هل هناك محذور من إطلاق لقب السلطان على الإمام الرضا (ع)؟

يقال أحيانا أثناء زيارة الإمام الرضا (ع) من بعد فيما يزوره به المؤمنون من إنشائهم: "السلام عليك أيها السلطان أبو الحسن علي بن موسى الرضا"، وكذلك يكتب أحيانا على بوابات حرمه الشريف، علما بأن هذا اللقب ليس من ألقابه المشهورة. وقد أخبرني بعض المؤمنين أنه سمع ذات مرة من أحد المتحدثين في إحدى الحسينيات أنه ذكر اعتراضا في إطلاق لقب السلطان على الإمام الرضا (ع)، قال فيه: إننا لانمدح الإمام الرضا (ع) بهذا اللقب، فأي قيمة لسلطنة تعطى من المأمون العباسي، وإن من أصعب الأمور على الإمام الرضا (ع) وهو إمام المسلمين أن يكون وليا لعهد من غصب الخلافة منهم، ونحن بإطلاق هذا الاسم عليه نكون من حيث لانشعر نسيء إلى الإمام الرضا (ع) ونجاري غايات المأمون العباسي؟ والمتدبر في الروايات وأقوال الفقهاء يدرك بأن هذا الاعتراض لاوجه له بتاتا، لأن كلمة السلطان وإن أطلقت في أغلب الروايات على سلاطين الجور، ولكنها أطلقت في بعض الروايات على الأئمة عليهم السلام: منها: ما صدر عن الإمام الرضا (ع) نفسه، فقد روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن إسماعيل بن سعد الأشعري، عن الإمام الرضا (ع)، قال: [h]إذا أدرك الصغار وطلبوا فلم يجد بدا من إخراجه إلا أن يكون بأمر السلطان[/h]. (الكافي ج7 ص66 ح1) وهذا بناء على تفسير السلطان بسلطان العدل، وقد ذكروا احتمالا آخر فيه وهو إرادة حاكم الجور، إلا أن نفس قبول الفقهاء كالعلامة المجلسي لهذا الإحتمال كاف في نفي استبعاد إطلاقه على الأئمة عليهم السلام. (مرآة العقول ج23 ص106، وراجع أيضا الاحتمال الذي ذكروه على الحديث رقم 331 من روضة الكافي، فراجع مرآة العقول ج26 ص202، وشرح أصول الكافي للمازندراني ج12 ص329) ومنها: ما رواه القاضي النعمان عن الإمام الصادق (ع) أنه قال في المرأة التي فقد زوجها: [h]وإن قال الولي أنا أنفق عليها لم يجبر على أن يطلقها، وإن لم يكن له ولي طلقها السلطان[/h]. (دعائم الإسلام ج2 ص238 وراجع أيضا ج2 ص409 و460 و462 و468) ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (ع) في أمر اللعن بين الزوجين: [h]وإن ترافعا إلى السلطان تلاعنا وفرق بينهما ولم تحل له أبدا[/h]. (من لايحضره الفقيه ج3 ص471، وراجع أيضا ج3 ص529) وتبعا لذلك فلم يتحرج الفقهاء من إطلاق كلمة السلطان على الإمام المعصوم (ع). قال الشيخ الصدوق (رض): "وإن لم يكن له ولي طلقها السلطان". (المقنع ص353) كما أكثر الشيخ المفيد في المقنعة من إطلاق كلمة السلطان على الإمام المعصوم عليه السلام، فراجع المقنعة ص537 و736 و740. ولكن بعض الروايات قيدت السلطان بالعادل. (راجع مستدرك وسائل الشيعة ج18 ص9، ومستطرفات السرائر ص597) وهذا ما انعكس في كلمات بعض الفقهاء، قال الشيخ المفيد: "وإذا عدم السلطان العادل فيما ذكرناه من هذه الأبواب كان لفقهاء أهل الحق العدول من ذوي الرأي والعقل والفضل أن يتولوا ما تولاه السلطان". (المقنعة ص675) وقال القطب الراوندي: "وعند اجتماع شروطه (فرض الجمعة وصلاتها) لا تجب إلا عند حضور سلطان عادل أو من نصبه". (سلسلة الينابيع الفقهية ج4 ص509، وراجع نفس المصدر ج13 ص72، ج16 ص186، ج24 ص233، وراجع جامع الشتات للمييرزا القمي ج1 ص371) وكانوا يعبرون أحيانا عن الإمام المعصوم (ع) بـ "سلطان الإسلام" أيضا، يقول الشيخ المفيد: "فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم أئمة الهدى من آل محمد (ص)، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان". (المقنعة ص810) وبناء على ما مر فإن كلمة السلطان بمعنى كلمة الإمام، ولا مانع أن تطلق على عموم الأئمة بما فيهم الإمام الرضا (ع)، علما بأن بعض علمائنا الكبار أطلقها على خصوص الإمام الرضا (ع) كالملا هادي السبزواري في شرح الأسماء الحسنى ج1 ص42. ولم يبلغنا بل لم يخطر في بال أي مؤمن شيعي أن منزلة الإمام الرضا (ع) قد ارتفعت ونال الشرف بسبب إعطاء المأمون العباسي للإمام الرضا (ع) ولاية العهد حتى نتوهم أن زائر الإمام الرضا (ع) يريد هذا المعنى عند السلام عليه، إذ تشهد كتب التاريخ والحديث برفض الإمام الرضا (ع) تلك السلطنة الممنوحة من المأمون، ولو كان فيها شيء من الخير لما رفضها الإمام (ع)، ولكنه قبلها بعد أن وقع في التقية والاضطرار وضمن شروط جعلته سلطانا بلا سلطنة فعلية وكما جاء في الروايات!!! وقد يكون السر في إطلاق لقب السطان على الإمام الرضا دون غيره للإشارة إلى ذلك الرفض، فالسلطنة الحقيقية هي حق للإمام الرضا (ع) دون سواه ممن كان في عصره، ولا يضر تسلط الظالمين على أهل البيت (ع) في سلطانهم شيئا. كما أن من المحتمل أن يكون المقصود من السلطنة المشار إليها ما جاء في الرواية المعتبرة التي رواها الشيخ الصدوق عن الإمام الجواد (ع)وبين فيها أن سر اختصاص الإمام الرضا (ع) بلقب الرضا من بين بقية الأئمة لأنه قد رضي به الموافق والمخالف (عيون أخبار الرضا ج1 ص13 ح1)، فيكون كلمة السلطان إشارة إلى منزلة الرضا الطوعي من المحب والقهري من المخالف، وهذا الرضا والقبول كاشف عن المنزلة الحقيقية للإمام (ع)، لا أن القبول كان لأجل نصب المأموم ورضاه.