الغربة والتغرب والتخلص من آثارهما السلبية

محاضرة للمغتربين الغربة والتغرب والتخلص من آثارهما السلبية ليلة شهادة الإمام الحسن المجتبى 7 صفر 1425 هـ عبر الهاتف مع جمع من الطلبة الدارسين في إيرلندا. [c]بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على البشير النذير والسراج المنير والمبعوث رحمة للعالمين أبي القاسم محمد (ص) وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم من الأولين والآخرين.[/c] السلام عليكم أيها الجمع الكريم ورحمة الله وبركاته عظم الله أجوركم بمصاب شهادة الحسن المجتبى المسموم عليه السلام ورزقكم الله وإياي زيارته في الدنيا وشفاعته في الآخرة. خير ما أستهل به حديثي هو ذكر حديث للإمام الحسن (ع) فكلام الإمام إمام الكلام، وفي الزيارة الجامعة الشريفة: [h]كلامكم نور وأمركم رشد ووصيتكم التقوى[/h]. يقول (ع): [h]يا بن آدم ، عف عن محارم الله تكن عابدا، وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عدلا. إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا، أصبح جمعهم بورا وعملهم غرورا ومساكنهم قبورا. يا بن آدم ، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، فخذ مما في يدك لما بين يديك فإن المؤمن يتزود والكافر يتمتع، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى[/h]. وأنتم أيها الأخوة الأعزاء تعيشون في مقطع مهم من مراحل أعماركم أطال الله عز وجل فيها بالطاعة والعافية في بلاد الغربة وفي بلاد الغرب. أما الغربة عن الوطن والأهل والديار فمهما كانت مصاعبها فإن الإنسان المؤمن حيث أنه ينظر إلى الدنيا على أساس أنها قنطرة وجسر للآخرة يتزود منها فإنه يتعامل مع الظروف المحيطة به حتى القاسية منها في سبيل تعزيز جانب الإيمان في نفسه، فهو إن كان يعاني من ألم المرض مثلا فهو بصبره وشكره لله عز وجل يعمق الارتباط بالله ، وإن ابتلي بفقد عزيز راجع نفسه وحسب نفسه الذي سيموت بعده، فهو يستغل الظروف الصعبة في تنمية الملكات الفاضلة في نفسه كما يجب أن يستغل الظروف المناسبة والمواتية في ذلك. والغربة إن أحسن الإنسان التكيف معها فإنه سيكون لها دور مؤثر في صقل بعض الصفات المحمودة في النفس الإنسانية من قبيل التفرغ للعلم، فإن الإنسان الذي يعيش في الغربة يكون بعيدا عن أهله وأصدقائه وعن موجبات الإلهاء عن الدراسة، فإن استغل هذا الظرف جيدا رغم ما فيه من مرارة الابتعاد عما يحب فقد استطاع أن يحول المرارة إلى حلاوة والغربة إلى أنس. وفي الحديث المروي عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة يصف فيه طلب العلم بأنه [h]صاحب في السفر وأنس في الغربة[/h]. (البحار ج1 ص183 ح89) وهناك نوع آخر من الغربة وهو أن يكون الإنسان غريبا عن المحيط الذي هو فيه وإن كان في بلده وبين أهله، فهو يعاني الأمرين لكي يبقي نفسه في ذلك الجو، وذلك لعدم التجانس ما بين ما يؤمن به وما بين ما يؤمن به محيطه، وعن أمير المؤمنين (ع): [h]العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم، [/h]وعن الإمام الباقر (ع) قال: [h]إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء[/h]. (مستدرك سفينة البحار ج7 ص555) فهؤلاء الغرباء يعدهم الإمام الباقر (ع) بطوبى وهي شجرة في الجنة ورد في وصفها روايات كثيرة. أيها المؤمنون الكرام إن هناك غربة ثالثة وهي غربة مذمومة، ألا وهي غربة الإنسان في نفسه وذاته. فالغربة الحقيقية للإنسان هي أن يعيش غريبا عن قيمه وعن مبادئه وعن أخلاقه وعن تعاليم دينه، فذلك الإنسان الخاسر. أما الغربة السابقة فهي ممدوحة رغم مرارة شعور الإنسان الغريب، لأنه متمسك بالقيم والمبادئ ، ولا يضره كون محيطه بعيدا عن تلك القيم فهو رغم غربته