لقب الإمام الرضا (ع) ومعطياته

كلمة ألقيت في حسينية بن نخي مساء يوم الثلاثاء العاشر من شهر ذي القعدة 1426هـ في ليلة مولد الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، وقد حافظت فيها على ترابط الأفكار المطروحة هنا وإن كنت قد اختصرت أثناء الإلقاء من ذكر بعض النقاط الجانبية. بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين بارئ الخلائق أجمعين وأفضل الصلاة وأتم السلام على أشرف البرية وخير المرسلين محمد وآله الغر الميامبن، واللعن الدائم على أعدائهم أعداء الدين إلى قيام يوم الدين. أبارك لكم أيها الأخوة الأعزاء ذكرى مولد ثامن الحجج على البرية الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، وأسأل الله أن يرزقنا زيارته في الدنيا وشفاعته في الآخرة. [t]طرق إحياء أمر أهل البيت (ع)[/t] عندما يتحير الحكماء ويتأتأ الفصحاء وينبهر ذوو الفطنة والذكاء ويعجز الكتاب عن إدراك النزر اليسير من مناقب أهل البيت (ع) ومقاماتهم فكيف سيكون الحال عند من فقد صفات أولئك الرجال، ولكن متابعة لأمر أهل البيت (ع) حيث أوصوا بإحياء أمرهم كما في رواية محمد بن سليمان الكوفي عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) قال: [h]حدثوا عنا ولاحرج، رحم الله من أحيا أمرنا[/h]. (مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) ج2 ص155 ح631)، فليس أمامنا إلا الامتثال والانصياع، ويكون ذلك سلوتنا فيما لو ذكرناهم، وإلا فليس لأي كان أن يطرق هذا الباب أو يقترب من شاطئ هذا البحر، لا لأن هذا البحر ليس بحر الخير والنور، ولا لأن هذا الباب ليس باب العلم والهدى، بل لأجل التفاوت ما بيننا وبينهم، ولخشية الوقوع في المحاذير إذ أن دخول الباب والبحر يتطلب شروطا صعبة يخشى على صاحبها الهلاك. وأمر أهل البيت (ع) بعضه أحسن من الآخر، وكما يستفاد من رواية القاضي النعمان عن الإمام الباقر (ع) (دعائم الاسلام ج1 ص62)، ومن الطبيعي أن يكون إحياء ذلك البعض الأحسن أفضل من إحياء الآخر، ومن العقل والحكمة أن يسعى الإنسان ويحاول أن يعرف الأفضل ويهتم به، وإن كان الاهتمام بكل أمرهم حسنا. وكما يستفاد من الأحاديث الواردة عنهم (ع) فإن إحياء أمرهم يتحقق بعدة طرق، ومن تلك الطرق انتظار أمرهم (ع)، فقد روى الكليني بسنده عن عبدالحميد الواسطي، عن أبي جعفر الباقر (ع) قال:[h] قلت له أصلحك الله لقد تركنا أسواقنا انتظارا لها الأمر، حتى ليوشك الرجل منا أن يسأل في يده؟ فقال (ع): يا عبد الحميد، أترى من حبس نفسه على الله لايجعل الله له مخرجا؟! بلى والله ليجعلن الله له مخرجا، رحم الله من أحيا أمرنا[/h]. (الكافي ج8 ص80 ح37) والرواية تعكس حالة الاستعداد التي كانت عند جمع من الشيعة لظهور أمرهم سواء بجمع السلاح أو الاستعداد للحرب أو غير ذلك مما يتناسب معه، بحيث أنهم تركوا الاشتغال بأعمالهم اليومية التي يقتاتون عليها، حتى افتقروا وكادوا يسألون الناس بكف أيديهم، وهي درجة عالية من التضحية والفداء، وهي تفسر أيضا مفهوم انتظار الأمر، إذ ليس الانتظار مفهوما سلبيا يعني اللاعمل والتقاعس. [t]التواصل بين المؤمنين أكبر معين لإحياء أمرهم[/t] ومن أهم الطرق لإحياء أمرهم طريقان أساسيان: [e]الطريق الأول: تقوية المؤمنين لعلاقاتهم [/e] وذلك عبر التواصل المستمر بينهم وأداء حقوقهم تجاه بعض، لأن ذلك يجعل هذه الكتلة المؤمنة - التي لايقبل الله عز وجل عبادة لأحد على وجه الأرض سواها - مترابطة متماسكة، وأي تعزيز لوضع المعتنقين لإمامة أهل البيت (ع) يساهم في إحياء لأمرهم بلاشك، لأن الإمام المعصوم (ع) يريد حفظ المذهب على الأرض وهو لايتحقق من دون وجود الجماعة المؤمنة المتآلفة، أما تفكك المؤمنين وعدم قيامهم بحقوق بعض فلايمكن أن يشكل أرضية مناسبة لنشر