سوء الظن بالله والمؤمنين

[c]بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم من الأولين والآخرين[/c]

[e]مقدمة مهمة عن خطب الجمعة[/e]

http://al-meshkah.com/showkh.php?id2=26&cat=6

 

قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم (الحجرات / 12)



[t]التهيوء لشهر رجب[/t]



نحن على أعتاب شهر رجب المكرم، وسمي شهر رجب بالشهر الأصم – وكما يقول الشيخ الطوسي - لأن العرب لم تكن تغير فيه ولا ترى الحرب وسفك الدماء، فكان لا يسمع فيه حركة السلاح ولا صهيل الخيل، فهو أصم عن صوت السلاح، ومن هنا عد من الأشهر الحرم التي حرم فيها القتال. (مصباح المتهجد ص797) 

وروى الشيخ الصدوق عن النبي (ص) أنه قال: [h]ألا أن رجب شهر الله الأصم، وهو شهر عظيم، وإنما سمي الأصم لأنه لا يقارنه شهر من الشهور عند الله عز وجل حرمة وفضلا، وكان أهل الجاهلية يعظمونه في جاهليتها، فلما جاء الإسلام لم يزدد إلا تعظيما وفضلا[/h]. (فضائل الأشهر الثلاثة ص24)

وسمي شهر رجب بالأصب أيضا لأن الله يصب فيه الرحمة على عباده وكما جاء في الحديث المروي عن النبي (ص). (النوادر للقطب الراوندي ص260، عنه البحار ج97 ص47)

وهذا شهر تمهيدي لنزول الرحمة الإلهية في شهر رمضان المبارك، ولهذا نجد الاقتران بين هذه الأشهر الثلاثة رجب وشعبان وشهر رمضان في قول النبي (ص): [h]ألا إن رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، ألا ومن صام من رجب يوما إيمانا واحتسابا استوجب رضوان الله الأكبر، وأطفئ صومه في ذلك اليوم غضب الله عز وجل، وأغلق عنه بابا من أبواب النار[/h]. (فضائل الأشهر الثلاثة ص24 ح12)



[t]أيهما شهر الله؟ شهر رمضان أم رجب؟[/t]



وبعض الروايات تصف شهر رمضان بأنه شهر الله تعالى، (مصباح المتهجد 797، فضائل الأشهر الثلاثة ص44 و54و58 و64) فكيف عبر الحديث النبوي عن شهر رجب بأنه شهر الله؟ فأيهما هو شهر الله تعالى؟

من المعلوم أن كل شيء خاضع لله عز وجل ومخلوق له، ومن ثم لا يوجد شيء في الكون لا يمكن أن ينتسب إلى الله عز وجل بما في ذلك الزمان سواء شهر رمضان أو غيره، وعلى هذا الأساس فعندما توصف بعض الأشهر بأنها شهر الله، أو توصف بعض الأيام بأنها أيام الله تعالى كما جاء في قوله تعالى: وذكرهم بأيام الله (إبراهيم / 5) فهو يعني أن هناك مزيد اهتمام بها لاختصاصها ببعض الجهات المفقودة في غيرها.

ولا يمنع من أن تتعدد الأيام والأشهر التي تختص ببعض الميزات، فلا مانع أن يكون شهر رمضان شهر الله وكذلك شهر رجب باعتبار العناية والرحمة التي يوليها الله عز وجل لمن يصومهما ويعبد الله فيهما.

ولكن يحتمل وجود فرق بين الشهرين من جهة نسبتهما إلى الله عز وجل، ولعل الوجه في ذلك أن الروايات التي تشير إلى أن شهر رمضان هو شهر الله عز وجل، من جهة أن الله عز وجل يغدق بعطائه في هذا الشهر، وحيث أنه شهر رحمة الله وعطاء الله، فهو شهر الله، وأما الرواية التي وصفت رجب بأنه شهر الله فهو من جهة أن المؤمن ينبغي أن يقصد الله ومنذ البداية في أعماله ويخلص له عمله عبر التمهيد في الصيام والعبادة في شهر رجب حتى تنزل الرحمة عليه في شهر رمضان.



[t]شهر رمضان هو شهر الله أم شهر الأمة؟[/t] 



إذا تبين ما سبق يسهل فهم وصف شهر رمضان وكما ظهر من الأحاديث السابقة بوصفين أحدهما شهر الله تعالى، والآخر شهر الأمة، فإنه شهر الله لأنه شهر نزول رحمة الله وضيافته، وهو شهر الأمة باعتبار أن أثر صيام الأمة وعبادتها سواء في شهري رجب وشعبان أو في شهر رمضان يظهر في شهر رمضان وخاصة ليلة القدر، والأمة هي التي تنتفع وتستفيد من تلك الرحمة النازلة. 

والخلاصة أن تعدد الوصف كان لتعدد اللحاظ.



[t]أعمال شهر رجب[/t]



ومن أهم أعمال هذا الشهر الصيام، وخاصة في بعض الأيام منه مثل: 

1 – اليوم الأول والآخر والوسط منه، كما دلت عليه [e]رواية معتبرة[/e] عند من يوثق شيخ الصدوق الطالقاني كالمامقاني، فراجع عيون أخبار الرضا ج2 ص261 ح40، وفضائل الأشهر الثلاثة ص17. 

2 - اليوم السابع والعشرون منه وهو يوم المبعث النبوي، وكما دلت عليه [e]رواية صحيحة[/e] على رأي السيد الخوئي وآخرين في القاسم بن يحيى والحسن بن راشد، فراجع الكافي ج4 ص148 ح1.

