في ذكرى أربعينية الأستاذ التبريزي قدس سره

النص المقارب لما تم بثه على قناة الأنوار الفضائية ليلة عيد الأضحى من عام 1427هـ بمناسبة ذكرى أربعينية المرجع الديني الكبير الميرزا جواد التبريزي (قدس سره) ضمن برنامج "في ذكرى الأستاذ"، مع الإشارة إلى أن أغلب ما هو مكتوب هنا ينشر لأول مرة، وأن بعض ما فيه من خواطر مما لم أدركه شخصيا فقد سمعته مباشرة من بعض الثقات. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم من الأولين والآخرين الحديث عن الميرزا التبريزي رضوان الله تعالى عليه ونحن في ذكرى وفاته حديث متعدد الجوانب نظرا لتعدد الصفات الحسنة والنبيلة التي كان يتمتع بها، وحيث يتذكر الإنسان شخصيته يستذكر ما ورد عن النبي وأهل البيت (ع) في حق العلماء الربانيين الذين جعلوا رضا الله سبحانه وتعالى نصب أعينهم، فتفقهوا وضحوا وبذلوا أغلى ما عندهم من أجل الله، ولم تأخذهم في الله لومة لائم انتصارا للحق ودفعا للباطل والضلال، واستنقاذا لأيتام آل محمد (ع) من تشكيكات المنحرفين وتلبيسات المضلين. ومن جملة ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) في حق العلماء، قوله: [h]العالم حي وإن كان ميتا، الجاهل ميت وإن كان [/h]حيا، وبما تركه الميرزا التبريزي من علم غزير ومواقف جليلة للمذهب فإنه سيبقى حيا في القلوب وحيا في مقام العمل وإن فقدنا بدنه، [h]فالعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة [/h]، وكما جاء في الحديث المروي عن أمير المؤمنين (ع). (الخصال ص186 ح257) [t]التفقه في الدين[/t] لم يكن الميرزا التبريزي ليضطلع بهذا الدور الكبير الذي قام به في الدفاع عن المذهب ودفع الشبهات عنه لولا أنه كان مستندا على مستوى علمي كبير يؤهله لذلك، وهذا المستوى العلمي ناله بهمته العظيمة في معرفة الدين وأحكامه رغم الصعوبات التي تواجهه. الشيخ الوحيد الخراساني بعد التكبير الرابع في صلاة الميت وهو التكبير الذي يدعو فيه المصلي للميت بالمغفرة ذكر عبارة مهمة في حق الميرزا التبريزي، قال فيها: [e]"اللهم إنه صرف عمره في التفقه في الدين، وكفالة أيتام الأئمة المعصومين (ع) فاحشره مع أوليائه الأوصياء والشهداء والصديقين".[/e]وبالفعل فقد فرغ نفسه منذ التحاقه بمسلك الدراسة الدينية في مقتبل عمره المبارك للتفقه والدرس، حتى فترة كبر سنه، وهو يقول في وصيته التي تليت يوم دفنه: [e]"لم أكن طوال عمري سوى طالب علم، وكنت – مثل أي طالب شاب - أقضي ليلي ونهاري في تحصيل العلم كي أتمكن من تقديم خدمة صغيرة وأبقي أثرا وكتابا من بعدي يستفيد منه الطلاب الأعزاء".[/e] ويمكن الاستعانة لإظهار هذه الحقيقة ببيان بعض النماذج. 1 - ذكر الميرزا التبريزي أنه في سنة من سنين وجوده في النجف جاءته رسالة من أبيه في تبريز يقول له فيها إلى متى تبقى بعيداً عني، فعد إلى وطنك وأهلك في تبريز. يقول الاستاذ: تحيرت كثيراً ودخلني حزن، لأنني وجدت ضالتي في النجف، فكيف يمكن أن أتركها، ومن جانب لا يمكن أن أعصي والدي، فشكوت همي لاُستاذي الخوئي، فأجاب السيد: لا تهتم سوف أكتب كتاباً إلى عالم تبريز أطلب منه أن يذهب إلى والدك ويقنعه ببقائك بالنجف، وفعلاً كتب السيد ذلك وذهب العالم إلى والد الشيخ وعرض عليه رسالة السيد الخوئي، فقبل والد الشيخ على الفور. 