فكر أهل البيت (ع) ومنهجهم. ومن الأمثلة على ذلك ما رواه الكليني والحميري بسندين صحيحين (والنص للثاني) عن أبي عبدالله (ع) قال: [h]يا خيثمة اقرأ موالينا السلام، وأوصهم بتقوى الله العظيم، وأن يعود غنيهم على فقيرهم، وقويهم على ضعيفهم، ، وأن يشهد أحياؤهم جنائز موتاهم، وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإن لقياهم حياة لأمرنا، ثم رفع يده فقال: رحم الله من أحيا أمرنا[/h]. (قرب الإسناد ص32 ح105، الكافي ج2 ص176 ح2) وروى الشيخ الصدوق بسند صحيح عن الإمام الباقر (ع) قال:[h] تزاوروا في بيوتكم فإن ذلك حياة لأمرنا[/h]. (الخصال ص22 ح77) ويستفاد من هاتين الروايتين أن مجرد التلاقي والتزاور حياة لأمرهم. غير أن الديلمي رواه بمتن آخر يعود فيه المعنى إلى الطريق الثاني لما يحصل في أثناء التزاور من التحدث بأمرهم، حيث روى عن الإمام الصادق (ع) قوله: [h]وأن يتألفوا في البيوت، ويتذاكروا علم الدين، ففي ذلك حياة لأمرنا[/h]. (البحار ج78 ص219 ح16) والرواية تشير إلى إحدى الطرق التي دعا إليها الأئمة لإحياء أمرهم، وهو الاجتماعات في المنازل والبيوت المختلفة، وعقد الدروس وغيرها مما يحقق إحياء أمرهم. ويؤيد رواية الديلمي مضمونا ما رواه الكليني بسند صحيح عن شعيب العقرقوفي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول لأصحابه (ع):[h] اتقوا الله وكونوا إخوة بررة، متحابين في الله متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه[/h]. (الكافي ج2 ص175 ح1) ومهما يكن من أمر فإن أقل ما يمكن قوله أن التزاور والتلاقي وأداء الأخوة المؤمنين لما عليهم من حقوق تجاه بعضهم يعد معينا لتحقيق الطريق الثاني. [t]تذاكر علومهم ونشر مناقبهم إحياء لأمرهم[/t] [e]الطريق الثاني: نشر علومهم ومناقبهم ومصائبهم وتداولها[/e] فقد روى الحميري في قرب الإسناد بسند صحيح عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله (ع) أنه قال له: [h]تجلسون وتحدثون؟ قال: نعم جعت فداك، قال: إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا، يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله ذنوبه، ولو كانت أكثر من زبد البحر[/h]. (قرب الإسناد ص36 ح117) وعطف الإمام (ع) البكاء عليهم عند ذكرهم بعد الدعوة إلى إحياء أمرهم قرينة واضحة على أن ذكر مصائبهم من مصاديق إحياء أمرهم (ع). وروى محمد بن سليمان الكوفي عن أبي جعفر الباقر (ع) أنه قال: [h]رحم الله من أحيا أمرنا؟ فقيل له: وكيف يحيى أمركم؟ قال (ع): بالتذاكر له[/h]. (مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع) ج2 ص296 ح770) وروى ابن أبي جمهور الإحسائي عن الإمام الصادق (ع) قال: [h]تلاقوا وتحادثوا العلم، فإن بالحديث تجلى القلوب الرائنة، وبالحديث إحياء أمرنا[/h]. (عوالي اللئالئ ج4 ص67 ح27) وروى القاضي النعمان عن الإمام الباقر (ع) قال: [h]رحم الله امرءا أحيا أمرنا، فقيل: وما إحياء أمركم يا بن رسول الله ؟ فقال: تذكرونه عند أهل العلم والدين واللب[/h]. (دعائم الإسلام ج1 ص63، وروى قريبا منه الكليني في الكافي ج1 ص41 ح7) وفي الحديث تنبيه لطيف على أن الإحياء لايتم مع الجهل والفسق والسفاهة. وقد روى الشيخ الصدوق بسند صحيح عند بعض علمائنا كالمامقاني (في شيخ الصدوق الذي ترضى عليه وعلي بن محمد بن قتيبة الذي وصف بالفاضل) عن عبد السلام بن صالح الهروي عن الإمام الرضا (ع) أنه قال:[h] رحم الله عبدا أحيا أمرنا، قلت: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا[/h]. (عيون أخبار الرضا ج1 ص307 ح69، ومعاني الأخبار ص180) إذن ليس لأحد أن يظن أنه قادر أن يحيي أمرهم (ع) من دون الرجوع إليهم والأخذ من علومهم، لأن ذلك يعني إحياء أمر المتحدث وفكره ونظره وليس إحياء أمر أهل البيت (ع) وفكرهم وقولهم. وهذان الطريقان يمثل أحدهما الفكر الذي يعتبر المحرك والموجه، والآخر يمثل القالب الذي يعتبر الشكل والغطاء الذي يحفظ للفكر ديمومته، ونستطيع تشبيههما بالجسد والروح، فالروح تحرك الجسد، ولكنها تحتاج إلى جسد سليم الجوارح والأعضاء، غير مصاب بعطب أو تعب. [t]لايمكن إحياء أمرهم بكماله[/t] وليس المقصود من إحياء أمرهم هو إحياء حقيقة أمرهم وكماله، حيث أن أمرهم صعب مستصعب لايبلغه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فكيف بالقاصرين في المعرفة من أمثالنا؟ ويدل على صعوبة أمرهم روايات كثيرة مستفيضة، أكتفي منها بالروايتين التاليتين: 1 – روى الصفار بسند صحيح عن الإمام الباقر (ع) قال: [h]إن أمرنا صعب مستصعب على الكافر، لايقر بأمرنا إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان[/h]. (بصائر الدرجات ص 47 ح7) 2 – وروى الصفار بسند صحيح أيضا عن الإمام الصادق (ع) قال: [h]إن أمرنا هذا لا يعرفه ولايقر به إلا ثلاثة: ملك مقرب، أو نبي مصطفى، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان[/h]. (المصدر السابق ح5) [t]عدم معرفة كمال الأمر لايلغي الإحياء[/t] والروايتان السابقتان وأمثالهما تدعو إلى التساؤل: هل نحيي أمرهم كما طلبوا منا فنقع في محذور التنقيص من أمرهم لأن الاعتقاد بأمرهم يحتاج إلى مستوى كبير من الإيمان والمعرفة ومن السذاجة أن نزعم أننا قد بلغنا رتبة العبد الذي امتحن الله قلبه للإيمان الذي جعلته الرواية عديلا للأنبياء المرسلين والملائكة المقربين!! أو أن لا نفعل ذلك حتى لانقع في هذا المحذور فنقع في محذور آخر وهو إهمال أمرهم؟ ولكن يمكن القول أن المقصود من الروايات الدالة على صعوبة أمرهم إلى أن كمال أمرهم يحتاج إلى كمال الإيمان، ومن ثم لا مانع لمن لم يبلغ تلك الرتبة العالية أن يحيي أمرهم بشرط أن يكون التحديث عنهم، وكما دل عليه قول الإمام الباقر (ع): [h]حدثوا عنا ولاحرج[/h] ، باعتبار أن ذلك يشكل ملاذا آمنا، فالمحيي ما زال في كنفهم وأمانهم ما دام أن ما يحدث به صادر عنهم، وأما إن لم يكن التحدث عنهم وكان المتحدث يتكلم عنهم من عندياته ومخترعاته فهذا يكون ممن أحيى أمره لا أمرهم (ع)!! [t]أشهر ألقاب الإمام ومنشؤه[/t] وسأتناول في هذه الليلة المباركة الحديث عن واحدة من ألقاب ثامن الحجج على الخلق أجمعين (ع)، وهي أشهر ألقابه كما يقول كمال الدين بن طلحة، أي لقب الرضا (ع). (كشف الغمة ج2 ص260) روى الشيخ الصدوق بسند صحيح عن عدة من مشايخه من بينهم أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: [h]قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن موسى (ع): إن قوما من مخالفيكم يزعمون أن أباك (ع) إنما سماه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده؟! فقال (ع): كذبوا والله وفجروا، بل الله تبارك وتعالى سماه الرضا لأنه كان رضيا لله تعالى في سمائه، ورضيا لرسوله والأئمة من بعده صلوات الله عليهم في أرضه. قال: فقلت: ألم يكن كل واحد من آبائك الماضين (ع) رضيا لله تعالى ولرسوله والأئمة فقال: بلى. فقلت: فلم سمي أبوك (ع) من بينهم الرضا؟ قال: لأنه رضي به المخالفون من أعدائه، كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه فلذلك سمي من بينهم الرضا (ع).