شبهات وتأملات في آية إطاعة أولي الأمر

هناك شبهة أثيرت أخيرا في بعض الفضائيات والمنتديات الحوارية على شبكة الانترنت حول دلالة قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (النساء/59)، وخلاصة هذه الشبهة أن الشيعة تقول بأنه يجب على الناس الرجوع إلى أئمة أهل البيت (ع) في الأحكام الشرعية باعتبارهم أولي الأمر فإذا كان الأمر كذلك فلماذا اقتصرت الآية المباركة في الرجوع إلى الله عز وجل أي كتاب الله القرآن الكريم وإلى الرسول (ص) أي سنته الشريفة ولم تطلب من المسلمين الرد إلى أهل البيت (ع) فيما يتنازعون فيه؟ وهذا يعني بحسب زعم مثير الاعتراض أن أهل البيت ليست لهم أي مرجعية دينية وأنه يجب أن يقارن قولهم بما جاء في الكتاب والسنة (من أي طريق وصلت إلينا ولو من غير طريقهم) فإن وافق قولهم الكتاب والسنة فيؤخذ به وإلا فيترك. وقد يظن البعض ممن لا معرفة لديه بما جاء في المصادر السابقة أن هذا الاعتراض سيربك الشيعة الإمامية وهو غافل عن أن هذا الاعتراض قد تمت مناقشته والإجابة عنه قبل مئات السنين في الكتب الكلامية والتفسيرية لعلماء الشيعة رضوان الله عليهم. وقبل عرض الإجابة يحسن التعرف قليلا على ما جاء في الآية من أقوال وأحاديث. [t]أقوال المفسرين في أولي الأمر[/t] اختلف المفسرون في المقصود من أولي الأمر في الآية المباركة، وقد نقل العيني في شرح صحيح البخاري من الأقوال أحد عشر قولا (عمدة القاري ج18 ص176)، أما النووي فقال في شرحه لصحيح مسلم: "قال العلماء: المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل: هو العلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما من قال الصحابة خاصة فقط فقد أخطأ". (شرح صحيح مسلم ج12 ص223، وللمزيد راجع: سنن الدارمي ج1 ص72، المستدرك للحاكم ج1 ص123، فتح الباري ج13 ص99، تفسير الطبري ج4 ص150 – 153، ومجمع البيان ج3 ص100) أما العلماء والمفسرون الشيعة فقد اتفقت الكلمة على إرادة أئمة أهل البيت (ع) من الآية المباركة، تبعا لما جاء عنهم. [t]الروايات والمقصود من أولي الأمر[/t] أما من جهة الروايات، فمن طريق أهل السنة روى البخاري ومسلم في الصحيحين وأبو داود في سننه وغيرهم نزول الآية في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي حين أرسله النبي (ص) في سرية. (صحيح البخاري ج5 ص180، صحيح مسلم ج6 ص13، سنن أبي داود ج1 ص591) قال القرطبي في تفصيل ذلك: "قال أبو عمر: [h]وكان في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة، ومن دعابته أن رسول الله (ص) أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله بطاعتي؟ وقال: من أطاع أميري فقد أطاعني، فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار، فصوب رسول الله (ص) فعلهم وقال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال الله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم[/h] (النساء/29)، وهو حديث صحيح الإسناد مشهور". (الجامع لأحكام القرآن ج5 ص168، وللمزيد راجع: صحيح البخاري ج5 ص107، سنن ابن ماجة ج2 ص955، مسند أحمد ج3 ص67) أما الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) فهي متواترة في أن أولي الأمر واجبي الطاعة هم الأئمة من أهل البيت (ع) ، وفيها الكثير من الروايات الصحيحة المعتبرة، ومن تلك الروايات الصحيحة: 1 – ما رواه الكليني بسند صحيح عن الحسين بن أبي العلاء قال: [h]ذكرت لأبي عبد الله (ع) قولنا في الأوصياء أن طاعتهم مفترضة، قال: فقال: نعم، هم الذين قال الله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، وهم الذين قال الله عز وجل: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا[/h] . (الكافي ج1 ص187) 2 – ما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي بصير