الظاهرية إذ لا تناسب بين ما يؤمن به وبين ما يشاهده في المحيط الذي يلفه ولكنه لا يعيش الغربة في واقع نفسه، فمثل هذا لايكون غريبا حقيقة، ولذا روى القطب الراوندي وهو من أعلام الإمامية في القرن السادس والمدفون في صحن حرم المعصومة عليها السلام في قم في كتابه النوادر عن الإمام الصادق (ع)، عن آبائه، عن رسول الله (ص) أنه قال: [h] إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء، فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال (ص): الذين يصلحون إذا فسد الناس، إنه لا وحشة ولا غربة على مؤمن[/h]. (بحار الأنوار ج64 ص200 ح2) والمؤمن إذا أصلح نفسه وتمسك بالقيم التي يجب أن يتحلى بها فهو ليس بالغريب حقيقة في نفسه، لأن تمسكه بالنور يجعله حائزا على أهم ما يجب حيازته في الوجود بحيث لو فاته غيره لم يكن رابحا وإن فاته كان خاسرا مهما نال وحظي من حطام الدنيا، إنه ليس بالغريب وإن كان غريبا بلحاظ المجتمع الفاسد الذي يعيش فيه. وفي الحديث المروي عن الإمام الصادق (ع): [h]ثلاثة ليس معهن غربة: حسن الأدب، وكف الأذى، ومجانبة الريب[/h]. (البحار ج75 ص238 ح79) وعلى هذا الأساس رأينا الكثير من الطلبة الذين عاشوا في بلاد الغرب وعبر التزامهم تقوى الله عز وجل كانوا أفضل بكثير ممن عاشوا في بلاد المسلمين بل ممن جاوروا أحيانا البقاع المباركة كمكة والمدينة وكربلاء والنجف. فالغربة في حقيقتها وفق المنظور الإسلامي عبارة عن الابتعاد عما يجب الاقتراب منه ولاترتبط بالموقع الجغرافي للإنسان، فهي تمثل حالة وجدانية لا حالة جسمانية، نعم قد يكون للموقع الجغرافي أثره على الإنسان لابلحاظ موقعه كموقع بل بلحاظ ما يحويه من مقدسات وأماكن مباركة، وكما نلاحظه في بعض الروايات التي تصف بعض الأئمة كالإمام الرضا (ع) الذي تكون ذكرى شهادته في السابع عشر من شهر صفر أنه يموت في بلاد غربة، فقد روى الشيخ الصدوق في الأمالي بسند صحيح عن الإمام الرضا (ع) أنه قال: [h]ما منا إلا مقتول شهيد، فقيل له: فمن يقتلك يا بن رسول الله؟ قال (ع): شر خلق الله في زماني يقتلني بالسم ثم يدفنني في دار مضيعة وبلاد غربة، ألا فمن زارني في غربتي كتب الله عز وجل له أجر مائة ألف شهيد، ومائة ألف صديق، ومائة ألف حاج ومعتمر، ومائة ألف مجاهد، وحشر في زمرتنا، وجعل في الدرجات العلى من الجنة رفيقنا[/h]. (البحار ج49 ص283 ح2) فكأنه لوحظت المدينة المنورة بما تحويه من الآثار النبوية ومدفن النبي (ص) والزهراء (ع) والأئمة المعصومين (ع) كموطن ينبغي الكون بجواره، فيكون الإمام الرضا (ع) الذي أبعد عن هذا الموطن غريبا بهذا الاعتبار. غير أنه أيها الأحبة هناك خصوصية في غربتكم تجعل الأمر أصعب ويتطلب جهدا أكبر ومعاناة أشد، ألا وهو كونكم في بلاد الغرب التي تعيش قيمها المادية الخاصة، وبالتالي ما يمكن أن تتركه على أفكار الإنسان وسلوكه. وفرق أن يكون الإنسان غريبا عن أهله ووطنه وهو يدرس في النجف الأشرف أو قم المقدسة، وبين من يعيش في مثل البلاد التي تعيشون فيها. إنه كالفرق بين من يسبح مع التيار ومن يسبح ضده. إن الطالب المغترب يحتاج إلى أن ينتبه إلى عدة أمور أساسية، أذكرها كرؤوس أقلام وباختصار: أولا – بحكم طبيعة تواجده في الغرب والسفر والاحتكاك بالغربيين فهو بحاجة إلى التعرف على أحكام دينه والتفقه في مسائل الحلال والحرام، حيث أن المجتمع الغربي بعيد عن الدين ومفاهيمه، والإهمال والتهاون في التفقه موجب لضياع الدين وضعفه في نفوسكم إلى أن يتلاشى - لا سمح الله - ، وعلى الإنسان الحذر من إغواء الشيطان وتسويلاته بضيق الوقت وكثرة المشاغل وغير ذلك من الأعذار، فإن خطر الوقوع في معصية الله عز وجل بسبب الجهل بالحكم الشرعي أعظم من خطر فوات نزهة أو ذهاب