2 - في أول سفر له إلى لندن للعلاج أوصاه الأطباء بحاجته إلى فترة من النقاهة والراحة، فألح عدد من المؤمنين في سوريا أن ينزل فيها للنقاهة والزيارة أيضا، ويكون في نفس الوقت مكسباً كبيرا للمؤمنين للتشرف بلقائه، لم يكن مقتنعا بمسألة النقاهة والراحة مع أن المؤمنين في سوريا بذلوا جهدهم ليحصلوا له على إقامة مريحة في إحدى البساتين القريبة من دمشق، وما أن فرغ من زيارة عقيلة الهاشميين زينب (ع) وبقية المزارات الطاهرة في دمشق حتى قفل راجعا إلى قم المقدسة بالرغم من الطلب الحثيث الذي قدمه المؤمنون إليه بالبقاء، وبالرغم من أن الفترة التي قدم فيها سوريا كانت فترة صيف ولم تكن فترة دراسة في الحوزة العلمية، ولكن حيث أن الميرزا التبريزي لم يكن يعرف معنى للتعطيل وكان يقضي وقته بالمطالعة وتأليف الكتب، فلهذا كانت همته في العودة إلى قم المقدسة، وعندما وصلها شارك على الفور في مسيرة شهادة الزهراء (ع) مشيا على الأقدام. [t]تبليغ الدين[/t] همه كان في تقوية عقائد المؤمنين وعامة الناس، وكان يقول في هذا الخصوص: [e]" احرصوا على أن لايكون العوام بعيدين عن مدرسة التشيع"[/e]. من أهم الملامح البارزة في حياة الميرزا التبريزي رضوان الله عليه أنه كان ذا تواصل مستمر مع عامة الناس لكي يزيل عما سمعوه من تشكيكات المشككين في مسلمات مذهب التشيع كعصمة الأنبياء (ع) أو المقامات المعنوية لأهل البيت (ع) أو شهادة الزهراء (ع) ومظلوميتها وغير ذلك من شبهات، وكان يقول: [e]"إن وظيفة الحوزات العلمية أن توصل مظلومية أم الأئمة لعامة الشيعة".[/e] في الفترة الأخيرة من حياته - وحينما ابتلي بمرض كان يعلم وبسبب إخبار الأطباء أنه سيفارق الدنيا من أجله- أهدي إليه العلم المرفوع على قبة الإمام الحسين (ع) في كربلاء، ولهذا العلم مكانة روحانية كبيرة في قلوب الشيعة فهو متبرك بالمقام الشريف والقبة النورانية للإمام الحسين (ع) حيث مهبط الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، لم يقل سأجعل هذا العلم لقبري وكما يفعله مثلي لو أهدي إليه مثل هذا العلم، ولكنه أهداه وقبل شهر تقريبا من وفاته للمؤمنين في إحدى المساجد في الكويت (مسجد أبي الفضل العباس عليه السلام) لكي يتبركوا به في ليالي القدر ويزدادوا تعلقا بأهل البيت (ع). من ذكرياتي الخاصة معه أنني بعد وفاة العالم الرباني السيد جواد الشاهرودي قدس سره وتعهدي بإمامة مسجد الإمام الحسين (ع) في دسمان كان الشوق إلى قم المقدسة وهي عش آل محمد عليهم السلام يدفعني إلى السفر إليها ضمن أسفار قصيرة مضافا إلى إنجاز بعض الأمور، فلاحظ سماحته هذا الأمر، وبطريق غير مباشر أوصل لي رسالة بأهمية الالتزام بموقع إمامة المسجد لتبليغ الدين والخدمة من ذلك الموقع، وكانت نصيحة التزمت بها لأنها وصية أب مشفق خبير. ومما ينقل عنه (رضوان الله عليه) في هذا المجال أنه كان يقول من الحسرات التي بقيت في نفسي أنني لم أوفق لأن أعمل كما عمل أحد مجتهدي مدينة يزد