قال: [h]سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عز وجل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (ع). [/h](الكافي ج1 ص286 ح1) 3 – ما رواه الصدوق بسند صحيح عن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر (ع) في قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، قال: [h]الأئمة من ولد علي وفاطمة عليهما السلام إلى أن تقوم الساعة[/h]. (كمال الدين ص222 ح8) وللمزيد راجع: الكافي ج1 ص189 ح16 وص276 ح1 وص295 ح3، وج2 ص20 ح6 وص415 ح1 وص513 ح1 (بسند صحيح)، أمالي الصدوق ص617 و624 المجلس79 ح1 (بسند معتبر عند جمع من علمائنا)، والخصال ص479 ح46، وعلل الشرائع ج1 ص124 ح1، وعيون أخبار الرضا ج1 ص139 ح14، وكمال الدين ص253 ح3 وص276 ح25 (بسند معتبر عند بعض علمائنا) وص285 ح37 وص319 ح2، ومعاني الأخبار ص394 ح45. [t] الآية وإفادة العصمة؟ [/t] وإذا ما تبينت الأقوال والروايات فإن الإجابة التفصيلية عن الشبهة السابقة يتم من خلال النقاط التالية: النقطة الأولى: إن الآية المباركة جعلت الأمر بالطاعة لله ورسوله وأولي الأمر مطلقا من دون أي قيد أو شرط، وجعلت حكم الرسول وأولي الأمر في وجوب الطاعة واحدا، من دون أي تمييز بينهما. قال الطبرسي (من أعلام القرن السادس): " أوجب الله طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته وطاعة رسوله (ص)، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته وعلم أن باطنه كظاهره، وأمن من الغلط والأمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في الأمراء ولا العلماء سواهم، جل الله سبحانه أن يأمر بطاعة من يعصيه أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لأنه محال أن يطاع المختلفون كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. ومما يدل على ذلك أيضا أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسوله بطاعته إلا وأولو الأمر فوق الخلق جميعا، كما أن الرسول فوق أولي الأمر وفوق سائر الخلق، وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد (ص) الذين ثبتت إمامتهم وعصمتهم واتفقت الأمة على علو رتبتهم وعدالتهم". (مجمع البيان ج3 ص100، وراجع أيضا الميزان في تفسير القرآن ج4 ص389) إذن الآية تفيد العصمة من الذنب والخطأ لأنها تأمر بالطاعة بشكل مطلق ودائم، ولا يجوز طاعة غير المعصوم بشكل دائم. [t] هل الحديث يقيد الطاعة المطلقة؟[/t] النقطة الثانية: هناك اعتراض وجه على النقطة السابقة، حيث يقول المعترض: إن هناك حديثا قد ورد عن النبي (ص) واتفق الشيعة والسنة على مضمونه يقول فيه: [h]لا طاعة لمخلوق في معصية الله أو الخالق[/h]. (من لا يحضره الفقيه ج4 ص381، مسند أحمد ج1 ص131 و409 وج5 ص66، ومجمع الزوائد ج5 ص226 وج9 ص177) وبهذا الحديث نقيد طاعة أولي الأمر فقط لاتفاق المسلمين على عدم دعوة النبي (ص) الناس إلى المعصية، فيكون معنى الآية: أطيعوا الله بشكل مطلق وأطيعوا الرسول بشكل مطلق وأطيعوا أولي الأمر إذا لم يأمروكم بمعصية. والجواب إن الحديث وإن صح مضمونا ولكن تطبيقه على أولي الأمر في الآية أول الكلام، فنحن لا ننكر أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولكن من الواضح أنه ليس المقصود أي مخلوق بل المخلوق الذي يصدر منه الذنب، والخصم يعترف أن النبي (ص) ليس ذلك المخلوق الذي يصدر منه الذنب ويدعو إلى المعصية، وإنما الكلام في أن أولي الأمر في الآية (أيا كان المراد منهم) هل يصدر منهم الذنب ويدعون إلى المعصية؟ ونحن نقول أن الآية الكريمة تدل على أن أولي الأمر أيضا لا يأمرون بالمعصية لأن الأمر بالطاعة في الآية غير مقيد، والحديث النبوي لم يقل أن أولي الأمر ممن يدعون إلى المعصية لكي نقيد الآية بالحديث. كما أنه لا توجد أي آية قرآنية تقيد إطاعة أولي الأمر المقصودين في الآية فيما لو أمروا بالطاعة دون المعصية، بينما نجد القرآن الكريم يقيد في مواضع أخرى طاعة بعض الأفراد بعدم الدعوة إلى الذنب، قال تعالى: وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما(العنكبوت/8)، فلماذا لم يظهر القرآن أي قيد في مثل هذا الأمر العظيم والذي تتوقف إدارة أمور الناس وسعادتهم عليه؟!! لأن ولاية الأمر تفيد تولي ما يرتبط بالمؤمنين في شؤونهم العامة. وبناء على ما فات فإن محاولة تقييد الآية بقيد عدم دعوة أولي الأمر إلى المعصية أو عدم ارتكابهم للخطأ في غير محله، فالآية لم تقل أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ما داموا لم يأمروا بالمعصية أو لم تعلموا منهم الخطأ بل هي مطلقة، وفي الآية جمع فيها بين الرسول وأولي الأمر بواو العطف، ومن المعلوم أن واو العطف تفيد الاشتراك في الحكم من دون إفادة لأي تقدم أو تأخير للمعطوف والمعطوف عليه، وهذا يعني أن الرسول وأولي الأمر لا يأمرون بشيء ولا ينهون عن شيء يكون مخالفا لحكم الله تعالى، وهذا لا يتحقق إلا بعصمتهم من الذنب والخطأ. ومما يشهد على أن حديث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق يراد به غير النبي (ص) وغير الأئمة من أهل البيت (ع) من سلاطين الجور ما رواه الشيخ الصدوق بسند صحيح عند جمع من علمائنا ( في أبان بن أبي عياش ) عن أمير المؤمنين (ع) قال: [h]احذروا على دينكم ثلاثة: ......، ورجلا آتاه الله سلطانا فزعم أن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وكذب لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لا ينبغي للمخلوق أن يكون حبه لمعصية الله، فلا طاعة في معصيته ، ولا طاعة لمن عصى الله، إنما الطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر، وإنما أمر الله عز وجل بطاعة الرسول لأنه معصوم مطهر لا يأمر بمعصيته، وإنما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصيته[/h]. (الخصال ص139 ح158) [t] طاعة أمير المؤمنين (ع) باسمه الشريف[/t] النقطة الثالثة: هناك بعض الأحاديث يأمر فيها النبي (ص) بطاعة أمير المؤمنين (ع) على وجه التحديد، وفيها تأكيد على أن أمير المؤمنين (ع) الشخص الوحيد الذي حظي بموقع الإطاعة من دون قيد أو شرط، وهو موقع متوافق مع موقع أولي الأمر في القرآن الكريم. فقد روى الحاكم النيشابوري عن أبي ذر الغفاري رضوان الله عليه، أن رسول الله (ص) قال: [h]من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن عصى عليا فقد عصاني[/h]. قال الحاكم" "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في التلخيص فقال: صحيح. (المستدرك على الصحيحين ج3 ص121) ولم يرد في حق أي واحد من الصحابة ما ورد في حق أمير المؤمنين (ع) من أن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله. نعم هناك أحاديث جاءت من طرق أهل السنة تقول من أطاع الأمير أو الإمام فقد أطاعني، ولكنها أحاديث على فرض صدورها عامة لم يتبين المقصود منها، ويحتمل أن يكون المقصود بها الخلفاء الاثني عشر من أهل البيت (ع) دون غيرهم. [t] لم يقل أحد من غير الشيعة بعصمة أئمتهم[/t] النقطة الرابعة: مما يعزز ما تذهب إليه الشيعة الإمامية دون غيرهم في المقصود من أولي الأمر في الآية الكريمة أنه لم يقل أحد من المسلمين بأن أولي الأمر معصومون سوى الشيعة الإمامية، فهم الوحيدون الذين قالوا بعصمة الأئمة من أهل البيت (ع)، وبغض النظر عن دلالة أدلة أخرى كثيرة على عصمة أهل البيت (ع) كآية التطهير وغيرها، فإن انحصار تطبيق معنى الآية في قول الشيعة يظهر بطلان الأقوال الأخرى، وهذا نظير انطباق حديث الخلفاء الاثني عشر من قريش بما ذكر لهم من مواصفات في الأحاديث على خصوص أئمة أهل البيت (ع) دون سواهم. [t]لماذا لم تتكرر كلمة (أطيعوا) في أولي الأمر؟ [/t] النقطة الخامسة: أثار شرف الدين الطيبي المتوفى سنة743هـ وهو من علماء أهل السنة اعتراضا على الآية فقال: "أعاد الفعل في قوله: وأطيعوا الرسول إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته". (فتح الباري ج13 ص99) والجواب: أولا: إن الواو تفيد العطف وهو يقتضي الاشتراك في الحكم وفقا لضوابط اللغة العربية، وبما أن الأمر بالطاعة للنبي (ص) لم يكن مقيدا فكذلك بالنسبة إلى أولي الأمر. وثانيا: قال النباطي العاملي المتوفى سنة 877هـ: "عدم تكرير أطيعوا لا يدل على عدم عموم الطاعة وإلا لدل في حق الرسول فإنه تعالى قال في موضع آخر: أطيعوا الله ورسوله (الأنفال/1) فلم يجب طاعته في كل شيء وهو باطل بالإجماع. إن قيل: فهذه وإن لم تدل على عموم الطاعة لكن الأولى (أي آية سورة النساء) دلت فبها عمت (أي بسببها صارت الطاعة في الرسول عامة وغير مشروطة). قلنا: الآية الخالية من التكرير سواء تقدمت على هذه أو تأخرت لزم منها تبعيض طاعة الرسول في بعض الأوقات وهو باطل بالإجماع". (الصراط المستقيم ج1 ص254) وثالثا: إن هناك نكتة في انفراد الله سبحانه وتعالى بالإطاعة ثم جمع النبي (ص) وأولي الأمر بإطاعة أخرى، وهي أن الله سبحانه وتعالى واجب الإطاعة بالاستقلال، أما الرسول وأولي الأمر فتجب طاعتهم بالإضافة إلى الله سبحانه وتعالى، أي من حيث أن طاعتهم طاعة الله عز وجل. كما أن هناك نكتة أخرى وهي أن اقتران النبي (ص) وأولي الأمر في الآية بأمر إطاعة جديد من جهة القرب الواقع بينهما مما يقتضي دمجهما معا في عبارة جديدة. [t] تفسير أولي الأمر بمطلق الولاة باطل[/t] النقطة السادسة: هناك الكثير من الاعتراضات المتوجهة على ما ذهب إليه أغلب أهل السنة من أن المقصود بالآية هم الأمراء والولاة، وتلك الاعتراضات تفند ما ذهبوا إليه، وأكتفي ببعض ما ذكره المقدس الأردبيلي المتوفى سنة 993هـ حول الآية، قال (قدس سره): "وفي أولي الأمر خلاف، قيل: العلماء والمجتهدون، وقيل: أمراء المسلمين والحكام وإن كانوا جائرين، وذلك هو المشهور بين أهل السنة، فهم يوجبون طاعة حكام الجور وإن كانوا فساقا غير عدول، بل يكونون في غاية الفسق والفجور، ولا يشترطون غير الإسلام كما يوجبون طاعة الله وطاعة رسوله. وفيه نظر واضح، وفساده ظاهر، كيف يأمر الله بطاعة الفساق ويجعل طاعتهم مثل طاعة الله وطاعة رسوله، مع أنه أمر أولا بأداء الأمانة والحكم بالعدل، والمباينة الكلية بينهم وبين الله ورسوله .... وأوجب مهاجرتهم في الآيات والأخبار والإجماع، وتوعد الظالم نار جهنم، وذمه كثيرا حتى قليلا ما يوجد في المصحف الشريف صفحة خالية عنه، ويبالغ في ذلك حتى جعل الميل القليل إليه موجبا لمس النار بقوله: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ، مع اشتراط العصمة في الأنبياء حال النبوة والعدالة في الشهود والحاكم والمفتي في مسألة واحدة، بل في إمام الجماعة كما صرح به في الكشاف في تفسير قوله تعالى: إني جاعلك للناس إماما الآية. ولأن حكام الجور كثيرون فقد يختلفون، فمتابعة أيهم يجب؟! ولأنه يجب على الرعية منعهم إذا ارتكبوا منكرا وتركوا معروفا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف تجب متابعتهم؟! ولأن الذين يأمرون به إن كان مما (يجب) أن يؤمر فلا خصوصية لهم به وإلا لم يجب متابعتهم، وهو ظاهر، وبالجملة فساد هذا القول أوضح أن يذكر. قال في الكشاف: "المراد بـ أولي الأمر منكم أمراء الحق، لأن - أمراء الجور – الله ورسوله بريئان منهم فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما، .... إلى قوله: وقد جنح أي جعل له جناح الأمر بطاعة أولي الأمر مما لا يبقى معه شك وهو أن أمرهم أولا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم، وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بالعدل