وقفة مع حديث "لا تعلموهن الكتابة"

قال بعض العلماء والكتاب الأجلاء في إحدى كتبهم في معرض حديثه عن موقف الإسلام من تعليم النساء: "وأما موقف الإسلام تجاه التعليم ومحو الأمية فهو واضح، ولا يختص ذلك بالرجال، وقد أمر النبي (ص) الشفاء أم سليمان بن أبي حنتمة أن تعلم حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة. (1) وأما حديث:[h] لا تعلموهن الكتابة – أي النساء – ولا تسكنوهن الغرف وعلموهن سورة النور[/h] فهو من الأحاديث الموضوعة (2)". انتهى كلامه. ورغبتي في مناقشة هذه الفقرة لا علاقة له بالنتيجة التي يمكن أن يصل إليها كل طرف، بل أساس اهتمامي يعود إلى منهجية التعامل مع الأحاديث، فإن المنهجية الصحيحة هي المطلوبة بغض النظر عن النتيجة الموصلة إليه، ولا ينبغي في البحث العلمي أن نضع النتيجة نصب أعيننا ثم نبحث عما يوافقها من الشواهد. كما أنني لست بصدد إثبات حكم شرعي حول تعليم النساء الكتابة أو نفيه، فإن المسؤول عنه في ذلك الفقهاء، وإن كنت أحاول هنا أن أستكشف شيئا من رأيهم من خلال هذه الإطلالة. والملاحظ في الفقرة السابقة أن المؤلف استعرض الأحاديث الواردة من كتب أهل السنة ولم يتطرق إلى ما جاء في مصادرنا، ومن هنا فإن المناقشة ستتركز على الحديث من خلال المصادر السنية والمنهج السني في التعامل مع الحديث، إذ قد يكون مقصود المؤلف إلزام الآخرين بما هو موجود ومقبول عندهم ووفقا لمبانيهم وإن لم أستشم من طريقة كتابة المؤلف ذلك لأنه كان بصدد طرح الصورة الصحيحة لسيرة النبي (ص) وكما أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه، ولكن من باب إتمام الفائدة سأستعرض ما جاء في أحاديثنا من مضمون مقارب، موضع النقاش سيكون مركزا على دعوى الوضع، إذ الموضوع مكذوب على النبي (ص) ولايمكن قبوله بحال، بينما الضعيف فقد يكون صادرا ويمكن توجيهه ببعض الوجوه المحتملة. أما من ناحية السند وفقا لطريقة أهل السنة فإن حديث "رقية النملة" المتطرق لتعليم النساء الكتابة قد تلقاه علماء أهل السنة بالقبول والصحة، فقد علق النووي عليه بالقول: "رواه أبو داود بإسناد صحيح". (3) وقال العظيم آبادي: "وهذا الحديث سكت عنه المنذري ثم ابن القيم في تعليقات السنن، ورجال إسناده رجال الصحيح إلا إبراهيم بن مهدي البغدادي، وهو ثقة، وأخرجه أحمد في مسنده والحاكم وصححه"، ثم أورد طرقه الأخرى. (4) أما حديث "لا تعلموهن الكتابة" ففقد أورده ابن الجوزي في كتابه بما يرشد إلى وضعه فقال: "هذا الحديث لايصح، وقد ذكره أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في صحيحه، والعجب كيف خفى عليه أمره، قال أبو حاتم ابن حبان: كان محمد بن إبراهيم الشامي يضع الحديث على الشاميين لا يحل الرواية عنه إلا عند الاعتبار. روى أحاديث لا أصول لها من كلام رسول الله (ص)، لا يحل الاحتجاج به". (5) وقال الذهبي في ترجمة محمد بن إبراهيم الشامي: "وقال الدارقطني: كذاب، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه إلا عند الاعتبار، كان يضع الحديث. ..... وروى عن شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة النور. قلت: صدق الدارقطني، وابن ماجة فما عرفه". (6) ولكن ذلك لايعني عدم وجود الاختلاف في صحة هذا الحديث، فالحاكم النيشابوري أورده مسندا في كتابه، ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". (7) وقال المناوي: "ورواه الحاكم عنها (أي عائشة) أيضا، وقال: صحيح الإسناد، وخرجه البيهقي في الشعب عن الحاكم، ثم خرجه بإسناد آخر بنحوه، وقال: هو بهذا الإسناد منكر. قال المؤلف: فعلم منه أنه بغير هذا الإسناد غير منكر، وبه رد على ابن الجوزي دعواه وضعفه. نعم قال الحافظ ابن حجر في الأطراف بعد قول الحاكم صحيح: بل عبد الوهاب