الإيرانية حيث كان يجوب القرى والمدن المحيطة بيزد، ويمكث في كل واحدة منها أسبوعا يعلم أهلها أصول العقيدة وأهم الأحكام كطريقة الوضوء والصلاة، وكان يستمر بهذه الطريقة حتى تحل السنة اللاحقة فيعيد الكرة بالتبليغ والتنقل من جديد بين القرى. [t]الزهد والبساطة[/t] كان يعيش حياة الزهد والبساطة، وبعض المؤمنين (ع) من أهل الكويت وصل ذات ليلة إلى منزله، والليل ليس ضمن الوقت المخصص لزياراته، ولكن هذا المؤمن أصر على الدخول عليه لمسألة شرعية ملحة عنده فأذن له الميرزا بذلك، وعندما دخل عليه كان وقت عشائه فرآه يأكل الخبز المغموس في اللبن. هذا النوع من الحياة كان منشؤه انصراف القلب عن التعلقات الدنيوية، ولهذا انعكس الأمر على مواقفه قدس سره، ونجده يقول في وصيته التي كتبها قبل أيام قلائل من وفاته: [e]" فإنني لم أعقد قلبي على الدنيا لكي أتلكأ وأتردد في أداء وظيفتي"[/e]، فكانت له بالفعل مواقف صلبة قدمت الخدمات الجليلة للمذهب والدين. [t]الاحتياط في صرف الأموال[/t] كان يتعامل مع الحقوق الشرعية من موقع المؤتمن عليها لإيصالها إلى أصحابها المستحقين، ومن ثم كان كثير التشدد والتدقيق فيها، وعلى سبيل المثال بقي إلى فترة طويلة بلا سيارة وضمن بيت صغير متواضع جدا في منطقة "يخجال قاضي" في قم كان قد جعل سردابه مكتبا له أيضا، إلى أن تبرع بعض المؤمنين الخيرين من منطقة القطيف بشراء سيارة له وبناء منزل صغير مجاور لمنزله القديم، فتم ربط سردابي المنزلين وتمت توسعة المكتب أيضا. في سفر علاجه قبل 3 سنوات لم يرض أن يسافر للعلاج من الحقوق الشرعية، وقال: بأي حق اختص من بين بقية الطلبة بذلك، حتى تبرع أحد المؤمنين الخيرين من بيت الفرج بتكاليف السفر، ونفس الأمر تكرر في مرض وفاته، فإن أحد الخيرين من عائلة الخباز تبرع بتكاليف العلاج. قبل وفاته (قدس سره) بأسبوع تقريبا سافرت لمدة 3 أيام إلى طهران بغرض تفقد حالته الصحية والتشرف بلقائه إذا كان وضعه الصحي يسمح بذلك، وصلت إلى قم بعد الظهر من يوم الثلاثاء 22 شوال 1427هـ الموافق لـ 14 / 11 / 2006م واتصلت بنجله أخينا العزيز فضيلة الشيخ جعفر فتبين لي أنه في المكتب في قم، ذهبت إلى المكتب فورا وكان بجواره آلة تسجيل فيها بعض الاسطوانات (السيديات) كان يعدها لأن والده كان قد طلب منه إحضار ما احتوى منها على الرثاء والأدعية ليستمع إليها وهو في سرير المرض. أخبرني الشيخ جعفر أن والده سيصدر بيانا مهما بمناسبة شهادة الإمام الصادق (ع)، وأنه قد قام بكل الترتيبات المطلوبة لتقسيم الحقوق الشرعية بعد وفاته، حيث خصصها لتكون شهرية (راتب) لطلاب الحوزة العلمية لمدة شهرين، ولكنه مع ذلك أوصاه بلقاء أحد كبار المراجع في قم (سماه لي باسمه) ليأخذ منه إجازة في التصرفات المالية فيما تبقى من حياته، وذلك لأنه يشترط علم المجتهد في صرف المال وهو يقول أنا لا علم لي الآن بطريقة الصرف، يقول الشيخ جعفر: قلت لوالدي: نحن لانقوم إلا بما تطلب منا فعله وبموا يتوافق مع رأيك، فقال: ولكن مع ذلك فاذهب إلى ذلك المجتهد وخذ إجازة منه، وأخبرني الشيخ جعفر أن هذا الأمر هو سبب قدومه إلى قم، وأن لقاءه مع