ولا يردون شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، وإنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولي الأمر عند الله وعند رسوله، وأحق أسمائهم اللصوص المتغلبة". وقد بالغ أيضا في ذم حكام الجور وعدم استحقاقهم الحكم، ووجوب الطاعة في مواضع مثل تفسير قوله: لا ينال عهدي الظالمين حتى نقل عن أبي حنيفة أنه قال: لو دعاني ظالم مثل اللص المتغلب المنصور الدوانيقي إلى عد آجر لبناء مسجد أراد بناءه لما أجبته، وهذا (أي عدم إعانة الظالم على بناء المسجد) منقول في التهذيب عن الإمام الصادق (ع)". (زبدة البيان ص861) [t]* من المخاطب في قوله: فإن تنازعتم [/t] النقطة السابعة: ذكر بعض المفسرين كالطبري أن المخاطب في قوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول هم المؤمنون الذين اختلفوا مع ولاة أمرهم. (تفسير الطبري ج4 ص153) وهذا المعنى مما لا يستقيم إذ كيف تأمر الآية المؤمنين بالطاعة لولاة الأمر ثم تفتح للمؤمنين باب النزاع معهم؟! وقد أشار الإمام الباقر (ع) إلى هذا المعنى فيما رواه الكليني بسند صحيح عن بريد بن معاوية قال: [h]تلا أبو جعفر (ع): أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن خفتم تنازعا في الأمر فارجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم، ثم قال: كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم، إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. [/h](الكافي ج8 ص184) كما أن تعليق الأمر بالرد على الإيمان في قوله تعالى: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} تأكيد على أن المخاطبين في قوله: {فإن تنازعتم هم المؤمنون فيما بينهم، وليس المؤمنون وأولي الأمر، فلو جاز في المؤمنين الشك في الإيمان بالله سبحانه وتعالى واليوم الآخر فإن مقام أولي الأمر أرفع من أن يقع عندهم شك في ذلك. ولقد أثار الألوسي في تفسيره شبهة واعتراضا حول المتنازعين ومن ثم تحديد المقصود من أولي الأمر فقال: "واستشكل إرادة العلماء لقوله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فإن الخطاب فيه عام للمؤمنين مطلقا، والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما بعده، والمعنى: فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولي الأمر منكم في أمر من أمور الدين فردوه فراجعوا فيه إلى الله أي إلى كتابه {والرسول} أي إلى سنته، ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي الأمر على الأمراء دون العلماء لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء إذ المراد بهم المجتهدون، والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم". (روح المعاني ج3 ص63) ويجاب عنه بأن هذا الاعتراض مبني على أنه لا يمكن أن يجتمع في أولي الأمر صفتي العلم والقيادة وتدبير الجيوش، إذ مع اجتماعهما لا وجه لمثل هذا الاعتراض إذ يجب عدم منازعة الولاة العلماء، وهو مبني على ما كان معهودا في ولاة الأمر عند أهل السنة من الجهل بالأحكام الإلهية، أما عند أهل البيت (ع) فلا يصح منازعتهم لأنهم أعلم الناس فيما يقومون به من إدارة شؤون المسلمين، فكما لا يصح منازعة النبي (ص) في إدارته للأمور فكذلك الشأن في أهل البيت (ع). [t] آية أداء الأمانة وارتباطها بآية الإطاعة [/t] النقطة الثامنة: إن الآية المباركة المبحوث عنها مسبوقة بآية أخرى لها ارتباط بها وهي قوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا (النساء/58). ففي الآية أمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل، والأمانة وإن كانت أمرا عاما يشمل أشياء كثيرة، ولكن مما لا شك فيه أن الخلافة من أعظم الأمانات الإلهية، ومن ثم يجب على خلفاء الحق أن يعطوا الخلافة لمن هو أهل لها