أحد رواته متروك". (8) وقال العظيم آبادي: "وقد استدل بعضهم على عدم جواز الكتابة للنساء بروايات ضعيفة واهية. فمنها: ما أخرجه ابن حبان في الضعفاء: أنبأنا محمد بن عمرو، أنبأنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن زكريا بن يزيد الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم أبو عبد الله الشامي، حدثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله (ص): [h]لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموعن الكتابة [/h]الحديث. وفي سنده محمد بن إبراهيم الشامي منكر الحديث ومن الوضاعين، قال الذهبي: قال الدارقطني: كذاب، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، قال ابن حبان: لا يحل الرواية عنه إلا عند الاعتبار، كان يضع الحديث، وروي عن شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: "ولا تعلموهن الكتابة" انتهى. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية: هذا الحديث لا يصح، محمد بن إبراهيم الشامي كان يضع الحديث. ومنها: ما أخرجه الحاكم في المستدرك: أنبأنا أبو علي الحافظ، حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك، حدثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا فذكره، وقال: صحيح الإسناد. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن الحاكم من هذا الطريق. وفيه عبد الوهاب بن الضحاك، قال الذهبي في الميزان: كذبه أبو حاتم، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال الدارقطني: منكر الحديث، انتهى. وقال السيوطي في اللآلئ: قال الحافظ ابن حجر في الأطراف بعد ذكر قول الحاكم: صحيح الإسناد: بل عبد الوهاب متروك، وقد تابعه محمد بن إبراهيم الشامي عن شعيب بن إسحاق، وإبراهيم رماه ابن حبان بالوضع، انتهى كلام الحافظ. وأخرج البيهقي: أنبأنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو الحسن محمد بن السراج، حدثنا مطين، حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكر الحديث، وقال: هذا بهذا الإسناد منكر، انتهى. وفيه محمد بن إبراهيم الشامي المذكور، وهو ضعيف جدا. وأخرجه ابن حبان في الضعفاء: حدثنا جعفر بن سهل، حدثنا جعفر بن نصر، حدثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعا:[h] لا تعلموا نساءكم الكتابة[/h] الحديث. وفيه جعفر بن نصر، قال الذهبي: هو متهم بالكذب، قال صاحب الكامل: حدث عن الثقات بالبواطيل، ثم أورد الذهبي من رواياته ثلاثة أحاديث منها هذا الحديث لابن عباس، ثم قال: هذه أباطيل، انتهى. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية: هذا لا يصح، جعفر بن نصر حدث عن الثقات بالبواطيل، انتهى. فهذه الروايات كلها ضعيفة جدا، بل باطلة لا يصح الاحتجاج بها بحال، والله أعلم". (9) والمستفاد من مجموع الكلمات السابقة أن الحديث مختلف في صحته، ومن قال بعدم صحته فقد رده إما من جهة الوضع أو الضعف، ومن المعلوم أن الوضع أخص من الضعف فليس كل حديث ضعيف بموضوع ومختلق. وأما من طرقنا فلم أجد في مجموع بحثي حديثا معتبرا بل وغير معتبر يدل على الترغيب في تعليم النساء الكتابة، وحديث "كما علمتيها الكتابة" ورد من طرق أهل السنة الذين لايمكن الاحتجاج بروايتهم لعدم وجود طريق يعتمد عليه عندنا لتوثيق رواة أسانيدهم. ولايوجد في سيرة النبي (ص) مع الزهراء (ع) أو سيرة الزهراء (ع) مع نساء المسلمين ما يثبت الترغيب وإن ادعاه البعض من غير أن يثبت دعواه بدليل أو شاهد، وسأكون ممتنا لمن يأتى بهما. أما حديث "لا تعلموعن الكتابة" فقد رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): [h]لا تنزلوا النساء بالغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل، وسورة النور[/h]. (10) وفي السند الحسين بن يزيد النوفلي، وهو مهمل عند الأغلب، ومن هنا قال العلامة المجلسي عن سند الحديث: "ضعيف على المشهور". (11) بينما ذهب بعض علمائنا إلى الأخذ بروايته، فوثقه السيد الخوئي لروايته في تفسير القمي. (12) ومال الوحيد البهبهاني إلى تقويته. (13) وصرح العلامة المامقاني بحسنه. (14) وكذلك دافع عنه آخرون. (15) أما السكوني فإنه وإن قال بعض علمائنا بعدم اعتبار روايته من جهة كونه عاميا ولكن حيث أن هذا الرأي خلاف الراجح فلا حاجة للتطويل في الكلام عنه. ولم أجد من ادعى وضع الحديث من علمائنا. أما من ناحية الدلالة - ووفقا لمنظار أهل السنة – فإن حديث: "رقية النملة" هذا نصه، قالت الشفاء: [h]دخل علينا النبي (ص) وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة[/h]. (16) وفيه إقرار وإخبار عن حقيقة خارجية وهي أن الشفاء بنت عبد الله علمت حفصة الكتابة، وليس فيه تأييد لتعليم الكتابة ولا الدعوة إليه، نعم فيه الدعوة إلى تعليم الرقية، وهو أمر خارج موضع النقاش. وأقصى ما يمكن أن يدل عليه الحديث هو عدم نهي الشرع عن تعليم النساء الكتابة، ومن ثم ففيه إثبات جواز تعليم النساء، ولا علاقة لذلك بالاستحباب والترغيب. (17) أما الجمع بين حديث [h]كما علمتيها الكتابة[/h] وحديث [h]لا تعلموهن الكتابة[/h] فقد ذهب بعض علماء أهل السنة أن الأول يدل على الجواز حيث لايكون هناك فساد، والنهي يدل على المنع حيث يترتب الفساد. قال القرطبي: "قال رسول الله (ص): [h]لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة[/h]. قال علماؤنا: وإنما حذرهم النبي (ص) ذلك لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجل، وليس في ذلك تحصين لهن ولا تستر، وذلك أنهن لا يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجل، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم أن يجعلوا لهن غرفا ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله (ص): [h]ليس للنساء خير لهن من ألا يراهن الرجال، ولا يرين [/h]الرجال. وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشهوة وجعلت سكنا له، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه. وكذلك تعليم الكتابة ربما كانت سببا للفتنة، وذلك إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى، والكتابة عين من العيون، بها يبصر الشاهد الغائب، والخط هو آثار يده، وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به اللسان فهو أبلغ من اللسان، فأحب رسوله (ص) أن ينقطع عنهن أسباب الفتنة تحصينا لهن وطهارة لقلوبهن". (18) وقال الشوكاني: "قوله: [h]كما علمتها الكتابة[/h] فيه دليل على جواز تعليم النساء الكتابة، فالنهي عن الكتابة محمول على من يخشى تعليمها الفساد". (19) وقال الشنقيطي: "مبحث تعليم النساء الكتابة. وقع الخلاف بسبب نصين في المسألة: الأول: حديث الشفاء بنت عبد الله، قالت: [h]دخل علي رسول الله (ص) وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟[/h] رواه المجد في المنتقى عن أحمد وأبي داود، وقال بعده: وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة. والثاني: حديث عائشة، رواه الحاكم وصححه البيهقي مرفوعا: [h]لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة يعني النساء، وعلموهن الغزل وسورة النور[/h]. قال الشوكاني في نيل الأوطار على حديث المنتقى وحديث عائشة: إن حديث الشفاء دليل على جواز تعليمهن، وحديث النهي: محمول على من يخشى تعليمها الفساد، أعني تعليم الكتابة والقراءة. أما تعليم العلم فليس محل خلاف". (20) نعم احتمل ورجح بعض علماء أهل السنة المنع بملاحظة الزمان والظرف أي تطبيق تحقق الفساد على الواقع، قال