ذلك المجتهد سيعقد هذه الليلة أي مساء يوم الثلاثاء 22 شوال. في اليوم التالي ذهبت أنا وأحد أساتذتي إلى طهران لتفقد الميرزا التبريزي (قد) في طهران، حيث كان يرقد في مستشفى "كسرى" الواقع قرب ميدان "أرجنتين" ، وللأسف لم أحظ بشرف لقائه لمنع الأطباء من ذلك ولكنني حظيت بقطعة قماش قد تبركت به، وأخبرني الشيخ جعفر في المستشفى أن والده قد سأله عما جرى فيما أرسله إلى قم، فيقول: أخبرته أنني قد أخذت الإذن من أحد المجتهدين الكبار كما طلب، فسكنت نفسه لهذا الفعل. [t]الشعائر الحسينية[/t] في وصيته التي تليت في صحن فاطمة المعصومة عليها السلام بعد الصلاة عليه أوصى المؤمنين بحفظ الشعائر الحسينية وقدم لها بالقول: [e]" فإن لدي نصيحة متواضعة، وأنا الذي سعيت طوال عمري أن لا أقدم نصيحة إلى أحد قبل أن أعمل بها"[/e]، ثم قال: "يجب على جميع المؤمنين أن يدافعوا عن مسلمات المذهب الحق بأرواحهم [e]وأنفسهم، وأن لايسمحوا بتاتا للبعض بتضليل وخداع عوام المؤمنين بإلقاء الشبهات عليهم، خصوصا في مسألة الشعائر الحسينية التي كان التشيع محفوظا بها. إن حفظ شعائر أهل البيت عليهم السلام لهو حفظ لمذهب الحق مذهب التشيع، فلا تقصروا في ذلك لأنكم مسؤولون عنه"[/e] . وفي بيانه الذي أصدره بمناسبة شهادة الإمام الصادق (ع) وهو على سرير الموت وهو بمثابة وصية للمؤمنين وخاصة طلاب العلوم الدينية أكد على: [e]"ترويج الشعائر الحسينية المعروفة لدى الطائفة المحقة لإبقاء مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) متجددة على مر العصور، وعدم فتح المجال للمشككين في هذه الشعائر والمحاولين لتغييرها وتبديلها أو محوها".[/e] لم يكن يوص بالشعائر ولكنه كان يطبقها أولا على نفسه، فهو الأنموذج الحي الذي يجسد الشعائر. كان كثير البكاء في عزاء الأئمة المعصومين (ع) وخاصة في عزاء الزهراء (ع) والإمام الحسين (ع)، وكان في كثير من الأحيان لشدة جزعه لا يلتفت إلى نفسه فتسقط عمامته من فرط البكاء، وكان بكاؤه يبكي الحضور. وكان يقود الجموع نحو حرم المعصومة في شهادة الزهراء (ع) والإمام الصادق (ع) وهو حاف باك لاطم على الصدر. وكان يلبس السواد طوال شهري محرم وصفر، ويوصي بلبسه، يحدثني أحد أساتذتي قائلا: كنت على موعد مسبق مع سماحته في قضية ما، فذهبت إلى مكتبه وكان لوحده جالسا مشغولا بكتبه، وكان ذلك اليوم من الأيام المشكوك كونها من آخر صفر أو أول ربيع الأول، واعتمدت أنا على التقويم ولم ألبس السواد، بينما كان سماحته لابسا للون الأسود، عندما رآني قال لي: اذهب إلى منزلك وارتد الملابس السوداء وسأنتظرك حتى تعود، يقول: امتثلت طلبه وبالفعل رجعت إليه وأنهيت معه ما جئت لأجله. إن هذا النوع من التعامل مع واحدة من أنماط الشعائر الحسينية أي لبس السواد يكشف عن مدى أهميتها وأنها موضع رضا الله سبحانه ورضا رسوله (ص) وأهل بيته (ع). [t]مظلومية زينب ورقية عليهما السلام[/t] في سفر الميرزا التبريزي إلى لندن للعلاج كان طريق عودته إلى إيران عبر الشام نظرا لشوقه الشديد لزيارة السيدة زينب (ع) والسيدة رقية (ع)، أعد المؤمنون كل الاستعدادات للزيارة وكان