزه والتطهر) عن جميع عوارض هذا العالم. قالوا : يا نبي الله! وكيف هي حوراء إنسية ؟ لقد طرح سؤال آخر: كيف هي حوراء إنسية؟ لقد تغير التعبير هنا، والعمدة هنا وما يحير العقول هو الآتي: لقد كانت مجهولة في البداية، خلق (مبني للمجهول) نور فاطمه، ولكنها هنا صارت معلومة، إن النكتة المهمة في بيان النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) هي هنا: قال : خلقها الله عز وجل من نوره ، - وهنا يحتار الكمّل – لقد خلقها الله عز وجل من نور ذاته القدوس، من يفهم هذا المقطع هو من يفهم سورة النور، حين يفهم قوله (سبحانه وتعالى):  {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} (النور: 35) لقر فُسِّرت المشكاة بالصديقة الكبرى (عليها السلام) ، فلقد خلقها من نوره قبل خلق آدم (عليه السلام). فلما خلق الله عز وجل آدم عرضت على آدم – إن لهذا القرآن بطونا-  {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة: 31) –عرضت على آدم . قيل: يا نبي الله! وأين كانت فاطمة ؟ إن هذه الأسئلة تكشف عن إدراك السائلين، فعندما تكون خلقتها قبل السماوات والأرض ، فأين إذن كان مكانها وأين كانت فاطمة ؟ قال : كانت في حقة تحت ساق العرش؛ فهذا كان مكانها وموضعها. ثم تمّ توجيه سؤال آخر .... وهذه الأسئلة تكشف عن أسرار، قالوا :يا نبي الله! فما كان طعامها ؟ قال: التسبيح والتقديس والتهليل والتحميد . لقد كان قوتها هذه الأمور الأربعة: تسبيح الله (عز وجل)، وتقديس الله (سبحانه وتعالى)، والفرق بين التسبيح والتقديس عميق جدا، ومن بعدهما: تهليل الله (عز وجل)، وفي نهاية الأمر: التحميد، ذلك هو المكان! وهذا هو الطعام! فلما خلق الله عز وجل آدم وأخرجني من صلبه وأحب الله عز وجل أن يخرجها من صلبي؛ فما كان محبوبا له سبحانه هو أن يخرج هذا النور من صلبي، جعلها تفاحة ، وهي كلها منتسبة إلى الله سبحانه وتعالى بلا واسطة، جعلها تفاحة في الجنة وأتاني بها جبرئيل فقال لي: السلام عليك ورحمة الله و بركاته... يا محمد! إن ربك ... إن ربك يقرئك السلام؛ قلت : منه السلام وإليه يعود السلام ، قال : يا محمد! إن هذه تفاحة – هذا هو التعبير ، وللعبارات إشارات، والهدایا علی مقدار مهدیها. ثم التعبير التالي لم يكن ب‍: "يا رسول الله" ، بل كان باسم الخطاب، بذلك الاسم الخاص، وذلك لأن طرفه (جهة صدوره) هو ذات القدوس (سبحانه وتعالى) وجبرائيل هو المبلّغ:  إن هذه تفاحة أهداها الله عز وجل إليك من الجنة ؛ وماذا تعني هذه العبارة؟ إنها تعني أن أحدا لم يكن لائقا سواك لها ، ناهيك أن الله تعالى أعطاك إياها بعنوان الهدية. فمن تكون هدية من الله (سبحانه وتعالى) إلى خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) فهل لدينا نحن قدرة (صلاحية واستعدادا) لإدراك عظمتها؟! فأخذتها وضممتها إلى صدري ، وهذه ردة فعل النبي (صلى الله عليه وآله) حينما كانت الهدية من الله (سبحانه وتعالى) قال : يا محمد! يقول الله جل جلاله: كلها ؛ ففلقتها ؛ ...  وهنا يحتار عقل كل حكيم بل عقل من هو فوق الحكماء ، فمن بلغ في ليلة المعراج إلى مقام {دَنَا فَتَدَلَّى} ( النجم: 8)،ومن بلغ إلى مقام {فأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} (النجم: 10) ، عندما شاهد النور قال: فزعت ، فأي نور كان هذا النور؟ فرأيت نورا ساطعا وفزعت منه فقال: ومرة أخرى ناداه باسم الخطاب: ما لك لا تأكل، كلها ولا تخف؛ فإن ذلك النور – لا وقت لدينا الآن، وإن شاء الله في فرصة أخرى يجب أن تتضح هذه التتمة (الفقرة) -للمنصورة في السماء وهي في الأرض فاطمة، فهما اسمان لها (من الله عز وجل) في الأرض والسماء. قلت: إن المطلب من العمق إلى حد يسأل فيه نفس النبي (صلى الله عليه وآله) وهو الذي قال الله عز وجل فيه: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113) – يسأل ربه: لم سميت في السماء المنصورة وفي الأرض فاطمة؟ فما هو وجه هذين الاسمين؟ فتلك هي أسئلة الأصحاب؟ أما السائل هنا فهو نفس النبي (صلى الله عليه وآله) قال : سميت في الأرض فاطمة لأنها فطمت شيعتها من النار وفطم أعداؤها عن حبها. هذا هو سر اسمها الأرضي، أما سر اسمها السماوي فهو مبيّن لمنتهى هذا المبدأ. قلنا: إن المعرفة تكون بالمبدأ والمنتهى، والمبدأ هو نور الله ، فما هو المنتهي؟ وهي في السماء المنصورة وذلك قول الله عز وجل: {ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ} فخلاصة نصر الله قد ظهر في فاطمة الزهراء (عليها السلام)  وذلك قول الله عز وجل: {ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ} (الروم: 3-4) . فالمبدأ قد كان نور الله ، أما المنتهى فهو ذلك الشخص الذي شخصت إليه أعين جميع الأنبياء والأولياء في القيامة الكبرى لكي يظهر ذلك النصر الإلهي. إنها الجوهرة التي قضينا عمرنا في التقصير تجاهها. إن هذا البلد الذي عرف بعنوان بلد الشيعة ، يجب أن ينهض (ويقوم) في يوم شهادتها بما يتناسب مع مقامها. فأي مقام مقامها؟ ففي هذا الموضع يكون اللسان عاجزا عن مثلها؟ ومن كان عارفا بها عندما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن. في المائتين واثنين من كلماته (عليه السلام) في نهج البلاغة ، عندما وارى نور الله في التراب ببدن معذّب وضلع مكسور فلم يجد أحدا يخاطبه، فالتفت إلى القبر وقال: السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك؛ ثم قال جملة ليس لها سابق ولا لاحق في تاريخ حياته، قال: قلّ يا رسول الله... قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري؛ لقد انتهى صبري بجوار هذا القبر، ورقّ عنها تجلدي ، ويجب أن نعرف عظمة المصيبة ومبلغها من قلب هذا الرجل الأوحدي في العالم. وبعد أن قال هذه الكلمات قال: يا رسول الله ، لقد رأيت فراقك ، ووضعتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، وبعد تلك المصيبة ابتليت بهذه المصيبة، ولكنه لم يخبر عنها، فقط قال كلمتين، واسعوا في هذه الأيام بكل وسعكم في إحياء أمر الصديقة الكبرى (عليها السلام) ولا تتخلفوا عن نيل هذا الفيض العظيم. انتشروا في البلاد ، وقولوا بعد ذلك للناس: إنها المصيبة التي أحزنت قلب "عالم الإمكان" بهذا النحو، فما هي وظيفتنا؟ قال: يا رسول الله،  واستخبرها الحال؛ فاسأل ابنتك بنفسك عن حالها. أما الجملة التي لا يمكن ذكرها فهي: فأحفها السؤال ، فالإحفاء هو الاستقصاء في السوآل، فماذا كان؟ وماذا جرى؟ وماذا تحمّلت وتكبّدت؟ وأمير المؤمنين (عليه السلام) يخاطب النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) ويطلب منه : یا رسول الله! فأحفها السؤال ، فماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن فاطمة (عليها السلام) لم تخبرني ، رحلت وأخذت كل ما جرى معها ، فلذا استخبر منها واستعلم منها ما جرى عليها . فعندما رحلت من الدنيا كانت بتلك السلامة (في البدن)، ولكن عند حولت لك تلك الوديعة كانت شبحا كالخيال .... ملاحظة: ما بين القوسين عبارات زائدة مني ذكرتها لمزيد من التوضيح.