الميرزا التبريزي قدس سره وجهاده العلمي

ما بين يديك أخي العزيز وأختي العزيزة عبارة عن النص المكتوب والمقارب لما تم تقديمه في قناة الأنوار في أوائل ذي القعدة 1427هـ بمناسبة وفاة المرجع الديني آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي (قدس سره)، وقد تم التركيز فيه على البعد العلمي في حياته. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف بريته محمد وعلى آله الغر الميامين. عظم الله أجوركم بوفاة فخر العلماء والمجتهدين، والمدافع عن أهل البيت (ع)، ناصر الزهراء (ع) المرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي رضوان الله تعالى عليه. بداية أحب أن أذكر الأخوة المؤمنين والأخوات المؤمنات بأن ما سأعرضه بين يديكم هو حصيلة ما استطاع بعض تلامذة الميرزا التبريزي من تحصيله واصطياده عن حياته المباركة من خلال مشاهداتهم أو تسجيل ملاحظاتهم ممزوجة بالقليل مما لدي من خواطر، أما سماحته فكان لبعده عن الدنيا والظهور يحجم عن كتابة شيء عن حياته، وهناك كتاب بالفارسية اسمه "كنجينه دانشمندان" أي كنز العلماء في ثمان مجلدات، وقد جمع فيه تراجم العلماء، يقول مؤلفه الشيخ محمد شريف الرازي بأنه طلب مرارا من الميرزا التبريزي أن يكتب عن حياته شيئا ليضعه في كتابه ولكنه كان يرفض ذلك. [t]مولده ونشأته: [/t] ولد الميرزا جواد التبريزي قدس سره في سنة 1345 هـ.ق في مدينة تبريز، وكان والده الحاج علي من تجار تبريز المعروفين بالصلاح والتقوى، فنشأ في أسرة كريمة مفعمة بمحبة أهل البيت (ع). وحينما بلغ السادسة من عمره دخل المدرسة الأكاديمية رغم صعوبة وتكلفة الدخول في المدارس الحديثة في ذلك الوقت، ولكن ولشدة اهتمام والده به أدخله فيها مما ساعده على نمو فكره واطلاعه على بعض العلوم الحديثة كالرياضيات والهندسة وغيرها. [t]دراسته الحوزوية:[/t] ثم إنه وبعد إكماله الدراسة العصرية فيها ونظراً لعشقه لطلب العلم وطموحه إلى المعالي أخذ يقرأ بعض المتون في الصرف والنحو والمنطق والبلاغة، تارةً عند أحد المشايخ، وأخرى يقرأ هو بنفسه، وقد فاتح أباه في أن يأذن له بالالتحاق بركب الحوزة، ولكن لصعوبة الظرف المعاشي والسياسي لأهل العلم إبان الحرب العالمية الثانية، لم يأذن له والده في ذلك إشفاقاً منه عليه. وقد عرض عليه والده أن يشركه معه في تجارته، ولكن الميرزا التبريزي رفض ذلك مما جعل أباه يذعن إلى طلبه فأذن له في ذلك، فكانت فرحةً عظيمة في نفسه. [t]الميرزا التبريزي خريج ثلاث حوزات علمية عامرة:[/t] يمكن تقسيم المسيرة العلمية للميرزا جواد التبريزي (قد) في أربعة مراحل، كل مرحلة منها مرتبطة بمدينة معينة: 1 – تبريز: درس فيها المقدمات والسطوح عدة سنوات حتى بلغ التاسعة عشرة من عمره. 2 - قم المقدسة: درس فيها البحث الخارج في الفقه والأصول لمدة 7 سنوات حتى بلغ 26 عاما، وكان يدرس خلالها السطوح العالية أيضا. 3 - النجف الأشرف: فقد واصل فيها دراسة البحث الخارج، وكذلك وتدريس السطوح العالية ثم البحث