المؤمنون يترقبون هذه الزيارة، فوفد إلى منطقة السيدة زينب العشرات من المحبين ومنهم كبار العلماء بعد معرفتهم بموعد القدوم من لبنان والقطيف والكويت، وقد أراد المؤمنون أن يحتفوا بقدوم الميرزا التبريزي (ع) عبر مرافقته في الزيارة، هنا شعر الميرزا التبريزي أن هذه الطريقة من مرافقته ستصرف الأنظار عن مولاتنا زينب (ع) وهي المفجوعة المظلومة. يخبرني مسؤول مكتب الميرزا التبريزي في الشام أخونا العزيز الشيخ عباس الهزاع أن الميرزا التبريزي قال: [e]لو أن أحدا رفع صوته بطلب الصلوات (من باب إظهار الاحترام) فإنني سأرجع، ومن أنا؟! وهذه مولاتنا زينب؟! أيصح أن تعقد الصلوات في حضرتها لغيرها؟[/e] وفي دخوله لمقام مولاتنا زينب (ع) مشى حافيا إظهارا للخضوع أمام عظمة مولاتنا الصديقة الصغرى زينب بنت أمير المؤمنين (ع). وعندما زار السيدة رقية بنت الإمام الحسين سجل ضمن عبارات مختصرة استدلالا وافيا على ثلاثة نقاط وهي: صحة مدفنها والحكمة الربانية من ذلك وعظم منزلتها، فاستدل على صحة موضع الدفن (ع) بقوله أن هذا أمر مشهور، والشهرة في الموضوعات الخارجية كافية في الأخذ بها في كثير من الموارد، ومن جملة الموارد التي استشهد بها رواية في بيع الوقف، ورد فيها الإمام المعصومك (ع) البيع من جهة شهرة كونه وقفا بين الناس، ومن جملة الموارد: حدود منى وعرفات والمزلفة، فيكفي فيها بالشهرة، ومن جملتها مراقد وقبور الأشخاص وخاصة المشهورين منهم كالسيدة رقية بنت الحسين (ع). وأما الحكمة في ذلك فهو أن الإمام الحسين (ع) أبقى أثرا في الشام كي لا يأتي الناس من بعد وينفوا قصة سبي الأسرى إلى الشام، وكذلك إثبات أن الأسر شمل حتى الأطفال. وأما في خصوص منزلتها فقد حذر من الأقوال الفاسدة التي تقول لماذا تزورون طفلة؟! وما شأنها؟؟ فقال مجيبا: [e]إن عظمة هذه الطفلة يظهر في أنها شاهد على ظلامة أهل البيت (ع)، ومن يكون شاهدا على الظلامة يكون عظيما عند الله سبحانه وتعالى، ولهذا فإن الإمام الحسين (ع) احتج على قومه بالرضيع (ع)، وجعله مدفنه بجواره، وهذا الرضيع سيكون شافعا للناس يوم القيامة، وهكذا الأمر في مولاتنا رقية (ع). [/e] [t]علاقته بصاحب الزمان عجل الله فرجه[/t] في وصيته لتلامذته يقول: [e]"أيها الأعزاء إن دفة هداية الناس بأيديكم فلا تقوموا بعمل يؤلم قلب صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، فهو ناظر على أعمالنا بإذن الله تعالى، ومن هذا المكان أرجو من وجوده المبارك أن يعفو عني إن كان قد صدر مني أي تقصير".[/e] أحد تلامذة الميرزا التبريزي واسمه آقاي معجزاتي يقول إنني كنت ناويا للسفر إلى خارج قم في الأيام التي كان الميرزا التبريزي راقدا فيها في المستشفى بطهران ولكنني رأيت في عالم الرؤيا أن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف يصلي على جنازة الميرزا التبريزي رضوان الله عليه، فعلمت أنه سيتوفى عن قريب فلم فأجلت سفري، وبالفعل بعد يومين من منامي توفي الميرزا التبريزي (قد). [t]المؤمن ينظر بنور الله[/t] روى البرقي بسند صحيح عن سليمان الجعفري، وكذا رواه الصفار بسند صحيح آخر عنه أنه قال: قال لي أبو الحسن الرضا (ع):[h] يا سليمان، إن الله تبارك وتعالى خلق المؤمن من نوره، .... فاتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله الذي خلق منه.