الرجوع إلى العلماء بالدين .. أساس حفظ الدين

[t]رجوع الجاهل إلى العالم أصل عقلي[/t]



من الأمور البديهية التي يحكم بها العقل وعلى نحو الاستقلال أن الجاهل بأي علم يرجع فيه إلى العالم والمختص به، إذ الجهل عبارة عن انكشاف الواقع والحقيقة والعلم عبارة عن انكشافها، ومن لم تنكشف له الحقيقة لايحق له أن يخوض الأمور على حاله تلك إلا بالتعلق بمن انكشفت له الحقيقة، إذ لن يجر له الخوض إلا مزيدا من التيه والضلال، وبناء عليه فلا يحق للجاهل بالطب أن يعين العلاج من غير مراجعة الطبيب، ولا للجاهل بالكيمياء أن يفترض طريقة في تكوين مادة معينة، ولايوجد أي دليل يستثني هذه القاعدة العقلية في العلم بالدين.

وهذا النوع من التبعية والتقليد ليس من التقليد المذموم في شيء، بل إن المذموم هو أن يصر الجاهل على نبذ الرجوع إلى العالم بالشيء، وفي الحقيقة فإنه لايوجد جاهل في العالم لايشعر في قرارة نفسه الحاجة في الرجوع إلى العالم، وإن أظهر عدم حاجته فمرجعه إلى المكابرة، أما إذا وقع على المحك العملي وتوقفت حياته أو حياة ابنه على علم الطبيب فلن تجده إلا مسرعا إلى أعتاب الأطباء لعلمه بأنه إن كان ثمة احتمال في النجاة فعلمه عند الأطباء وإنهم أقرب الناس إلى الواقع.

ولم تتغير حال الناس وحتى يومنا هذا في هذا الأمر رغم كثرة الاكتشافات الطبية ورغم كثرة أخطاء الأطباء السابقين وذلك لأن الكل يعتقد بأن الأقرب لمعرفة الواقع من غيرهم في هذا الشأن هم الأطباء.



[t]بناء الأديان على الانقياد للأنبياء[/t]



ومن المؤكد في تاريخ الأديان السماوية أن أهمية الدين تكمن في أنه يرشد الإنسان إلى خفي عنه في أمر الغيب، وبما أن الباب إلى معرفة الغيب لايتم إلا من خلال من لهم أهلية الانفتاح على الغيب والوحي وهم الأنبياء (ع) فإن بناء الأديان أقيم على متابعة الأنبياء (ع) فيما يقولون والانقياد لهم والتسليم لهم من غير اعتراض أو تشكيك فيما يخبرونه عن الغيب بعد أن أقيمت الأدلة والمعاجز على أنهم المبعوثون من قبل الله تعالى.

والقرآن الكريم يخبر أن سقوط الأمم وهلاكها كان بسبب عدم انقيادها للأنبياء (ع) والإعراض عنهم والازدراء بهم، وكل هذا يعني أن التقليد المذموم هو الذي يكون لأهل الباطل من غير بصيرة ولا تأمل.





[t]الأئمة (ع) هم ورثة الأنبياء (ع)[/t]



قامت الأدلة القطعية على أن النبي (ص) أرجع إلى الأئمة من أهل البيت (ع) من بعده، وحديث الثقلين المتواتر من أهم الأحاديث الدالة على أن النجاة لا تتحقق لهذه الأمة إلا بالانقياد لأهل البيت (ع) في جميع شئونهم، وإنهم (ع) عدل القرآن ومن ثم فهم الذين يعرفون محكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، ومطلقه ومقيده. 

والقرآن الكريم الذي أمرنا الله عز وجل بالتدبر فيه أخبرنا أنه هناك آيات متشابهات وآيات تحتاج إلى تأويل لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، أي ليس لكل عالم إدراكها فضلا عن غير العالم، وإن ترك الأمر فيها لغير العالم يقود إلى الزيغ والضلال كما دلت عليه الآية السابعة من سورة آل عمران.



[t]الروايات المعتبرة الدالة على لزوم الرجوع إلى الفقهاء المجتهدين على نحو الإجمال[/t]



ومن البديهي أن لايدع الأئمة (ع) وهم المنصوبون من قبل الله تعالى على حفظه أمر الدين - في عصر الغيبة بل وحتى في عصر حضورهم ممن لايستطيع الوصول إليهم – من غير أن يدعوا الناس إلى الرجوع إلى الفقهاء العالمين بحلال آل محمد وحرامهم، والذين بلغوا مستوى من العلم يسمح لهم بإيصال الحكم الشرعي إلى العامة من الناس، وقد سعى الأئمة (ع) في ذلك، كما في قول الإمام الرضا (ع): [h]علينا إلقاء الأصول، وعليكم التفريع[/h]. (الوسائل ج27 ص62 نقلا عن نوادر ابن إدريس الحلي، وقد ذهب جمع من الفقهاء إلى اعتبار طريق ابن إدريس في نوادره إلى أصحاب الكتب المنقولة فيه).