الخارج فترة من تواجده هناك، واستغرقت هذه المرحلة 22 عاما حتى بلغ 48 عاما. 4 – قم المقدسة: حيث عاد إليها عاد إليها وبقي فيها مشغولا بتدريس البحث الخارج في الفقه والأصول لمدة 34 عاما حتى توفي عن عمر يناهز 82 عاما، وكانت مرجعيته الدينية خلال هذه الفترة وبعد وفاة أستاذه السيد الخوئي في شهر صفر من عام 1413هـ. [t]الدراسة في تبريز:[/t] التحق بالحوزة العلمية في تبريز وكانت حوزةً عامرة آنذاك، وأخذ حجرة في المدرسة الطالبية وكان زميله في الحجرة المرحوم العلامة الشيخ محمد تقي الجعفري (قدس سره) والذي كان يكبره بأربع سنين تقريبا،ً وشرع في قراءة الشرائع واللمعة والمعالم والقوانين والمطول وأتمّ السطوح عند علماء وفضلاء تبريز. وكان عفيف النفس شريفها، فلم يكن يظهر ما به من عوز واحتياج إلى أحد وإن كان أقرب الناس إليه، حتى والده بالرغم من أن اشتغال والده بأمر التجارة كان يسمح له بتحسين حالته، وقد حدث ذات مرة بعض تلامذته وخواصه حينما يراهم منزعجين من أمور الدنيا وقال لهم: إنه مر علي يومان أنا والشيخ الجعفري لم نذق فيهما طعاماً حتى ضعفنا من الجوع، ولما جاء يوم الجمعة وبعد الظهر جاء أحد التجار إلى المدرسة وأعطى للطلبة مالاً لصلاة الوحشة، يقول فأخذت شيئاً من ذلك المال وذهبت إلى السوق فوجدته مقفلاً، وبعد فحصٍ عثرت على طعامٍ بائت فاشتريته وأعددته بنفسي وأكلنا. الهجرة إلى قم المقدسة وبعد إكماله السطوح وبعد عام واحد أيضا من استقرار السيد البروجردي في قم توجه الميرزا التبريزي نحو قم في أوائل عام 1464 هـ وأخذ حجرة في مدرسة الفيضية، فحضر أولاً عند آ ية الله العظمى المرحوم السيد محمد الحجة الكوه كمري فقهاً واُصولاً، ولمدة أربع سنين، وحضر عند الفقيه آية الله آغا رضي الزنوزي التبريزي (والذي كان من تلامذة الآخوند الخراساني) أربع سنين أيضاً في الفقه ، وأيضاً لازم من حين وصوله إلى قم درس المرجع الكبير السيد البروجردي فقهاً واُصولاً ولمدة سبع سنين، وهي مدة إقامته في قم المقدسة. وبدأ خلال هذه المدة بتدريس المقدمات ثم شرع بتدريس كتب السطوح مثل كتاب اللمعة والمعالم والقوانين والرسائل، وكان يحضر عنده عدد كبير من الفضلاء. ويقول أحد زملاء الميرزا التبريزي في السكن في الفيضية: " كنا نتمنى مكالمته لكي نستفيد منه، وكنت أجلس قريباً من حجرته عله يخرج فأسأله عن مسألة في النحو أو الفقه أو غير ذلك، وكنت إذا سألته يجيبني ويشرح لي بترحاب صدر وتبسم، وكنت أرى نور حجرته مضيئاً إلى ساعات متأخرة من الليل، مشغولاً فيها بالمطالعة والكتابة، فيزيدني ذلك همةً ونشاطاً ". [t]التاجر والميرزا التبريزي:[/t] ونقل عن الميرزا التبريزي (قد) أنه قال: " كنت جالساً في ساحة المدرسة اُفكر في كيفية الذهاب إلى النجف، وإذا برجل على رأسي وقد بان عليه أنه من التجار، وكان يأتي في السابق إلى المدرسة حباً منه لأهل العلم، والظاهر أنه كان يتابع نشاطي العلمي ويسأل عني من دون وجود علاقة بيننا. جاء هذا الرجل وسلّم وقال: ما لك متفكراً؟ وجلس إلى جنبي، فقلت له: أفكر في الذهاب إلى النجف، فقال: وما يمنعك من الذهاب؟ فأجبته: يمنعني أن السفر ممنوع وخصوصاً للشباب، وكان ذلك إبان رجوع الشاه بعد سقوط حكومة مصدق، فقال الرجل : لا عليك، أعطني صورك وبعض المعلومات واترك الأمر لي. ذهب الرجل، فما مضى يوم واحد حتى عاد ومعه جواز سفر إيراني رسمي قد هيأه عن طريق بعض أصدقائه وعلاقاته، وقال له: هذا جوازك، فهيئ نفسك غداً للسفر إلى العراق. وفي الصباح جاء إليه وذهبا معاً إلى قريب من مدرسة الحجتية اليوم، وكانت تعتبر آخر قم في ذلك الوقت، وقريب منها يوجد موقف للسيارات التي تذهب إلى العراق، فاستأجر له كرسياً في سيارة صغيرة مع ثلاثة أشخاص، وأعطاه متاعاً للسفر وودعه، فشكر له الشيخ جميله ودعا له كثيراً. الطريف في الأمر ما نقل عن الميرزا التبريزي أنه ذكر أنه بعدما مضى له في النجف سبعة أشهر أو ثمانية وفي ذات يوم في عصر الجمعة كان ذاهباً إلى مقبرة وادي السلام فلم يشعر إلا وسيارةً تمر من أمامه مسرعة فذهبت مسافة ورجعت إليه، وفُتح بابها وخرج منها شخص وأقبل نحو الشيخ فنظر إليه وإذا هو رفيقه الذي ساعده في السفر إلى النجف وهيأ له الجواز، ففرح بلقائه وجاء به إلى غرفته وكان قد جاء إلى الزيارة، وبعد فترة استراحته، قال له التاجر: إنه آن الأوان أن تتزوج وتستقر، وفعلاً تم الزواج من امرأة صالحة بتبرع هذا التاجر بمصاريف الزواج، وكان ثمرة هذا الزواج المبارك ثلاثة ذكور وأربع بنات، وابنه الأكبر هو طبيب في الجلديات، والثاني هو فضيلة الشيخ جعفر الذي كانت له أتعاب كثيرة في الاهتمام بشأن والده وفي تسيير وتسهيل الكثير من الأمور المرتبطة بإدارة المرجعية. وغرضي من نقل هذه القصة هو كيف حظي هذا المؤمن التاجر بشرف دعم دراسة أحد طلبة العلم الذي أصبح من بعد أحد أبرز مراجع الدين الذين خدموا التشيع، ويعلم الله عز وجل كم سيكتب الله عز وجل له من الأجر والثواب جراء ذلك العمل. [t]الهجرة إلى النجف الأشرف[/t] بعد وصول الميرزا التبريزي إلى النجف في حدود سنة 1371هـ توجه فوراً إلى زيارة أميرالمؤمنين عليه السلام، ثم نزل ضيفاً على صديقه المرحوم الشهيد آية الله الشيخ ميرزا علي الغروي التبريزي قدس الله نفسه الطاهرة، الذي كان قد سبقه بثلاث سنين في الهجرة إلى النجف، فنزل عليه ضيفاً في غرفته بمدرسة الخليلي، ثم تهيأت له غرفة في مدرسة القوام الواقعة خلف مسجد الطوسي. وبعد وصوله إلى النجف ذهب إلى درس السيد الخوئي قدس الله نفسه، وكان السيد يلقي بحثاً في الاُصول بعد صلاة المغرب والعشاء في مسجده الذي يقيم فيه صلاة الجماعة، والمعروف بمسجد الخضراء، وكان البحث في تلك الجلسة حول مسألة أصولية، وهي وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية، واستدل فيها السيد الخوئي بعدة من الأدلة ومن جملتها رواية لزرارة بن أعين، فجاءه الميرزا التبريزي إلى مجلسه وعرض له إشكالا علميا حول تمسكه بالرواية، فقبل منه السيد الخوئي ذلك وقال له: : أحسنت، الحق معك. وقد