إلى مطعم. ومن المناسب أن يكون لكم اجتماع أسبوعي منتظم تخصصون قسما منه لدراسة المسائل الفقهية من الرسالة العملية للمرجع الذي تقلدونه. وفي المسائل التي تجهلونها تكلفون أحدكم بمتابعة جوابها عبر الأتصال والاستفسار بمكاتب المرجع ولو عبر الانترنت وغير ذلك من وسائل الاتصال. ثانيا: من الضروري لكي يبقى الإنسان محافظا على روحه من ملوثات المعاصي والشهوات أن يسعى لأن يخلق لنفسه محيطا استثنائيا ، فالطالب منذ أول خطوة يضعها خارج منزله، وفي الحرم الجامعي، وغير ذلك من مواطن عامة، يرى المنكرات والمغريات، والإنسان بطبعه يميل للشهوات إن لم يحجم نفسه، وما يراه في الخارج يسهل عليه ركوب الشهوة فلا المجتمع يعيب عليه فعل المعصية ولايوجد في أغلب الأحيان من يكون مراقبا له لكي يستحيي منه، وهنا تأتي أهمية أن يكون للطالب الأعزب من يسكن معه في سكنه من إخوانه المؤمنين، وأن يبتعد الإنسان عن أماكن المعصية والتفسخ، وأن يكون لكم اجتماع لقراءة بعض الأدعية كدعاء كميل ودعاء الندبة من الأدعية التي تربط الإنسان بالله عز وجل وأهل البيت وتقربه من التوبة وتمحو عنه الذنوب، فإن الذنوب أكبر عائق للإنسان من تلقي الدين ومعرفته وعدم إنكار المعروف. ومن أهم ما يوجب المغفرة والقرب من الله والتحصن من المغريات هو إقامة مجالس العزاء على سيد الشهداء (ع) والأئمة المعصومين وبشكل منتظم، فالإنسان الذي يبكي في مصابهم يشعر بوجدانه ما يعيشه من طهارة روحية. ثالثا: لاحظت على جملة من المؤمنين ممن يدرسون في الغرب أنهم يعيشون حالة من الحرج مع المجتمع الغربي عندما يريدون الالتزام بتعاليم دينهم، فإذا مدت له صديقته في الدراسة أو الأستاذة الجامعية يدها لتصافحه مثلا مد يده إليها لأنه يشعر بإحراج إن لم يفعل ذلك، ومثل هذا السلوك مرجعه إلى عدم الشعور بمدى أهمية الانقياد والامتثال لأمر الله عز وجل، فيتساهل في الانقياد في بعض المواطن. إن الانقياد لأمر الله ونهيه فيه أولا رضا الله عز وجل، وكلما وطد الإنسان رابطته بالله تحققت له موجبات الفلاح والظفر والتوفيق، وثانيا إذا كان ذلك الانقياد مصحوبا بالأخلاق الحسنة فإنه سيبعث على احترام الغربيين لكم ولقيمكم، وخاصة إذا تم تبيين الوجه في ذلك السلوك، ومن ثم تستطيعون جعل سلوككم هو الأمر الواقع الذي يضطر الغربي للرضوخ له والقبول به، وكما هو حاصل في كثير من المدن الغربية بسبب إصرار الجاليات الإسلامية على التقيد بالتعاليم الدينية. رابعا: تمثل المرحلة التي تدرسون فيها (إن لم تكونوا على خلفية ثقافية ودينية متينة قبل سفركم) مرحلة التلقي للمفاهيم الدينية، وبسبب بعدكم عن المراكز الدينية كالحوزات العلمية وعن بلدانكم التي يكثر فيها علماء الدين الذين من خلال الاتصال بهم يكون الإنسان حصيلته الثقافية، فإنه يشتد خطر وقوعكم في شباك أفكار منحرفة ودعاوى باطلة تروج على أنها أفكار تهدف إلى تصحيح الموروث التقليدي القديم، ولا تستغربوا إن كان صاحب هذه الأفكار صاحب عمامة وذا لحية كثة عريضة (على حد تعبير آية الله العظمى الوحيد الخراساني). إن هؤلاء لايملكون حصيلة علمية تؤهلهم لطرح الفكر الصحيح لأهل البيت (ع)، ويعتمدون على درجة كبيرة على المغالطات والتلبيسات وعلى عدم إلمام المغتربين بالمسلمات على أساس أنهم تربة خام لم تتشكل بعد، مما يجعلهم أرضية خصبة للتأثر بتلك المغالطات الصادرة من أشخاص صنعهم الإعلام ولم يصنعهم العلم والفقه. والمطلوب من الطالب مقابل هذا الهجوم الخطر التريث والتثبت ، والسؤال من أهل العلم الموجودين في المراكز الدينية (الحوزات)، وهم قادرون على رفع اللبس وتوضيح المشتبه ، وقد كانوا وما زالوا من خير المحاورين المبينين للحقائق. أسأل الله لكم التوفيق في أمور دينكم ودنياكم.