[/h] (المحاسن ج1 ص131 ح1، بصائر الدرجات ص100 باب 11 ح1، وكذلك روى الكليني مضمونه بسند صحيح عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (ع) فراجع الكافي ج1 ص218 ح3، والحديث مروي في كتب أهل السنة عن رسول الله (ص) بأسانيد معتبرة فراجع مجمع الزوائد ج10 ص268) وبطبيعة الحال فالفراسة الكاملة هي للمؤمنين الكاملين وهم النبي والأئمة الطاهرين عليهم أفضل الصلاة والسلام، وبقية الناس قد يحظون بمقدار من الفراسة على قدر إيمانهم، وقد حظيها نفر من أصحاب الأئمة (ع) وعلمائنا الأبرار في موارد معينة، والأمر بذلك متواتر إجمالا، ومن جملة من نقلت في حقه بعض القصص التي تشير إلى ذلك الميرزا التبريزي (قد). كانت عادة الميرزا التبريزي (رض) أنه يخرج منزله كل ليلة بساعة ونصف تقريبا قبل أذان الفجر متوجها نحو حرم المعصومة عليها السلام، فيزور المعصومة (ع) ويصلي صلاة الليل ثم يتوجه إلى مسجد الإمام الحسن العسكري (ع) ويصلي صلاة الفجر هناك، وفي طريق عودته إلى منزله يمر بمخبز سنكك (وهو الخبز الإيراني المعروف الذي يصنع على الحصى الحارة) يقع على بعد أمتار قلائل عن يمين مدخل المدرسة الفيضية، وبعد شراء الخبز يتوجه إلى بيته، وذات يوم وهو في طريق عودته إلى المنزل مر على الخباز وقال له: [e]"أنت نجس"[/e]، ثم انصرف من دون أن يشتري منه الخبز. استغرب الخباز من هذا الموقف، ثم تذكر أنه كان قد حقن نفسه بإبرة وأن سرواله نجس بسبب الدم، وكما تعلمون فإن يد خباز الـ "سنك" تكون في هذه الحالة عرضة للنجاسة نظرا إلى استعماله الماء الذي يوضع على الخشبة التي يوضع عليها عجين السنكك قبل وضعه في الفرن، ومضافا إلى العرق الذي يصب من الخباز بسبب حرارة الجو في المخبز. لم يكترث الخباز أول الأمر بعدم شراء الميرزا التبريزي، ولكنه بعد فترة قال: كيف أعطي الناس الخبز وما زلت نجسا، فطهر نفسه وثوبه، يقول الخباز: بعد أن طهرت نفسي في اليوم الخامس جاء الميرزا التبريزي ليشتري مني الخبز في صباح اليوم السادس. قصة أخرى في فراسته وهي ما نقله الشيخ أمين (أحد تلامذة الشيخ الوحيد الخراساني) حيث قال: كنت في ضائقة مالية شديدة لم أعرف كيف منها المخرج، وذات ليلة وقبل الفجر سمعت طرقا على الباب، فتوجهت وإذا بالميرزا التبريزي، سلم علي وسلمني كيسا فيه المال، ثم توجه نحو الحرم، ذهلت لهذا الأمر إذ لم أفش الأمر، فسألت زوجتي: هل اشتكيت للميرزا التبريزي حالتنا، فقالت: كلا، ولكنني توجهت إلى السيدة المعصومة واشتكيت لها الحال وقلت لها إن كلب أهل الكهف له نصيب وحظ بسبب انتسابه إلى أهل الكهف فلايكون نصيبي أقل منه، وقد قضيت حاجة هذه المؤمنة على يد الميرزا التبريزي ببركة التوسل بكريمة أهل البيت فاطمة المعصومة عليها السلام. [t]من كلماته المأثورة:[/t] [e]"إن سفرة القيامة تفترش بالبكاء على الإمام الحسين (ع)". "عندما كان الإمام الصادق يقول: "رحم الله من أحيا أمرنا" فإن مصداق إحياء أمرهم هو إحياء عاشوراء الحسين (ع) ومظلومية أمه الزهراء (ع)". "يجب على الشيعة أن يهتموا بأحاديث الأئمة (ع) بأكثر مما نحن عليه اليوم". "إن الكتاب والقرآن بدون الحديث لهو ضلال وانحراف". "إذا لم تتعلم التقوى من أمير المؤمنين (ع) فإنه سيقودك إلى التصوف والزهد المنفي، وكلاهما ضلالة".