أعجب السيد الخوئي بهذا النبوغ العلمي للميرزا التبريزي فقال في اليوم التالي من تلك المناقشة وهو يحدث الشيخ محمد علي التوحيدي التبريزي صاحب مصباح الفقاهة رحمه الله: "سيكون لهذا الرجل شأن ومستقبل زاهر، وقال في حقه أيضا في مناسبة أخرى: "إنه فاضل مجتهد مطلق". اختص الميرزا التبريزي بدرس السيد الخوئي، وكان ملازما لدرسه فقهاً واُصولاً ولمدة تسع سنين، كما طلب منه السيد الخوئي حضور جلسة الاستفتاء التي لا يحضرها أحد إلا بإذن خاص منه، وكان من المشتركين بالجلسة جمع من العلماء مثل: السيد محمد باقر الصدر، الشيخ مجتبى اللنكراني، الشيخ صدرا البادكوبي، والشيخ الوحيد الخراساني، والسيد السيستاني، والشيخ علي أصغر الأحمدي الشاهرودي، وبقي في مجلس الاستفتاء أكثر من عشرين سنة، ولهذا كان على اطلاع تام بمباني السيد الخوئي وفتاواه. وقد أطلق عليه السيد الخوئي لقب "الميرزا"، وهو في عرف الأتراك يطلق على الرجل الكثير العلم، فاشتهر به. [t]التدريس:[/t] بقي الميرزا التبريزي مواصلاً للبحث في النجف وأخذ اسمه يزداد شهرةً بالفضل، وأخذت حلقة درسه تتسع، وكان يدرس كتب السطوح العالية، فكان يرقى منبر أستاذه الخوئي في مسجد الخضراء ويلقي درس كفاية الأصول وغيره من كتب السطح على ما يقارب المائتين طالب، وهذا الرقم كان يعد في النجف آنذاك كبيرا. توفي السيد الحكيم (قدس سره) عام 1390هـ ، وبعد وفاته بعام واحد شرع الميرزا التبريزي في تدريس الخارج (وهي أعلى المراحل الدراسية في الحوزة العلمية) في حقل علم الفقه على مكاسب الشيخ، وفي حقل علم الاصول من أول مباحث الأصول والتي تبدأ بمباحث الألفاظ، وقد بارك له أستاذه السيد الخوئي تلك الخطوة، واستمر في التدريس حتى سنة 1393هـ حيث قرر العودة إلى إيران، وذلك للمضايقات التي تلقاها العلماء الإيرانيون من قبل النظام البعثي. وفي قم شرع في درسه في البحث الخارج على كتاب المكاسب وكذلك خارج الاصول في بيته، ومن ثم في مسجد (عشق علي)، ولما كثر تلاميذه انتقل إلى حسينية أرك القريبة من داره إلى أن كثر حضار الدرس كثرةً لا يسعهم المكان فانتقل وقبل أكثر من 12 عاما إلى المسجد الأعظم، وأصبح درسه هو الأكثر حضورا من جملة دروس البحث الخارج حيث زاد حضور درسه - من العلماء وفيهم المجتهدون - عن ألف شيخ، وقد شرع في المسجد الأعظم بتدريس البحث الخارج على متن العروة الوثقى، وقد فرغ من مباحث الاجتهاد والتقليد والطهارة، وقسما كبيرا من مباحث الصلاة حتى وصل إلى مبحث الخلل في الصلاة في السنة الأخيرة من حياته، كما أنه خصص يوم الأربعاء من كل أسبوع لتدريس القصاص والحدود والتعزيرات نظرا للحاجة الماسة في هذا المجال، وكان تلبية لبعض تلامذته المشغولين في مجال القضاء. أما درس الأصول فقد درس ثلاث دورات كاملة فيه وكان مشغولا بالدورة الرابعة حين وافته المنية. وكان درسه يمتاز بالدقة والإحاطة بالمباني العلمية، وإيفاء الأدلة ونقوضها حقها، وقوة الاستدلال، والتركيز في البحث من دون تشتيت وتطويل، وبشكل يكون من تأمل قد حصل الجواب على الآراء الأخرى التي تخالفه. [t]أهم مؤلفاته:[/t] 1 – في الفقه العملي: رسالته العربية المسائل المنتخبة، منهاج الصالحين في مجلدين، رسالته الفارسية توضيح المسائل، صراط النجاة في عشر مجلدات، مناسك الحج، أحكام النساء في الحج والعمرة. 