[/h] (عيون أخبار الرضا ج1 ص13 ح1) [t]المعترف بلقب الرضا فاجر!![/t] الرواية الشريفة تشير إلى مدلولات ومعطيات عديدة، أتناول بعضها استعانة بنفس الحديث والأحاديث الأخرى: [e]المعطى الأول: [/e] إن مجرد نسبة وضع لقب الإمام إلى الناس مع عدم إنكار أصله موجب للحكم بالفجور، لأن في بعض الألقاب خصوصيات لا يصح أن تؤخذ إلا من المنابع الأصيلة، وهذا يعني أن من يريد أن يلج عالم ألقابهم الشريفة أن لا يدخلها إلا بأخذ التوضيح منهم (ع) لأنها ليست بألقاب يمكن أن تؤخذ من الآدميين، فالمأخوذ من رب الأرباب أين عنه التراب؟! ونسبة اللقب إلى المأمون من هذا القبيل، إذ يفيد أن التسمية مرتبطة بكون الإمام (ع) موضع رضا المأمون وأن رضاه عليه اللعنة على الإمام (ع) هو منشأ هذا اللقب، وأن ليس وراء ألقاب المعصومين (ع) حقيقة غيبية. والذي يؤكد هذا الأصل وعدم وجود أي علاقة للمأمون فضلا عن صريح صحيحة البزنطي ما رواه الشيخ الصدوق أيضا عن سليمان بن حفص قال: [h]كان موسى بن جعفر (ع) يسمي ولده عليا الرضا (ع)، وكان يقول: ادعوا لي الرضا، وقلت لولدي الرضا، وقال لي ولدي الرضا، وإذا خاطبه قال: يا أبا الحسن (ع). [/h](عيون أخبار الرضا ج1 ص13 ح2) فالرواية تفيد أن هذا اللقب كان ثابتا له في حياة أبيه الكاظم (ع) وأنه كان يناديه به. [t]هل ألقاب أهل البيت توقيفية؟[/t] هناك بحث تداوله العلماء، فيما يخص أسماء الله تعالى، أي لفظ الجلالة والأسماء الدالة على وصفه تعالى كالقادر والرحيم والسميع هل هي توقيفية، بمعنى أنه لايجوز لأحد أن يصف الله سبحانه إلا بما جاء في الكتاب والسنة، فيتوقف ويقتصر إطلاق الوصف على الورود، أم أنها ليست توقيفية فيجوز وصفه وإن لم يرد في الكتاب والسنة بشرط أن لايستلزم نقصا وعيبا في الباري سبحانه؟ ذهب كثير من علمائنا ولعلهم الأغلب إلى أنها توقيفية، ومن جملتهم الشيخ المفيد الذي قال بأن هذا مما تطابقت عليه الأخبار، فراجع: أوائل المقالات ص38، وكذلك ذهب إليه العلامة الحلي في الرسالة السعدية ص46، والشيخ البهائي في زبدة الأصول ص57، والشيخ محمد باقر الملكي في توحيد الإمامية ص72. وتبنى العلامة الطباطبائي وبعض تلامذته أنها ليست توقيفية وإن قال أن مقتضى الاحتياط بحسب البحث الفقهي الاقتصار على المسموع، فراجع الميزان ج8 ص358. كما اختلف أهل السنة في المسألة أيضا، فراجع عمدة القاري للعيني ج21 ص268، وتفسير الفخر الرازي ج15 ص70. ومع أنني لم أعثر في حدود ما قرأته على من تعرض إلى مبحث ألقاب أهل البيت (ع) هل هي توقيفية أم لا؟ إلا أن المسألة جديرة بالبحث بلحاظ أمرين: الأول: إن كثيرا من الروايات تنص صريحا على أن جملة من ألقاب أهل البيت (ع) بل وحتى بعض كناهم قد وردت التسمية بها من الله (عز وجل) ورسوله (ص) والأئمة المعصومين (ع)، مثل ما ورد من أن لفاطمة تسعة أسماء عند الله عز وجل (الخصال ص414 ح3، وعلل الشرائع ص178 باب 142 ح3)، وأن النبي (ص) قد كناها بأم أبيها (كشف الغمة ج2 ص90)، أو أنه كنى أمير المؤمنين (ع) بأبي تراب (علل الشرائع ج1 ص156 ح3)، وكذلك ما ورد عن النبي (ص) في النص على الأئمة بأسمائهم المتضمن لذكر ألقابهم في التوراة. (البحار ج36 ص305، و313، عن كفاية الأثر للخزاز القمي)، وما ورد أنه لقب الإمام الحسن بلقب [h]السيد[/h] (البحار ج43 ص255، عن كشف الغمة ج2 ص142)، ولقب الإمام علي بأمير المؤمنين (ع) وإمام المسلمين وقائد الغر المحجلين ويعسوب المتقين (الأمالي ص450 ح19 المجلس 58)، وهذا غير ما ورد من أن أسماءهم جاءت من السماء أيضا، كما في اسم فاطمة والحسن والحسين (راجع البحار ج43 ص 13 و239)، وعموما فإن الروايات في هذا المجال كثيرة جدا لايسع المجال استقصاءها. ثانيا: دلالة بعض الروايات إلى خطورة التسمية من غير تأمل كما في لقب الرضا (ع) الذي نحن بصدده مما استوجب الحكم بالتكذيب والفجور، ودلالة البعض الآخر أن الألقاب التي أطلقت عليهم كانت لأسباب خاصة قد لاتتبادر معانيها لدينا إن لم يرد النص عنهم (ع) فيها، مثل سر لقب الزهراء من جهة أنها كانت تزهر لأمير المؤمنين (ع) ويزهر نورها لأهل السماء (علل الشرائع ج1 ص180 ح2، دلائل الإمامة ص149 ح59)، أو اسم فاطمة من حيث أنها فطمت بالمعرفة أو عنها أو فطمت