من بعدهم، وهذا ما ورد من طريق أهل البيت عليهم السلام. (معاني الأخبار ص107 ح1، والكافي ج1 ص276 ح2 و3و4) كما جاء في أقوال بعض علماء أهل السنة ما يؤيد الترابط بين الآيتين في مسألة الخلافة والولاية وهذا ما أشار إليه زيد بن أسلم العدوي المدني. (عمدة القاري ج24 ص221) كما أن الواجب على الناس أن يساهموا في أداء الخلافة إلى أهلها باعتبارها من الأمانات وتمكينهم منها. ثم أمرت الآية الناس بعد ذلك الأداء والتمكين من طاعتهم والنزول عند أمرهم في قضاياهم وأمورهم، ومن الواضح أن الناس حينما تختلف في أي شيء من أمور دينها فإنها ترجع إلى الرؤساء في الدين ليبينوا لهم ما يجب فعله أو تركه، وقد نصت الآية على أن أولي الأمر من جملة أولئك الرؤساء الذين يجب طاعتهم عند أمرهم الناس بشيء، ومن ثم يكون الأمر بالإطاعة ملازما للأمر بالرجوع إليهم والرد إليهم. والعجب ممن يقول أننا إذا لم نجد شيئا في الكتاب والسنة فإننا نرجع إلى قول الصحابي أو الإجماع أو القياس ولايقبلون بالرجوع إلى أهل البيت (ع) الذين نزل القرآن في بيوتهم وهم أعرف الناس بما في البيت من القرآن وتفسيره ومن السنة ومعناها؟!! [t]القرآن والرد إلى أولي الأمر[/t] النقطة التاسعة: الآيات القرآنية لا تنفصل عن بعضها إذا ما أردنا فهمها بالشكل الصحيح، وأسلوب تناول القرآن بشكل تقطيعي يراد منه الخروج باستنتاجات مغلوطة تخدم توجها عينا قد اتخذ مسبقا ولا يراد منه الوصول إلى الحقيقة. والإعتراض الذي أورده البعض في إثارة الشبهات حول أهل البيت (ع) وأولي الأمر هو من نفس هذا الباب، إذ أحجم المعترضون عن تناول آية قرآنية صريحة في وجوب الرد إلى أولي الأمر، قال تعالى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (النساء/82). ولقد أورد الطبري في تفسيره عن قتادة وابن جريج أن المقصود من أولي الأمر هم العلماء وأهل الفقه في الدين والعقل. (تفسير الطبري ج4 ص184 طبعة دار الكتب العلمية) وقال الألوسي في المقصود من أولي الأمر في قوله تعالى وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم: "واختلف في المراد منهم، ...... وقيل: المراد بهم أهل العلم، وروى ذلك غير واحد عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد والحسن وعطاء وجماعة، واستدل عليه أبو العالية بقوله تعالى: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (النساء/82) فإن العلماء هم المستنبطون المستخرجون للأحكام، وحمله كثير – وليس ببعيد – على ما يعم الجميع لتناول الاسم لهم، لأن للأمراء تدبير الجيش والقتال، وللعلماء حفظ الشريعة وما يجوز وما لا يجوز". (روح المعاني ج3 ص63-64 طبعة دار الكتب العلمية، وراجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج5 ص169 طبعة دار الكتب العلمية) وهل يوجد في الأمة أعلم في الدين من أهل بيت النبي (ص)؟!! وإذا رجح القرطبي الرأي القائل بأن النظر في سنة النبي (ص) بعد وفاته هو الرأي الصحيح موافقا قول أبي العالية في مقابل من يتوقف ويقول الله ورسوله أعلم كما نسب إلى عمر، فإن أمير المؤنين (ع) وأهل البيت (ع) هم أجدر أفراد الأمة في معرفة الكتاب والسنة، وإن كانوا يمتازون عن الآخرين بأن معرفتهم لا تنشأ من اجتهاد كما هو حاصل عند المجتهدين الذين قد يصيبون أو يخطئون بل تنشأ من إلمام تام بكل الخصوصيات المتلقاة في أمر ما عن طريق ما جاء من الوحي وقول الرسول (ص) مما لا مجال معه إلى الخطأ والاشتباه. ويشهد لإرادة أهل البيت (ع) من أولي الأمر في كلتا الآيتين الآمرتين بالرد إلى الرسول (ص) في سورة النساء ما رواه الشيخ المفيد عن الإمام الحسن المجتبى (ع) أنه قال بعد بيعته: [h]فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله عز وجل ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول ، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم[/h] . (الأمالي ص349 ح4 المجلس41، وأمالي الطوسي ص121 المجلس5 ح1) [t] الرد إلى أهل البيت رد إلى الله ورسوله[/t] النقطة العاشرة: وبغض النظر عما فات فإن عدم ذكر أولي الأمر لا يلغي وجوب الرد إليهم إذا كان الرد إليهم في حكم الرد إلى الله ورسوله، وهذا ما أقره جمع من أعلام أهل السنة فيما نقله عنهم الشيخ الطوسي حيث قال: "وقوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فمعنى الرد إلى الله هو إلى كتابه، والرد إلى رسوله هو الرد إلى سنته، وقول مجاهد وقتادة وميمون بن مهران والسدي: والرد إلى الأئمة يجري مجرى الرد إلى الله والرسول، ولذلك قال في آية أخرى: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (النساء/82)، ولأنه إذا كان قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول في هذا الباب". (التبيان في تفسير القرآن ج3 ص236) وقد أقر ابن جرير الطبري بأصل الفكرة في الرجوع إلى غير المسلمين من أهل الكتاب، ومن الطبيعي أن يكون حكم أهل البيت (ع) أولى. (راجع جامع البيان ج25 ص100) [t]لا يصح الرد إلا إلى أهل البيت (ع) [/t] النقطة الحادية عشر: هناك أمر مهم جدا في الرد إلى الكتاب، وهو أن القرآن الكريم فيه آيات محكمات وفيه آيات متشابهات، وفيه آيات تحتاج إلى تأويل، والرجوع إلى محكم الكتاب أمر ممكن التحقق لكثير من الناس، أما الرجوع إلى المتشابه والتأويل فليس شأن أي شخص، ولا يعلم تأويله إلا أهله، قال تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم (آل عمران/7). وحديث الثقلين يبين بكل وضوح أن أهل البيت (ع) هم الذين لا ينفكون عن الثقل الأكبر القرآن الكريم ولا يفترقون عنه، وأن الأخذ والتمسك بهما معا سبب للنجاة من الضلال والنار. روى الترمذي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: [h]رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي[/h]. وروى أيضا بسنده زيد بن أرقم وحبيب بن أبي ثابت قالا: قال رسول الله (ص): [h]إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما[/h]. (صحيح سنن الترمذي للألباني ج3 ص542 و543 ح3786 و3688) وعدم افتراق القرآن عن العترة يعني أن ما يقوله أهل البيت (ع) متوافق مع القرآن، وأن ما يفسرونه من آيات القرآن متطابق مع حقيقة معناه، ولولا ذلك لحصل الافتراق بينهم وبين القرآن، وهذا ما ينفيه هذا حديث الثقلين وهو حديث ثابت في سنده ومتنه. ويعزز هذه الحقيقة ما رواه الحاكم بسنده عن أم سلمة قالت: قال رسول الله (ص): [h]علي مع القرآن والقرآن مع علي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض[/h]. وقد علق الحاكم على سند الحديث قائلا: هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو سعيد التيمي عقيصاء، ثقة مأمون، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. (المستدرك ج3 ص134 ح4628/226 طبعة دار الكتب العلمية بتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا) ثم إننا لا نجد أنه قد ورد من النبي (ص) في حق أحد من الصحابة أنه يعرف تأويل القرآن - وبالتالي لا يشتبه عليه أمر القرآن - سوى أمير المؤمنين (ع)، فقد روى الحاكم النيشابوري بسنده عن أبي سعيد قال: [h]كنا مع رسول الله (ص) فانقطعت نعله، فتخلف علي يخصفها، فمشى قليلا ثم قال: لإن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها القوم أبو بكر وعمر، قال أبو بكر: أنا هو؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل يعني عليا، فأتيناه فبشرناه فلم يرفع به رأسه كأنه قد كان سمعه من رسول الله (ص)[/h] . قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم. (المستدرك على الصحيحين ج3 ص132 ح4621/219 طبعة دار الكتب العلمية) وهذا الحديث الصحيح باعتراف الذهبي من الأدلة المحكمة على أن الواو في قوله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم عاطفة وليست استئنافية، إذ أنه يثبت أن هناك من يعلم تأويل القرآن وأنه علمه ليس مختصا بالله تعالى وحده، كما أنه يثبت أن أمير المؤمنين (ع) هو العالم بالتأويل دون سواه من الصحابة، وبالرغم من أن الحديث يتطرق إلى مسألة القتال وهي من الأمور التي يتشدد الدين فيها كثيرا لارتباطها بالدماء ولكنه امتدح المقاتل على تأويل القرآن، ولو لم يكن ذلك مدحا لما تطلع إلى هذه الصفة أبو بكر وعمر. وكما أن في القرآن آيات متشابهة ومحتاجة إلى تأويل لا يعلمها أغلب الناس فإن الأمر كذلك في سنة النبي (ص) إذ فيها الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والعام والخاص، وقد روى الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا (ع) أنه قال: [h]إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، ومحكما كمحكم القرآن[/h]. (عيون أخبار الرضا ج2 ص261 ح39) وأمير المؤمنين (ع) هو الأعلم بسنة النبي (ص) في كل ذلك، وقد جاء في أحاديث رسول الله (ص) أنه قال: [h]أنا مدينة العلم أو الحكمة وعلي بابها [/h]، وقد اعتراف كثير من الصحابة بتفوقه عليهم علما حتى قال عمر: أقضانا علي. وقد ورث أئمة أهل البيت (ع) بعد أمير المؤمنين ما تلقاه أمير المؤمنين (ع) من رسول الله (ص)، وقد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: [h]ونحن أهل رسول الله (ص) الذين نستنبط المحكم من كتابه ونميز المتشابه منه، ونعرف الناسخ مما نسخ الله ووضع إصره[/h]. (تحف العقول ص135) هذا مضافا إلى مصادر العلم المختلفة التي حظي بها أهل البيت (ع) وكما تشير إلى ذلك الروايات المعتبرة الواردة عنهم في هذا المجال. وإذا تبين ذلك يعرف حجم التهافت بين قولي القرطبي في تفسيره، فقد قال: "وزعم قوم أن المراد بأولي الأمر علي والأئمة المعصومون، ولو كان كذلك ما كان لقوله: فردوه إلى الله والرسول معنى، بل كان يقول: فردوه إلى الإمام وأولي الأمر، فإن قوله (أي قول الإمام عليه السلام) عند هؤلاء (أي الشيعة) هو المحكم على الكتاب والسنة". (الجامع لأحكام القرآن ج5 ص169 طبعة دار الكتب العلمية) ولكنه قال قبل ذلك: "فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة، ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا وامتثال فتواهم لازما". (المصدر السابق ص168-169) فإذا كان الرد إلى الله ورسوله لا يتم إلا بالرد إلى العلماء لأن لديهم معرفة كيفية الرد إلى الله ورسوله، فمن في الأمة أعلم بالكتاب والسنة من باب مدينة علم النبي (ص) أمير المؤمنين (ع) والأئمة الذين أخذوا عنه؟ وهل يصح بعد وجودهم الرجوع إلى غيرهم ممن أخذوا بالظنون ولم يلجئوا إلى ركن وثيق؟! [t] لماذا لم يذكر أولو الأمر في آية الرد؟ [/t] النقطة الثانية عشر: أما السبب في عدم عطف أولي الأمر على الرسول (ص) في جملة متضمنة لكلمة (أطيعوا) فقد أشار علماؤنا إلى الوجه في ذلك. قال النباطي العاملي المتوفى سنة 877هـ: " وإنما لم يقل في آية النزاع: (وإلى أولي الأمر منكم) إيماء إلى أن طاعتهم قسم من طاعة الرسول، ويؤيده: إن كنتم تؤمنون على الشك، والإمام ليس في إيمانه شك". (الصراط المستقيم ج1 ص255) وقال المقدس الأردبيلي المتوفى سنة993هـ: " أن الله ما قرن بينه وبين الرسول للتفاوت العظيم، وقارن بين الرسول وأولي الأمر للقرب، فلا بد أن يكون بينهما قربا، ولا قرب بين الرسول وبين غير أهل البيت (ع)، وهو ظاهر". (زبدة البيان ص863) وقال المولى صالح المازندراني المتوفى سنة 1081هـ: "وإنما لم يذكر أولي الأمر في الحكم بالرد للتنبيه على أن الرد إليهم رد إلى الرسول لكمال الاتصال بينهم، ولذلك ترك الفعل في الحكم بالإطاعة". (شرح أصول الكافي ج6 ص402)