2 – في الفقه الاستدلالي: تنقيح مباني العروة الوثقى في أربع مجلدات وقد بحث فيها مباحث الاجتهاد والتقليد وقسما من مباحث الطهارة، التهذيب في مناسك الحج في مجلدين، أسس القضاء والشهادة، أسس الحدود والتعزيرات، كتاب القصاص، إرشاد الطالب إلى المكاسب في أربع مجلدات ، وهي تعليقات على كتاب المكاسب المحرمة والبيع والخيارت للشيخ الأنصاري، رسالة مختصرة في لبس السواد. 3 – في علم الأصول: دروس في علم الأصول في خمس مجلدات وهي عبارة عن دورة أصولية كاملة. 4 – في علم الرجال: كان يستغل فترة الصيف الحارة حيث تتعطل الدروس في الحوزة بالذهاب إلى أطراف قم وفي منطقة كهك وفي بعض البساتين، وكان مشغولا ولعدة سنوات لتدوين موسوعة رجالية ضخمة، ولكنها للأسف لم تتم حيث وافته المنية. 5 – في العقائد: الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية، اعتقاداتنا، رسالة نفي السهو عن النبي (ص)، رسالة مختصرة في النصوص الصحيحة على إمامة الإئمة الاثني عشر (ع)، ظلامات فاطمة الزهراء، الشعائر الحسينية، تنزيه الأنبياء، عبقات ولائية. والملاحظ في مجموع كتبه أنه كتبها بخط يده، ولم تكن تقريرات من قبل تلامذته، مع أنه كان في تلامذته الفضلاء والمجتهدون مما يعطي لتلك المؤلفات قيمة أخرى باعتبار أن التقرير قد لايكون بالدقة التي يطرحها من قرر له الدرس. وباستثناء رسالة مختصرة في النصوص الصحيحة الذي كتبه أحد تلامذة الميرزا التبريزي واطلع عليها سماحته فإن الكتب الأخرى كلها من تأليفه. [t]مرجعيته:[/t] عندما تصدى للمرجعية بعد وفاة أستاذه السيد الخوئي (قد)، فإنه كان قد حافظ على موقع المرجعية وثقلها، وبما أن المرجعية تمثل أعلى موقع ديني لدى الشيعة في عصر الغيبة الكبرى فإنه كان حريصا على أن يؤديها حقها، ولهذا تجده قد أجاب عن آلاف المسائل المهمة جدا وفي مختلف المجالات، وكان حاصل هذا المجهود الكبير عشر مجلدات من كتاب صراط النجاة. وكان يستقبل الناس مرتين في اليوم عندما يكون النهار طويلا، وفي الصباح كان يجلس ما لايقل عن ساعتين لاستقبال عامة الناس، هذا غير العديد من اللقاءات الخاصة التي لاتكون ضمن الوقت الممنوح للجميع. وكان يستقبلهم بسعة صدر وطول بال مع التواضع المتميز. لم يكن ينظر إلى المرجعية إلا كموقع يفرض عليه تكليفا ويؤدي منه وظيفته، ولم يكن يتعامل معها كامتياز، ولهذا عندما حذّره بعض المحبين بأن تصديه لبعض الذين ينشرون الضلال والانحراف والتشكيك في المسلمات العقائدية ليس في صالح مرجعيته!! فقال : لتذهب مرجعيتي وأولادي ونفسي فداءً لأهل البيت عليهم السلام. إن قيمة المرجعية لديه تكمن في نصرة أهل البيت (ع) فقط وفقط.. وحيث أنه لم يكن يتعامل مع المرجعية من موقع شخصي ولهذا نجده يرفض استقبال بعض الشخصيات السياسية المرموقة لأنها اتخذت مواقف غير مناسبة في شأن الانحرافات، كما أنه لم يبادر إلى لقاء بعض الأشخاص حفاظا على موقع المرجعية وهيبتها، وقد تحمل الكثير في سبيل حرصه على موقفه هذا. وكان (قدس سره) مهتما بعموم القضايا التي لها ارتباط بالدين، وقد أصدر بيانات كثيرة في هذا الخصوص، فقد أصدر بيانا في أهمية إحياء الأيام الفاطمية، ووبيان شهادة الإمام الصادق عليه السلام والذي يعد بمثابة وصية له. وأصدر بيانات متعدد شارك فيها كثيرا من المؤمنين مصائبهم مثل بيانه في فاجعة جسر الأئمة، وبيانه في التفجير الواقع عند مرقد ميثم التمار، وبيانه في تفجيرات عاشوراء بعد سقوط الطاغية صدام. كما أصدر بيانات في العديد من القضايا العامة مثل: تعدي الصحف الدانماركية على رسول الله (ص) وفي إخراج العدو الصهيوني من جنوب لبنان على يد المؤمنين الغيارى، وفي استنكار إساءة بعض القنوات الفضائية لمقام المرجعية في النجف، وفي منع الحجاب على المسلمات في بعض الدول الأوروبية التي تزعم تطبيق الديمقراطية!! [t]خصاله:[/t] هناك الكثير من النقاط المشرقة في حياة الميرزا التبريزي: فقد كان الاستاذ قوي الشخصية، حذرا فطنا، ذا رقة ورحمة لا يعرفها كل أحد، مواظبا على صلاة الليل، بكّاء، وخصوصاً في عزاء سيدالشهداء، ترابي المنهج في الحياة، زاهدا في الدنيا بعيدا عن تكلفات الحياة، لم تتغير حالته بعد تحمله أعباء المرجعية عما قبلها، وكان ذا همة عالية، دائم التفكير في مطالبه العلمية، ولا وجود للفراغ في قاموسه، وقد قال يوماً: إني ما عرفت التعطيل أربعين سنة، ليلاً نهاراً. كان كثير التفكير بالموت، يقرأ وصيته دائماً، وكان دائم التفكير في رقي حال الطلاب وتحسين أوضاعهم، وقد أسس مستوصفاً خيرياً وكان عبارة عن ثلث ميت إحدى الأسر الكويتية، وعلى ما أتذكر كانت من أسرة البناي، ولكنه تكفل بتشغيل المستوصف وإدارته وبدفع نصف التكاليف المالية لعلاج طلبة العلوم الدينية في الحوزة العلمية في قم المقدسة. وكان شجاع القلب، شديد لا تأخذه في الله لومة لائم، وخير دليل على ذلك وقوفه بوجه المنحرفين عن خط أهل البيت عليهم السلام وتصديه ورفعه لعلم الولاء رغم خطورة الموقف، فأعلن رأيه وفتواه صريحاً في الذين يصطادون في الماء العكر، ويحاولون تشكيك الناس وتسخيف عقائد الشيعة، فأفتى بضلالتهم ووجوب مقاطعتهم وحرمة إعانتهم. وقد أوذي كثيراً جراء هذا الموقف لكنه صبر على ذلك محتسبا ، كما أنه انطلاقاً من وعيه للأخطار الثقافية المحدقة بالمسلمين فقد أسّس داراً للنشر تعرف بـ(دار الصدّيقة الشهيدة) هدفها نشر البحوث العقائدية وترويج الفكر الصحيح حتى من خلال شبكة الانترنت. فسلام على فقيدنا الغالي يوم مات ويوم يبعث حيا، وحشره الله مع فاطمة الزهراء عليها السلام. [e]ملاحظة: أكثر المعلومات المنشورة في هذه الكلمة مستقاة من موقع المرجع الديني آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي على الانترنت.[/e]