محبيها من النار (علل الشرائع ج1 ص179 ح4، بحار الأنوار ج43 ص65 ح58، عيون أخبار الرضا ج1 ص51 ح174)، أو أن الإمام علي بن الحسين (ع) لقب بزين العابدين بنداء سماوي لحادثة معينة جرت معه. (البحار ج46 ص5) وقد عقد الشيخ الصدوق في كتابه علل الشرائع عدة أبواب خصصها لعلة إطلاق بعض الألقاب على المعصومين (ع). ومن ثم فليس من البعيد لو قيل بأن جميع الألقاب التي كانوا يوصفون بها كانت من قبل الله تبارك وتعالى وقبلهم (ع)، وليس للناس دور في ألقابهم بتاتا، حتى مثل لقب العسكري، إذ يحتمل أن يكون سر تسمية أنفسهم به للإشارة إلى الظرف القاسي الذي مر به الإمامان الهادي والحسن العسكري في سامراء. ومثل هذا الحكم العام لا يمنع من مدحهم (ع) فهو أمر حسن، وكان الشعراء وغيرهم يمدحونهم (ع) بأقل مما هم أهله ومستحقه، ولم يعترض الأئمة (ع) على ذلك بشيء، غير أن ذلك المدح لم يتحول إلى لقب، إذ يفهم من اللقب في المعصومين ليس مجرد المدح والوصف كما في باقي الناس، بل نوع اختصاص وتميز حتى فيما بين الأئمة (ع) أحيانا، مما يعني لزوم توخي الحذر التام عند التعرض لألقابهم، والرجوع إلى أحاديثهم لفهم وجه إطلاق تلك الألقاب عليهم. وعموما فإن هذا الأمر يحتاج إلى بحث مستقل من قبل المهتمين بالمسائل العقائدية وفضائل أهل البيت (ع) ومقاماتهم. [t]لا رضا لله من دون رضا المعصوم[/t] [e]المعطى الثاني: [/e] الربط ما بين الرضا الأرضي في إشارة إلى دار التكليف والامتحان ودار تواصل النبي (ص) والأئمة (ع) بالناس، والرضا السماوي في إشارة إلى مصدر العلوم واللوح ونزول التعليمات والتكاليف، فنلاحظ أن الإمام الجواد (ع) أوعز علة تسمية الله عز وجل له بهذا الإسم إلى أمرين: رضاه سبحانه عنه، ورضا النبي (ص) والأئمة (ع) من بعده عنه (ع)، فالله عز وجل لم يكتف برضاه عنه حتى ضم إلى رضاه رضا المعصومين (ع)، والسر في ذلك يوضحه الإمام الحسين (ع) بقوله: [h]رضا الله رضانا أهل البيت[/h]. (كشف الغمة ج2 ص239) وهذا القول يدل بصراحة على أن من أراد رضا الله فإنه يجده في رضا أهل البيت، فإن رضوا عنه فإن الله سبحانه سيرضى عنه. غير أن فضل الله يعلق على هذا المقطع بقوله: "ليس معناها إن لم نرض فلا يرضى الله، بل العكس (أي إن لم يرض الله لم نرض)، وإن كان بعض الناس يفهمونها هكذا، والمقصود نرضى بما يرضى الله". (لهذا كانت المواجهة ص 105) فهو يزعم أن الرضا الإلهي لاعلاقة له برضا أهل البيت (ع) بحيث يكون رضاه حاصل في المورد الذي يرضونه، وهو يعني إمكانية تخلف رضاه عن رضاهم، وإن كان يفترض أن رضاهم لا يتخلف عن رضاه، بمعنى أنهم يرضون في الموضع الذي يرضى الله به، أما أن يرضى الله في الموضع الذي يرضونه فلا، وهذا التفسير هو أساس الفكر الذي قامت عليه مدرسة الخلفاء ومدرسة قريش المناوئة لأهل البيت (ع)، فقد روى ابن عبد البر عن عبدالله بن عمرو قال: [h]كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله (ص) أريد حفظه، فنهتني قريش!! وقالت: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله (ص) يتكلم في الغضب والرضا!! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله (ص) فأومأ بإصبعه إلى فيه (فمه)، وقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق[/h]. (جامع بيان العلم وفضل ج1 ص71) والقرآن الكريم يصرح في قوله تعالى: فلنولينك قبلة ترضاها أن مراد الرب متوافق مع رضا النبي (ص) ومراده، والآية نزلت لتغيير تشريع القبلة، ولم يكن هناك أمر إلهي بالتغيير قد صدر ثم رضي النبي (ص) به حتى يقال أن رضا النبي (ص) مسبوق بإرادة الرب ورضاه، بل الآية صريحة أن التشريع تبع رضا النبي (ص). وهناك الحديث المعروف المروي في كتب السنة والشيعة الذي قال فيه النبي (ص) لفاطمة الزهراء (ع): [h]إن الله عز