وقد دلت مجموعة من الروايات المعتبرة التي اعتمد عليها الفقهاء في سندها ومتنها للاستدلال على مسألة الرجوع إلى الفقهاء، ومنها:

1 – مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق (ع)، وقد جاء فيها:

[h]ينظران (أي المتنازعان) إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله.

قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا ناظرين في حقهما فاختلفا فيما حكما فيه، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟

قال (ع): الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر[/h]. (الكافي ج1 ص67 ح10)

والرواية تدل إلى الرجوع إلى من [h]نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا [/h]وهي ظاهرة في الاجتهاد والفقاهة، إذ مجرد رواية الحديث من غير القدرة على النظر والاستنباط والدقة في استخراج الأحكام لاتخول الشخص العامي لمعرفة الحكم الشرعي، بل هو شأن الفقهاء، ويؤكد إرادة الاجتهاد إخباره (ع) أنه عند اختلاف المجتهدين الحاكمين في فهم الحديث (وفهم الحديث هو الاجتهاد) فإن المرجع يكون لـ [h]أفقههما[/h] وأعلمهما.

2 – صحيحة عبد الله بن ميمون القداح عن الإمام الصادق (ع) قال:

قال رسول الله (ص):

 [h]... وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر[/h]. (الكافي ج1 ص34 ح1)

والرواية تشير إلى الأنبياء (ع) لم يهتموا بالأمور المادية لكي يورثوها، وهذا لا يتنافى ملكيتهم وإيراثهم كسائر الناس بل المقصود قلة ما يورثونه لزهدهم في حطام الدنيا واهتمامهم بالمهم وهو العلم.

والعلم الذي يتركه الأنبياء (ع) بما فيهم نبينا الكريم (ص) ليس كله من السهل الذي يعرفه كل الناس بل فيه الكثير من الغوامض والمسائل الصعبة التي لايتمكن من معرفتها إلا أهل الاجتهاد والنظر، كما في تمييز الخاص والمقيد والعام والمطلق.

روى الشيخ الصدوق بسند معتبر عند جمع من الفقهاء (في أبان بن أبي عياش) عن سليم بن قيس قال:

[h]قلت لأمير المؤمنين (ع): يا أمير المؤمنين أني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله - صلى الله عليه وآله - غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله (ص) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله (ص) متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم؟

قال: فأقبل (ع) علي فقال:

قد سألت فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيبا فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا  فليتبوأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده، إنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس، ........، وآخر رابع لم يكذب على رسول الله (ص)، مبغض للكذب خوفا من الله عز وجل وتعظيما لرسول الله (ص)، لم يسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي (ص) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، وقد كان يكون من رسول الله (ص) الكلام له وجهان، وكلام عام وكلام خاص مثل القرآن ...الخ[/h]. (الخصال ص255 ح131)

3 – الروايات الدالة على إرجاع الأئمة (ع) إلى الفقهاء من أصحابهم.

وهي روايات متعددة وردت في حق عدة من أصحاب الأئمة مثل زكريا بن آدم، ويونس بن عبد الرحمن ومحمد بن مسلم الثقفي وأمثالهم. 

قال النجاشي في ترجمة يونس بن عبد الرحمن:

"وكان الرضا (ع) يشير إليه في العلم والفتيا". (معجم رجال الحديث ج20 ص198)

وهو يشير إلى ما رواه الكشي بسند صحيح بإسناده عن محمد بن عيسى والحسن بن علي بن يقطين، قال: [h]قلت لأبي الحسن الرضا (ع): جعلت فداك، إني لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال نعم[/h]. (معجم رجال الحديث ج20 ص206)

ونلاحظ في هذه الرواية أن الرجوع إلى الفقهاء الثقات كان مفروغا عنه عند السائل، وإنما سأل الإمام الرضا (ع) ليعرف هل أن يونس بن عبدالرحمن منهم أم لا.

وقال الشيخ الطوسي في ترجمة أبان بن تغلب:

"وكانت له عندهم (ع) حظوة وقدم، وقال له أبو جعفر الباقر (ع):[h] اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك، فجلس[/h]". (معجم رجال الحديث ج1 ص147)



[t]لاحجة لمنكري الرجوع إلى الفقهاء[/t]



ولو نظر المنصف إلى ما يتظاهر به بعض الحداثيين ممن لم ينهلوا من العلم شيئا من الاستغناء عن العلماء في أمر الدين فإنهم لايملكون حجة في نقض الدليل العقلي والروائي في لزوم الرجوع إلى الفقهاء، ولو طلبت منهم تفسير آية أو شرح حديث لتخبطوا في ذلك واحتاروا، بل لو طلبت منهم شرح قاعدة فقهية أو عبارة أصولية لما تمكنوا من ذلك، فهل يريدون أن ينصرف الناس في معرفة أمر الدين من العلماء إلى الجهلاء؟!

قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون . (الزمر/9)