من عبق المرجعية

المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم في بداية درسه للبحث الخارج في النجف الأشرف يوم الأربعاء 30 شوال 1435ه‍ وبمناسبة بدء العام الدراسي الجديد تحدث في كلمة أبوية توجيهية عن التوازن بين طلب العلم والجهاد، وهو كلام مفيد لعموم المؤمنين ولطلاب العلوم الدينية خاصة. ولا أريد هنا أن أعلق بأكثر من المنقول هنا عن سماحته حفظه الله ففيه الكفاية ، ولكنني أريد التأكيد على أمر طالما ركزت عليه في خطبي، وهو الاهتمام بموقع المرجعية والحوزة. إن مرجعيتنا المقبولة في الحوزة وبفضل الله وبحمده حينما تنظر إلى الأمور فإن نظرتها تكون بعيدة الغور وشاملة وناظرة لمختلف الجهات، وأهم ما يهمها في أي أمر ما يحقق حفظ الدين ، وحراسة الثغر الذي يخشى على الدين منه، وأما الجانب الشخصي فهذا خارج عن دائرة اهتمامها، وهي قد أثبتت عملا أنها لا تتعامل بما يسعى بعض المغرضين لاتهامها والطعن فيها، فلا هي مبتلاة بكاريزما ولا تفكرا أبدا بالظهور والبروز وأن تسجل الأفعال بأسمائها، ولا تجد فيها إلا نكران الذات. أنقل هنا كلام المرجع السيد محمد سعيد الحكيم حفظه الله مما تلقيته من عدة من أهل العلم والفضل من أصدقائي ممن كان حاضرا لدرس سماحته، مع شكري الجزيل لهم لما بذلوه لي من وقت لنقل هذا الحديث الشيق. قال سماحته: إن إصراري على ابتداء الدرس بعد شهادة الإمام الصادق (ع) لا يعني أنني لا أرى أهمية للجانب الجهادي ، بل لا بد من الموازنة بين الأمرين (الدرس والجهاد) ، ولا ريب أن الجانب الجهادي والدفاع لحفظ الدماء والأعراض في ظرفنا الحالي أهم من الدرس عند تحقق التزاحم ، وسواء كان الإنسان في هذا الجانب يدافع بنفسه أو يدعم المدافعين، وقد لمسنا أثر ذلك في رفع المعنويات وتجنب وقوع الكارثة والانهيار . فمن يجد في نفسه القدرة على أداء الواجب فهو مكلف بذلك،  ومن عنده نشاط من دفاع أو دعم أو رفع للمعنويات فهذا يبقى على نشاطه وليس عليه حضور الدرس، أما الذي لا يجد في نفسه القدرة والنشاط وكذا الذي يتمكن من الجمع بين الجهاد والدرس فلا ينبغي له أن يهمل درسه، وعليه حضور الدرس . إن قوة مذهبنا والقوة التي يمتلكها مراجع التشيع – والتي ظهرت في الفتوى الأخيرة - منشؤها هو الدرس والمواظبة عليه، فالدرس من أهم الأشياء عندنا، وله أولوية، وهو لا يعطل الجهاد ، وأنتم تنظرون كيف أن فتوى واحدة بدلت الوضع. واستشهد سماحة السيد الحكيم لإثبات أهمية الدرس بقصتين نقلهما عن سماحة السيد علي السبزواري حفظه الله نقلا عن الده المرجع السيد عبد الأعلى السبزواري رضوان الله عليه. القصة الأولى : نقلها المرجع السبزواري عن مرجع الطائفة السيد أبو الحسن الاصفهاني عن أستاذه المرجع الآخوند الخراساني رضوان الله عليهم. فالآخوند الخراساني كان متصديا لقضية المشروطة ، وكان متبنيا لها ، لكنه كان يصرح بأنه حريص على أن يجنب طلابه الانشغال بهذا الشأن ، ومنعهم حتى من قراءة الجرائد لضمان عدم انشغالهم بالسياسة عن الدرس ، وكان يقول : يكفي أني انشغلت بذلك ، ولا داعي لإشغال الآخرين. والقصة الثانية: عن المرجع السيد محسن الحكيم رضوان الله عليه. ففي أيام المد الشيوعي في العراق ، أصدر فتواه المعروفة ، وفي تلك الفترة زاره المرجع السيد عبد الأعلى السبزواري ، وكان يقول: عجبا لهذا السيد ، إنه يفكر في كل شيء. فالسيد الحكيم قال: أنا أتمنى لو أجد مكانا أبعد فيه الحوزة عن هذه المعمعة ، لتهتم بدرسها، وأنا أهتم بمحاربة الشيوعية. إن من الضروري أن تتحقق حالة التوازن بين الجهاد والدرس، وهو ما تشير إليه الآية المباركة: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (التوبة: 122) ، وبما أن سماحة السيد السيستاني قد تحمل سد الخلة بفتواه الجهاد فعلينا مواصلة الدرس لسد الخلة في هذا الجانب.