[/e] [t]القلم الذي أسقطه المرض[/t] فقيدنا العزيز كان ذا همة عالية في أمر التأليف وخدمة الدين وخاصة فيما يرتبط بحاجة الناس في أجوبة استفتاءاتهم الفقهية والعقائدية، وبالإضافة إلى ما ذكرته في برنامج سابق عن مؤلفاته المطبوعة فإن هناك جملة من المؤلفات قد أعدت للطباعة وهي: 1 – كتاب الديات. 2 – كتاب الصوم. 3 – كتاب الخمس. 4 – كتاب الزكاة. 5 – الأنوار الإلهية الجزء الثاني. 6 – صراط النجاة الجزء 11. 7 – كتاب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). 8 – كتاب عن فاطمة الزهراء (ع). 9 – دورة رجالية في طبقات الرجال المعد منها 3 أجزاء، والمتوقع أن تنتهي في 30 مجلدا، وقد اعتمد فيها الميرزا التبريزي على بعض النسخ الخطية، وهذا مما يزيدها قيمة. كان قبل انتقاله إلى طهران بفترة وجيزة يجلس مجلس الاستفتاء بالرغم مما كان يعانيه من المرض وتبعاته وكان يجيب على أسئلة الناس، ثم كان يأخذ قسما منها إلى منزله ليكمل إجابتها، وفي إحدى المرات وفي الأيام الأخيرة من تواجده في قم وقبل انتقاله إلى طهران حيث توفي هناك، وحينما كان مشغولا بالكتابة سقط القلم من يده بسبب ما أصابه من ضعف المرض، فتحسر على هذا السقوط، هذا القلم الذي كان به ينشر علوم أهل البيت (ع) ويدافع عن مذهبهم، فردد بيتين من الشعر الفارسي وهما مطلع قصيدة لأحد شعراء تبريز المعاصرين، وهو السيد محمد حسين بهجت المعروف بشهريار والمتوفى سنة 1988م والمدفون في مقبرة الشعراء في تبريز، ويبدو أنه كتبها في أواخر حياته، يقول فيها: پيرم و گاهي دلم ياد جواني مي كند * بلبل شوقم هواي نغمه خواني مي كند همتم تا ميرود سازغزل گيرد به دست * طا قتم اظهار عجز و ناتواني مي كند وترجمة البيتين: عجوز وقلبي يتذكر أحيانا أيام الشباب * وطائر شوقي يهوى أنشودة يترنم بها وكلما حلقت همتي لتمسك بنغمة الغزل * فإن قوتي تظهر العجز والفشل [t]التشييع العظيم[/t] في يوم تشييعه كانت معالم الحزن حاكمة على الوجوه، وعطلت الأسواق وخرجت الجماهير في تشييع ناهز المليون أو أكثر، وهي تتوشح السواد إعلانا للحداد، وهي تهتف في شعاراتها بالتبجيل للميرزا التبريزي باعتباره المدافع عن حياض الإمامة والمضحي لإثبات أحقيتهم وظلامتهم. شارك في التشييع كبار العلماء والمجتهدين والمراجع، وكان تشييعا عظيما لم تشهد له مدينة قم مثيلا فقد شارك فيه ما يناهز المليون أو يزيد، وقد امتلأت الشوارع من ميدان مطهري وحتى الحرم المطهر مرورا بجسر الحجتية وميدان الشهداء. وصلى عليه الشيخ الوحيد الخراساني ورزقه الله الدفن بجوار مولاتنا فاطمة المعصومة بنت موسى بن جعفر (ع)، وذلك بجوار قبر الشيخ الأراكي (قد). فرضوان الله تعالى على فقيدنا العزيز وحشره الله مع الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع).