فضل الله وآراء ابن تيمية والوهابية

كنت قد قرأت في السابق العديد من موارد الالتقاء بين كلمات فضل الله وكلمات ابن تيمية في آراء يخالف فيها الرأي المعروف من مذهب الشيعة الإمامية، وهي الآراء التي جاءت الوهابية من بعد وركزت عليها. ولم يقف فضل الله عند حد في تبني تلك الآراء الفاسدة، فهو وإن كان قد خفف من كلماته في بعض السنوات (ولم يلغها من الأساس)، ولكنه عاد من جديد ليبدي لنا ما كان مخفيا في جعبته، والأيام القادمة ستكشف لنا المزيد، وظهر عيانا لبعض الذين ترددوا في الوقوف مع الحوزة العلمية لأجل مصالح وحسابات وموازنات أن فضل الله لن يترك لهم مجالا إذا لم يعلنوا موقفا واضحا وصريحا من انحرافاته!! ومن جملة انحرافاته وآرائه الفاسدة ما ينشره على موقعه من تكرار مقولة ابن تيمية والوهابية من ترجيح الرأي الذي يذهب إلى عدم توجيه الخطاب بطلب الشفاعة من النبي (ص) أو الإمام (ع)، وأنه يجب أن يكون الطلب من الله تعالى وحده، بأن يقول المتوسل: اللهم شفع نبيك في، ولايقول: يا رسول الله اشفع لي، وزعم أن هذا مما لم يعهد عن أهل البيت (ع)!! وهذا هو نص السؤال والجواب المنشور على موقعه: السؤال: ما هي الملاحظة الأساسية في دعاء التوسل حيث أغلب العلماء يوصون بالمداومة عليه وهو محل آثار عجيبة، وما هي ميزة ليلة الأربعاء لهذا الدعاء؟ الجواب المنشور بتاريخ 11 / 6 / 2005م: "لم نرَ أغلب العلماء يوصون به، وهو من ناحية السند غير ثابت ومن ناحية المضمون يلاحظ عليه التوجه بالخطاب لغير الله تعالى وهذا ليس راجحا، وإن كان المراد الاستشفاع بالنبي واهل بيته (ع) لكن أسلوبه غير معهود في أدعيتهم (ع)، ولا ميزة لليلة الأربعاء فيه فإن ذلك ليس ناشئاً من السنة والمأثور". انتهى التعليق: أ - فيما يخص عدم وجود ميزة لليلة الأربعاء في قراءة دعاء التوسل فهو أمر صحيح في حد ذاته، ولكن لامانع منه شرعا إذا لم ينو الإنسان بذلك الورود من الشرع. ب - أما فيما يرتبط بسند الدعاء فليس المطلوب في الأدعية ثبوت السند واعتباره، إذ يكفي صدق الدعاء عليه لجواز قراءته، ولكن هذا لايعني أنه غير مأثور عن الأئمة (ع) كما يزعم فضل الله، فالعلامة المجلسي يصرح ويقول: "وجدت في نسخة قديمة من مؤلفات بعض أصحابنا رضي الله عنهم ما هذا لفظه: هذا الدعاء رواه محمد بن بابويه عن الأئمة عليهم السلام، وقال: [e]ما دعوت في أمر إلا رأيت سريع الإجابة[/e]". (بحار الأنوار ج99 ص247) فالدعاء منقول عن نسخة قديمة، ولا يصدق هذا إلا ما كان مصدره من مثل القرن السابع الهجري، وهو من تأليف بعض أصحابنا الإمامية، وعدم ذكر اسمه لا يخل في الأخذ بقوله ما دام لم يعلم وضعه. وقد اختلف الفقهاء في أن المستحبات المنسوبة إليهم (ع) والتي لم تثبت بطريق معتبر هل يؤتى بها بنية الاستحباب من باب التسامح في أدلة السنن أم أنه يؤتى بها بنية رجاء المطلوبية، تبعا لاختلافهم في فهم بعض الروايات المعتبرة حول هذه المسألة، ومهما كان رأيهم فهم متفقون على أن الفاعل للعمل يحصل على الثواب على العمل المنسوب إليهم (ع) من باب التفضل الإلهي. ج - أما الاعتراض على المضمون من جهة أن الخطاب لغير الله تعالى أمر غير راجح فلم يأت فضل الله على دعواه بدليل، فما الدليل على عدم الرجحان