وجل يغضب لغضبك ويرضى لرضاك[/h]. وقد ادعى ابن تيمية كعادته أن هذا الحديث مكذوب لم يرد لا بإسناد صحيح ولا حسن، وإنه لم يرد في كتب الحديث المعروفة، ويبدو أن ابن تيمية يحدد الكتب المعروفة من عدمها، ومن يعتمد عليه في الحكم بصحة الحديث أو حسنه من عدمه، وفقا للحديث الذي يريد قبوله أو يرفضه بناء على أهوائه الأموية. ويكذب دعوى ابن تيمية أن هذا الحديث رواه عدة من أصحاب السنن والصحاح، وقد ذكر العلامة الأميني في موسوعته أسماء العديد من كبار محدثي السنة ممن رووا هذا الحديث. (راجع الغدير ج3 ص180) وممن رواه أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة 360هـ في المعجم الكبير ج1 ص108، وقال الهيثمي عن سند الطبراني: "إسناده حسن" (مجمع الزوائد ج9 ص203)، وكذا رواه الحاكم النيشابوري المتوفى سنة 405هـ في المستدرك ج3 ص 154 وصححه. وزعم الذهبي في التلخيص أن حسين بن زيد الموجود في سند حديث الحاكم: "منكر الحديث، لايحل أن يحتج به"، غير أن ابن حجر العسقلاني نقل عن الدارقطني أنه قد وثقه. (تهذيب التهذيب ج2 ص294) ونقل المزي عن ابن عدي قوله عنه: أرجو أنه لا بأس به. (تهذيب الكمال ج4 ص466) كما نقل المزي في تهذيب الكمال أن عباد بن يعقوب الرواجني نقل عنه أنه كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة (المصدر السابق)، وإذا عرف السبب بطل العجب من حكم الذهبي عليه بأنه منكر الحديث!! فالجهر بالبسملة من علامات التشيع لآل البيت (ع). [t]أيهما الأصل: رضا الله أم رضا المعصوم؟[/t] وهنا تساؤل يطرح مرتبط بالبحث وهو إن جعل رضا الله تابع لرضا النبي (ص) أو المعصوم يجعل الأصل في الرضا الإلهي هو النبي (ص) وليس الله؟ والجواب: كلا، وذلك لأن رضا الله عز وجل ورضاهم مندكان، بمعنى أن أحدهما موجود في الآخر، كاندكاك النور الضعيف في النور القوي، فإن رضوا رضي الله تبارك وتعالى، وإن رضي الله سبحانه رضوا، ونفس الأمر يقال في إرادة الله وإرادتهم، فإن أراد الله أرادوا، وإن أرادوا أراد الله. ويشهد لذلك جملة من الروايات: منها الحديث القدسي الذي رواه الكليني والبرقي (واللفظ للثاني) عن أبي عبد الله (ع): [h]قال: قال رسول الله (ص): قال الله عز وجل: ما تحبب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وإنه ليتحبب إلي بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها[/h]. (المحاسن ج1 ص291 ح443، الكافي ج2 ص352 ح7) ومنها: ما نقله الحر العاملي عن الحافظ رجب البرسي أنه ورد في الحديث القدسي: [h]إن لله عبادا أطاعوه فيما أراد، فأطاعهم فيما أرادوا، يقولون للشيء كن فيكون[/h]. (الجواهر السنية ص361) ومنها: ما رواه الكليني بسنده عن محمد بن سنان قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (أي الجواد) عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: [h]يا محمد، إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى[/h]. (الكافي ج1 ص441 ح5) ومنها: ما رواه الكليني وابن قولويه بسندين صحيحين عند السيد الخوئي والعلامة المامقاني وآخرين (في القاسم بن يحيى والحسن بن راشد) عن الإمام الصادق (ع) أنه قال في زيارة الإمام الحسين (ع): [h]إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم[/h]. (الكافي ج4 ص577 ح2، كامل الزيارة ص366 ح2) وموضع الشاهد هنا بناء على بعض التفسيرات للعبارة (وكما ذهب إليه على سبيل المثال السيد مصطفى الخميني في تحريرات في الأصول ج2 ص24)، وقد ذهب العلامة المجلسي والفيض الكاشاني إلى أن المقصود من هذه الفقرة أن تقديرات الله تعالى تنزل عليهم في ليلة القدر ويأخذها الخلق ويتعلمونها منهم". (بحار الأنوار ج98 ص153، مرآة العقول ج18 ص301، الوافي ج14 ص1489) ومنها: ما رواه الخصيبي عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: [h]فنحن نفعل بإذنه ما نشاء، ونحن لا نشاء إلا ما شاء الله، وإذا أردنا أراد الله[/h]. (الهداية الكبرى ص230) ومنها: ما رواه الصفار عن أبي الحسن الثالث (أي الهادي عليه السلام) أنه قال: إن الله جعل قلوب الأئمة موردا لإرادته، فإذا شاء الله شيئا شاؤوه، وهو قول الله تعالى: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله . (بصائر الدرجات ج9 باب 18 ح47 ص513) هذا وقد يقال: إن الاندكاك يفترض وجود إرادتين منفصلتين، والأضعف منهما تدخل في الأقوى، ولا نلتفت بسبب الاندكاك إلى التعدد، ولكن إن قلنا بأن هناك إرادة واحدة، وإرادة الله عز وجل هي عين إرادتهم، ورضاه هو عين رضاهم، وإنما إرادتهم ورضاهم هي مظهر إرادته ورضاه، فإنه يمكن القول بانتفاء فرض الاندكاك. ومما يدل على أن رضا الله عز وجل يظهر في رضاهم أن الرضا (وكذا الإرادة كما هو الحق) من صفات الأفعال لا الذات، والأليق بالرضا أن يقترن بالموجودات الحادثة التي حباها الله بالكرامة لا أن تكون من صفات القديم لاستحالة أن تتصف ذات القديم بالحوادث، وقد روى الشيخ الصدوق عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجل: {فلما آسفونا انتقمنا منهم} قال (ع): [h]إن الله تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون مدبرون، فجعل رضاهم لنفسه رضا، وسخطهم لنفسه سخطا، وذلك لأنهم جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه، ولذلك صاروا كذلك[/h]. (معاني الأخبار ص19 ح2) [t]الرضا من الأعداء[/t] [e]المعطى الثالث:[/e] إن رضا الموافقين من الأولياء بالإمام الرضا (ع) أمر طبيعي لايحتاج إلى تفسير، فهو مقتضى الاعتقاد بإمامته ونتيجة حتمية لمحبته، ولكن أن يرضى به المخالفون من أعدائه فهذا أمر محير للعقول!! والتعبير في الرواية جاء على نحو أنهم رضوا به ولم يرضوا عنه، ومن هنا اجتمعت العداوة والرضا في آن واحد، فإن الرضا عن الإمام الرضا (ع) يقتضي الرضا والحب لذاته، بينما الرضا به لا يلازم ذلك، بل يقتضي الرضا عن أمر مرتبط بالإمام (ع) وهو تصديه لولاية العهد بنحو لايمكنهم رفضه، مما يفيد أن هيمنة الإمام (ع) وهيبته وولايته على النفوس بلغت حدا أفقدت الأعداء القدرة على الرفض وعدم الرضا. من المعلوم بحسب الأدلة الروائية والتاريخية أن المأمون العباسي أراد تحقيق عدة أهداف من تقليد الإمام الرضا (ع) منصب ولاية العهد، ولأن الإمام (ع) كان مدركا لأهدافه فإنه رفض ذلك، ثم بعد التهديد والوعيد قبل بها بشرط أن لايكون له أي دور عملي مباشر في الإدارة، من تعيين أو عزل أو ما شابه ذلك. وبعد مضي مدة من ولاية العهد حاول المأمون أن يستفيد من موقع الإمام الرضا (ع) في إضفاء الشرعية على خلافته وأعماله، فطلب منه القبول بمهمة غير رسمية ولكنها شبيهة بها، وهي التصدي لإمامة الجماعة والخطبة في صلاة العيد، فقد روى الشيخ الصدوق بثلاثة أسانيد مختلفة، أحدها ضعيف، وأحدها صحيح وهو المنتهي إلى الريان بن الصلت، والثالث صحيح أو حسن عند جملة من العلماء في ياسر الخادم، فقد وثقه السيد الخوئي لروايته في تفسير القمي، وهو حسن عند المامقاني، وجاء في الرواية المعتبرة: [h]فلما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (ع) يسأله أن يركب ويحضر العيد ويخطب، لتطمئن قلوب الناس، ويعرفوا فضله، وتقر قلوبهم على هذه الدولة المباركة. فبعث إليه الرضا (ع) وقال: قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخولي في هذا الأمر. فقال المأمون: إنما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامة والشاكرية (فارسية وتعني الأجير والمستخدم) هذا الأمر، فتطمئن قلوبهم، ويقروا بما فضلك الله الله تعالى به. فلم يزل يراده الكلام في ذلك. فلما ألح عليه، قال: يا أمير المؤمنين (ع): إن أعفيتني من ذلك هو أحب إلي، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله (ص)، وكما كان يخرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فقال المأمون: اخرج كما تحب. وأمر المأمون القواد والناس أن يبكروا إلى باب أبي الحسن (ع)، فقعد الناس لأبي الحسن (ع) في الطرقات والسطوح، من الرجال والنساء والصبيان، واجتمع القواد على باب الرضا (ع)، فلما طلعت الشمس، قام الرضا (ع) فاغتسل وتعمم بعمامة بيضاء من قطن، وألقى طرفا منها على صدره، وطرفا بين كتفيه وتشمر. ثم قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت، ثم أخذ بيده عكازة وخرج ونحن بين يديه، وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق، وعليه ثياب مشمرة. فلما قام ومشينا بين يديه، رفع رأسه إلى السماء، وكبر أربع تكبيرات، فخيل إلينا أن الهواء والحيطان تجاوبه!! والقواد والناس على الباب قد تزينوا ولبسوا السلاح، وتهيأوا بأحسن هيئة. فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة حفاة قد تشمرنا، وطلع الرضا وقف وقفة على الباب، وقال: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد لله على ما أبلانا"، ورفع بذلك صوته ورفعنا أصواتنا. فتزعزعت مرو من البكاء والصياح، فقالها ثلاث مرات، فسقط القواد عن دوابهم، ورموا بخفافهم لما نظروا إلى أبي الحسن!!!! (ويلاحظ هنا أنهم فقدوا إرادتهم وصدر عنهم هذا الفعل لا عن إرادتهم) وصارت مرو ضجة واحدة، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجيج، فكان أبو الحسن (ع) يمشي ويقف في كل عشر خطوات وقفة، فكبر الله أربع مرات، فتخيل إلينا أن السماء والأرض والحيطان تجاوبه!! وبلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين (ع)، إن بلغ الرضا (ع) المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع. فبعث إليه المأمون، فسأله الرجوع، فدعا أبو الحسن بخفه فلبسه ورجع[/h]. (عيون أخبار الرضا ج2 ص149 ح21) [t]من مميزات لقب الرضا (ع)[/t] [e]المعطى الرابع:[/e] إن الرضا في لقب الإمام (ع) جاء بصيغة المصدر، وهذا من مختصات لقبه (ع)، فالغالب في ألقاب أكثر المعصومين أنها بصيغة اسم الفاعل كالصادق والباقر والكاظم والجواد أو اسم المفعول كالمرضية والمجتبى والمرتضى أو صيغ المبالغة مثل السجاد، وقلما تجد في الأئمة (ع) من كان له لقب بصيغة المصدر، ولم أجد في حدود بحثي من لقب من الأئمة (ع) بالمصدر سوى ما ذكره ابن شهر آشوب من أن الإمام زين العابدين (ع) لقب بالعدل. (البحار ج46 ص4) وأقل ما يقال أنه لا يوجد في الأئمة من يكون أشهر ألقابه بصيغة المصدر سوى الإمام الرضا (ع). والمصدر كما هو معروف يستخدم بمعنى اسم الفاعل، ويفيد الغاية في الوصف حتى أنه أقوي من صيغ المبالغة في إفادة ذلك كما نص على ذلك علماء البلاغة، ففرق بين أن تقول فلان العالم والعلامة وفلان العلم، حيث أن اسم الفاعل هو من تلبس بالمصدر، ومن ثم قد يتعدد أسماء الفاعلين، فيكون زيد كريما كما يكون عمرا كريما، أما المصدر فلايكون إلا معنى واحدا وشيئا واحدا غير قابل للتعدد، ويحاول الكل الأخذ منه بقدر وعائه واستعداده. إذن مقام الإمام هو مقام الرضا غير المقيد، فهو مصدر الرضا الإلهي، ومن أراد رضا الله عز وجل بدون قيود فعليه بالوفادة إلى الإمام الرضا (ع)، فإن الرضا فيه مطلق لا قيد فيه، فإن حرمنا من شيء فلأننا أصررنا على أن نقيد أنفسنا ونمنع الرضا عن أنفسنا، فلنتوجه إلى المقام المنيع للإمام الرضا (ع) بطلب الرضا منه، فلا يعقل فيمن كان مرضيا عند الله عز وجل ورسوله (ص) والأئمة (ع) أن لايكون رضاه مطلوبا لهم. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم رضاه في الدنيا والآخرة.