العظيم آبادي: "وما قال علي القاري في المرقاة: "يحتمل أن يكون جائزا للسلف دون الخلف لفساد النسوان في هذا الزمان" انتهى فكلام غير صحيح، وقد فصلت الكلام في هذه المسألة في رسالتي "عقود الجمان في جواز الكتابة للنسوان"، وأجبت عن كلام القاري وغيره من المانعين جوابا شافيا". (21) ووفقا لمنظار علماء مذهب أهل البيت (ع) من دلالة حديث [h]لا تعلموهن الكتابة[/h] فإن قليلا منهم – وفي حدود المصادر التي بين يدي – ممن تطرق إليه، ولم أجد من نفاه منهم، بل إن بعضهم أخذ بظاهر دلالته وأثبت الحكم الشرعي المتعلق به، فقد أدرجه الحر العاملي المتوفى سنة 1104هـ تحت عنوان: "باب استحباب تعليم النساء سورة النور والمغزل دون سورة يوسف والكتابة". (22) ثم أورده في موضع آخر ضمن أحاديث أخرى وجعل عنوانه: "باب كراهة إنزال النساء الغرف وتعليمهن الكتابة وسورة يوسف، واستحباب تعليمهن الغزل وسورة النور، ووجوب أمر الأهل بالمعروف ونهيهم عن المنكر". (23) وقال المجلسي الأول المتوفى سنة 1070هـ: " [h]ولا تعلموهن الكتابة[/h] لأنهن إذا علمن يكتبن بالمطالب إلى من لا يرضى به الزوج والأقرباء ويخاف من الافتتان بخطوطهن أو تعبد". (24) وقال الملا محمد مهدي النراقي المتوفى سنة 1209هـ: "قال أمير المؤمنين (ع):[h] لا تعلموا نساءكم سورة يوسف ولا تقرؤوهن إياها فإن فيها الفتن، وعلموهن سورة النور فإن فيها المواعظ [/h]. وقال (ع): [h]لا تحملوا الفروج على السروج فتهيجونهن للفجور[/h]. وقال رسول الله (ص): [h]لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة النور[/h]. وبالجملة مقتضى العقل والنقل أن يمنعن عن جميع ما يمكن أن يؤدي إلى فساد وريبة، وعن مبادئ الأمور التي تخاف غوائلها، وينبغي لصاحب الغيرة أن يجعل نفسه مهيبا في نظرها حتى تكون منه على خوف وحذر، ولا تطمئن منه فتتبع هواها وما تقتضيه جبلتها، وأن يجعلها مشغولة في كل وقت بأمر من الأمور كتدبير المنزل وإصلاح أمر المعيشة أو بكسب من المكاسب حتى يكون لها دائما شغل شاغل ولا تكون فارغة عنه في وقت من الأوقات، إذ لو خلت عن الأشغال وتعطلت عن المهمات أوقعها الشيطان في أودية الأفكار الردية، فتميل إلى الزينة والخروج والتفرج والنظر إلى أجانب الرجال، والملاعبة والمضاحكة للنسوان، فينجر أمرها إلى الفساد". (25) وجاء في الاستفتاءات الموجهة إلى مكتب السيد السيستاني حفظه الله ما يلي: "لا تنزلوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، ولا تعلموهن سورة يوسف، وعلموهن المغزل وسورة يوسف". هذا حديث غريب جدا، وهل فعلا يعقل عدم تعليمهن الكتابة، وفي حديث آخر يقول: العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وما المقصود من عدم إنزالهن الغرف وعدم تعليمهن سورة يوسف؟ الجواب: سنده غير معتبر، ولعل هذه أوامر تخص الوضع الاجتماعي في ذلك الزمان والمكان، والحديث متصل إلى الرسول (ص)، وما كان المجتمع آنذاك بحاجة إلى تعلم الكتابة وتعميمه حتى للنساء، ولعله كان موجبا لبعض المفاسد، وهكذا سائر ما ورد فيه". (26) وما جاء في جواب السؤال من عدم اعتبار الحديث مبني على الخلاف الواقع في النوفلي كما أشرت سابقا، أما من ناحية الدلالة فإن الجواب في توجيه الحديث اعتمد على احتمالين: أحدهما كون الحديث مرتبطا بظرف زماني أو مكاني خاص، والآخر ترتب بعض المفاسد على تعلم الكتابة. وهذا يعني أن الكتابة أداة من أدوات المعرفة والعلم، وعندما تكون الكتابة طريقة لتلقي العلم أو للرقي فيه ولا تترتب عليها مفاسد أخرى تضر بدين المرء فإن تعلمها أمر مرغوب فيه، بخلاف ما لو ترتب على تعلمها الفساد فإنه يكون أمرا مرغوبا عنه. وسأضرب لذلك مثالا عصريا: لقد أضحى الحاسوب والانترنت من طرق المعرفة في زماننا هذا، إلى درجة أنه صدرت بعض الكتب التي تريد تعليم من لا معرفة له بالحاسوب وعنوانها: "محو أمية الحاسوب"، فلو أضحى تعرف ابنك الصغير على الحاسوب والانترنت سببا لفساد أخلاقه ودخوله إلى المواقع المحظورة وانحرافه عن الدين، فهل هناك من يستطيع أن ينسب إلى الدين والشرع أنه يدعو إلى تعليم ابنك معرفتهما بحجة أن هذا من أبواب العلم في زماننا هذا؟ وقد تعمدت بأن يكون المثال مرتبطا بتعليم الذكور من الأبناء لكي أبين أن المسألة لا ترتبط بموقف منحاز لصالح جنس ضد آخر، بمعنى أنه لو لم تترتب مفاسد على تعليم ابنتك الحاسوب والانترنت فلا مانع من تعليمها ذلك. نعم عندما يكون احتمال الفساد واردا فإن الأفضل في هذه الحالة تجنب الطريق المؤدي إليه نظرا لخطورة المحتمل، فإن من يحتمل أن الدخول في فضاء ما سيتسبب في انتقال فيروس فتاك به فإنه إما أن لا يدخله من الأصل أو يدخله وهو ضامن لعدم تأثره به لأخذه الحقنة المضادة له. ثم إن تعلم النساء للكتابة قد يكون أمرا لازما وذلك حينما تكون هناك حاجة إلى تعلمهن لها في بعض المجالات كالطب والتدريس وغيرها، وهذا يعني أن تعلم الكتابة لهن مطلوب من جهة الآثار المترتبة عليه، لا من جهة كونه مطلوبا في حد ذاته، فلا يكون تعلمها مثل تعلم الأحكام الفقهية التي يبتلى بها المكلف رجلا كان أو امرأة والتي تكون مطلوبة وواجبة. وخلاصة الكلام حول الحديث أنه ما دام قابلا للتوجيه بتفسير مقبول وصحيح ولو من جهة إيجاب تعلم الكتابة الفساد ولو في بعض الأزمنة فلا وجه للقول بوضع الحديث وإن قلنا بضعفه السندي، لأن القول بالوضع يعني تكذيب الحديث بينما القول بالضعف لايلزم منه ذلك. والطريقة التي سار عليها علماؤنا ووفقا لما جاء في روايات النبي (ص) وأهل بيته (ع) أن لا نرد الحديث ولا نكذبه بل نحاول تفسيره بالشكل المقبول، فإن لم نتمكن من ذلك لعدم بلوغ عقولنا لوجه ذلك ومع عدم قطعنا ببطلان مضمونه لاحتمال وجود وجوه خفيت علينا فإن اللازم أن نتوقف في الحديث ونرد علمه إلى أهله وهم آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين. وأخيرا لي كلمة مع بعض الذين قد يستغلون ما يطرح هنا في القول بوجود آراء رجعية لا تعيش التقدم وتريد البقاء على بقايا الماضي كما هي طريقة المفلسين في مواجهة الحجة بالدعايات والتهويلات بدلا من مقارعة الحجة بالحجة. إن الملاحظ أن هؤلاء يمتدحون الشهيد المطهري (رحمه الله) ويتبنونه كمفكر يعرف حاجة العصر وخاصة حق المرأة ومكانها ولايعيش تعقيدات الماضي، ولكنك تراهم يتعاملون مع أفكاره من جانب واحد وبما يخدم الأخذ بالرأي الذي يتبنونه ويكون كثيرا ما يخالف الرأي المتبنى من قبل أغلب علماء الطائفة. وعلى سبيل المثال موقف الشهيد المطهري في كتابه (النبي الأمي) من المقصود من كلمة الأمي التي وردت في القرآن الكريم في وصف نبينا صلوات الله عليه، فإنه تبنى عدم معرفته للقراءة والكتابة ودافع عن هذا الرأي بأن القراءة والكتابة مجرد وسيلتين ومفتاحين وأداتين للعلم وليسا هما العلم نفسه، فإذا تحقق العلم من دونهما فليس في عدم معرفتهما نقصا على صاحبها. ولست هنا في صدد مناقشة هذا الرأي، ولكن ما أود الإشارة إليه هنا هو أنه إذا قبل الشهيد المطهري (ص) سلب معرفة القراءة والكتابة عن أفضل الخلق بحجة أن عدم معرفتهما لا تنقص من شأنه فلماذا لايقبل المتحمسون للشهيد المطهري باعتباره مفكرا غير رجعي أن لا يكون لعدم معرفة المرأة للقراءة والكتابة أي مدخلية في التنقيص من شأنها؟؟!! وإن اختلفت الحكمة في عدم المعرفة، فقد تكون في النبي (ص) وعلى حسب زعمهم من جهة التأكيد على الإعجاز القرآني بينما قد تكون في المرأة لجهة أخرى نفسية وتربوية معلومة كانت لدينا أو مجهولة. سؤال أتركه لهم عسى أن يكون لهم جواب مقنع حوله.