المزعوم؟! فإذا ثبت وفقا للقرآن أن هناك شفعاء ومنهم النبي (ص)، وتكاثرت الأدلة على شفاعة أهل البيت (ع) وهذا ما لاينكره فضل الله حتى الآن على الأقل!! وإذا كانت الشفاعة تتم على أيديهم (ع)، فإن مقتضى رجاء الشفاعة التوجه نحو الشفيع المباشر وإن كانت أصل شفاعتهم معطاة من قبل الله عز وجل. وقد جرت الحكمة والسنة الإلهية في أن تجري الشفاعة على يد خلقه، سواء بين أفراد الأسرة كالأب يشفع لابنه أو بالعكس، أو بين الأقارب، أو بين المؤمنين، فلماذا يستثنى أفضل الخلق من هذه السنة؟! د - أما دعوى عدم المعهودية للطلب من الشفيع على نحو الخطاب له فقد اعتاد فضل الله إطلاق الدعاوى من دون تثبت كما أطلقها في موارد أخرى كاللعن حينما زعم أنه لم يعهد عن الأئمة (ع) لعن الأشخاص بأسمائهم، ونظرة عابرة إلى بعض ما ورد عن أهل البيت (ع) كافية في تكذيب دعواه. فإن الروايات الواردة في هذا الخصوص مستفيضة مشهورة، بل لايبعد لو قيل بتواترها الإجمالي، وسأشير إلى مصادرها مع ذكر النص المرتبط بالبحث مباشرة دون الزوائد خشية الإطالة، علما بأنني لم آت بالمكررات فإذا روى ابن قولويه رواية ورواها الكليني أيضا اكتفيت بما رواه أحدهما، كما أنني لم أورد العديد من الروايات التي فيها يطلب الحي الشفاعة من الحي سواء في الدنيا أو في يوم القيامة باعتبار أن ابن تيمية والوهابية لايرون مانعا في هذا النوع من طلب الشفاعة!! 1 – روى ابن قولويه عن الإمام الصادق (ع) في زيارة الإمام الحسين (ع): [h]فكن لي في يوم حاجتي ...الخ[/h] . (كامل الزيارة ص437 ح2) 2 – روى أيضا عن الإمام الهادي (ع) في زيارة الإمام الكاظم (ع) والجواد (ع) قال: [h]فاشفع لي عند ربك[/h]. (المصدر السابق ص502 ح1و2) 3 – وروى عنهم (ع) في زيارة الإمام الرضا (ع): [h]فكن لي شفيعا إلى ربك[/h] . (المصدر السابق ص518 ح2) 4 – وروى عنهم (ع) في زيارة الإمام الحسين (ع): [h]أشهد أنك على بينة من ربك، جئتك مقرا بالذنوب، اشفع لي عند ربك [/h]. (المصدر السابق ص379 و380 الحديث 9 و10، والظاهر أنهما حديث واحد) 5 – وروى أيضا عن الإمام الهادي (ع) في زيارة أمير المؤمنين (ع): [h]فاشفع لي إلى ربك[/h] . (المصدر السابق ج4 ص569 ح1) 6 – وروى عن الإمام الصادق (ع) في زيارة الإمام الحسين (ع) أنه قال: [h]فكن يا سيدي شفيعي لقبول ذلك مني [/h]. (كامل الزيارات ص485 باب97 ح7) 7 - روى الشيخ الصدوق عن الإمام الهادي (ع) أنه قال في الزيارة الجامعة الكبيرة: [h]يا أولياء الله إن بيني وبين الله عز وجل ذنوبا لا يأتي عليها غير رضاكم فبحق من أئتمنكم على سره واسترعاكم أمر خلقه وقرن طاعتكم بطاعته لما استوهبتم ذنوبي وكنتم شفعائي[/h] . (عيون أخبار الرضا (ع) ج1 ص309، من لا يحضره الفقيه ج2 ص616، تهذيب الأحكام ج6 ص100) 8 - روى الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق (ع) في زيارة أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسين (ع): [h]فاشفعا لي فإن لكما عند الله المقام المحمود [/h]. (مصباح المتهجد ص780) 9 – روى المشهدي ضمن زيارة طويلة لأمير المؤمنين (ع) فيها طلب الشفاعة منه ومن رسول الله (ص) ومن الحسن والحسين (ع) وفي مواضع كثيرة من تلك الزيارة. (المزار ص302) 10 – وروى المشهدي عن الإمام الصادق (ع) في زيارة الإمام الحسين (ع): [h]فكن لي إلى الله سبيلا، ومن الله مقيلا، ولما آمل فيك كفيلا [/h]. (المزار ص185) 11 – روى المحدث النوري عن الإمام السجاد (ع) في زيارة أمير المؤمنين (ع) أنه قال: [h]فكن لي شفيعي إلى الله عز وجل[/h] . (مستدرك الوسائل ج10 ص223 ح1 نقلا عن المزار القديم) 12 – روى السيد ابن طاووس عن الإمام الصادق (ع) في زيارة الإمام الحسين (ع) يوم الأربعين: [h]فكن لي شفيعا إلى الله[/h] . (إقبال الأعمال ج3 ص102) 13 – وروى أيضا عن الإمام الصادق (ع) في زيارة النبي (ص): [h]فكن لي شفيعا عند ربك وربي[/h] . (المصدر السابق ج3 ص127) 14 – وروى أيضا عن الإمام الصادق (ع) في زيارة المعصومين (ع) يوم عرفة: [h] يا موالي كونوا شفعائي في حط وزري[/h] . (المصدر السابق ج2 ص136) 15 - وروى أيضا عن محمد بن مسلم في زيارة أمير المؤمنين (ع): [h]أسألك أن تشفع لي إلى الله في قضاء حاجتي ونجح طلبتي للدنيا والآخرة [/h]. (المصدر السابق ج3 ص135) ومن متن الزيارة يظهر أنها مروية عن الإمام الباقر (ع) أو الصادق (ع). 16 – روى الكفعمي عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: [h]اشفعوا لي يا ساداتي بالشأن الذي لكم عند الله[/h] . (المصباح ص403) 17 – روى السيد ابن زهرة الحلبي أن من مستحبات الطواف أن يتعلق بأستار الكعبة ويقول: [h]يا رسول الله يا أمير المؤمنين يا فاطمة بنت رسول الله يا حسن يا حسين – ويسمي الأئمة إلى آخرهم – بالله ربي أستغيث، وبكم إليه تشفعت، أنتم عمدتي، وإياكم أقدم بين يدي حوائجي، فكونوا شفعائي إلى الله في إجابة دعائي وتبليغي في الدين والدنيا مناي [/h]. (غنية النزوع ج1 ص175، عنه مستدرك الوسائل ج9 ص354 ح6) ويظهر من مجموع ما نقله ابن زهرة في تلك المستحبات أنها من الروايات المأثورة عنهم عليهم السلام لا أنها من إنشائه. هذا كله مضافا إلى ورود بعض الروايات المعتبرة الدالة على ذلك، فقد روى ابن قولويه بسند صحيح عن أبيه، عن سعد بن عبدالله، عن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة، عن العباس بن عامر، عن أبان، عن الحسن بن عطية أبي ناب بياع السابري، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (ع) يقول: [h]من أتى قبر الحسين (ع) كتب الله له حجة وعمرة، وعمرة وحجة، قال: قلت: جعلت فداك فما أقول إذا أتيته، قال (ع): تقول: السلام عليك يا أبا عبد الله، ...........، اشفع لي يا بن رسول الله عند ربك [/h]. (كامل الزيارة ص391 ح636/20، وفي كامل الزيارة المطبوع: الحسين بن عطية، والظاهر أن هناك تصحيفا في السند وأن الصحيح هو الحسن بن عطية كما استظهر ذلك العلامة الأميني، ويؤيد ذلك أن أبا ناب هو كنية الحسن، وأنه قد نص الرجاليون على وجود أخوة للحسن وهم: مالك، ومحمد، وجعفر، وعلي، ولم يشر أحد إلى وجود أخ له باسم الحسين) وحيث أن أئمة أهل البيت (ع) كانوا يعلمون شيعتهم طلب الشفاعة منهم، فإن الأمر سرى إلى خلص أصحابهم مثل وكلاء الناحية المقدسة، ومنهم القاسم بن العلاء الهمداني الذي توسل بأهل البيت (ع) وخاطبهم بشكل مباشر طالبا شفاعتهم ففتح الله عينيه بعد أن كانتا قد ذهبتا، وذلك فيما رواه الشيخ الطوسي بسند صحيح في كتابه الغيبة ص310.