ومن أعمال هذا الشهر الاستغفار، فقد جاء بسند صحيح (عند جملة من علمائنا في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى)، عن فضالة بن أيوب، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، عن أبي عبد الله (ع):[h] قال: قال رسول الله (ص):

رجب شهر الاستغفار لأمتي، أكثروا فيه الاستغفار، فإنه غفور رحيم، وشعبان شهري، استكثروا في رجب من قول: "أستغفر الله"، وسلوا الله الإقالة والتوبة فيما مضى والعصمة فيما بقي من آجالكم[/h]. (نوادر أحمد بن محمد بن عيسى ص18 في الحديث الثاني من الكتاب ، تحقيق ونشر: مدرسة الإمام المهدي – قم ، عنه البحار ج94 ص38 ح24، ووسائل الشيعة ج10 ص512 ح13986 / 10، وصحة السند ثابتة عند العلامة المجلسي والحر العاملي القائلين بثبوت نسبة الكتاب إلى مؤلفه، بالرغم من وجود اختلاف في كون الكتاب هل هو للحسين بن سعيد الأهوازي أم أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي، فالكتاب - كما يقول العلامة المجلسي -: "وعلى التقديرين في غاية الاعتبار"، فراجع البحار ج1 ص161، وبناء على كون الكتاب للأشعري فإن الحديث الثاني من كتابه وهو الحديث الذي أوردناه قبل قليل معطوف على الحديث الأول الذي رواه عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، فقوله في سند الحديث الثاني: وعن فضالة، عن إسماعيل بن أبي زياد عطف على عثمان بن عيسى، أي عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، فإن أحمد بن محمد بن عيسى يروي عن الحسين بن سعيد، وهو يروي عن فضالة بن أيوب، فراجع المعجم ج13 ص271، ولم يعهد رواية الأشعري عن فضالة من دون واسطة.

تجدر الإشارة إلى أن كل واحد من أحمد بن محمد بن عيسى، والحسين بن سعيد، وفضالة بن أيوب، وإسماعيل السكوني له كتاب باسم النوادر كما هو مذكور في تراجمهم، ولعل بعضهم أخذ من الآخر.)

وهناك أعمال أخرى لهذا الشهر العظيم مذكورة في الكتب المتخصصة في أعمال الأشهر كمفاتيح الجنان، يمكنكم الرجوع إليها.



[t]الظن واليقين في القرآن[/t]



اليقين يعني ترجيح أحد الجانبين مع نفي احتمال الآخر، والظن هو الترجيح مع احتمال الآخر، وعندما نستعرض الآيات القرآنية المرتبطة بالظن واليقين بشكل عام نجد الثناء على صفة اليقين وعلى الموقنين، قال تعالى: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (لقمان / 4)، وقال عز وجل: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (السجدة / 24)، وذلك لأن اليقين يعني وصول الإنسان إلى الحقيقة وانكشاف الواقع من دون أي ترديد وريب، وفي المقابل نجد الذم لصفة الظن والظانين، قال تعالى: وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (الجن / 7)، وقال تعالى: ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا(النساء / 157)، وقال تعالى: وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني عن الحق شيئا (يونس / 36)، وقال تعالى: ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء. (الفتح / 6).

وحيث أن اليقين -باعتباره علما - هو الذي يوصل للواقع أما اليقين بغير الواقع فهو جهل مركب، فلذا ارتبط اليقين في القرآن الكريم بالحقائق كالله عز وجل ووعده واليوم الآخر والآيات الإلهية، أما الظن فحيث أنه لا يوصل للواقع فلذا ارتبط بالأباطيل والأوهام كالظن بعدم علم الله وظن الإنسان بقدرته في السيطرة على الأمور من دون قدرة الله وظنه بعدم البعث يوم القيامة وعدم الرجوع إلى الله  وبكذب الأنبياء.

فما جاء في القرآن الكريم من آيات فيها مدح للظن المرتبط بالحقائق كما في قوله تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (البقرة / 45 – 46)، وقوله تعالى: قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله عز وجل كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله (البقرة / 249) فإن المقصود بالظن فيها اليقين، حيث أن كلمة الظن تستعمل في اللغة بمعنى اليقين أيضا. (لسان العرب ج8 ص271) 

ولبعض المفسرين أقوال أخرى في تفسير هاتين الآيتين ونظائرها ليس هذا مقام تناولها.

والإنسان العاقل هو الذي يبحث عن اليقين ويعمل به وينبذ الظن ويتجنب العمل به، وإذا ما عكس الأمر كانت خسارته في الدنيا والآخرة. 

ومن درر كلمات أمير المؤمنين (ع) المرتبطة بهذا قوله:

[h]لا تكن ممن ... تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن[/h]. (نهج البلاغة الحكمة 150 ص489 تحقيق: صبحي الصالح)

فهو (ع) يحذر من أن ينقاد المرء لنفسه فيما تدعوه إلى ما يظنه من فوائد الدنيا التي لا تعدو أن تكون لذة عاجلة، ومن أن لا ينقاد إلى يقينه بالحساب يوم القيامة، وحقا إن لمن دواعي العجب أن يقدم الإنسان جانب الظن بالزائل على جانب اليقين بالباقي، وقد روي عن عيسى بن مريم (ع) أنه قال:[h] يا عبيد السوء تلومون الناس على الظن، ولا تلومون أنفسكم على اليقين[/h]. (تحف العقول ص501)



[t]المحور الأول: حسن الظن بالله وسوء الظن به[/t]



وفيما يرتبط بحسن الظن وسوء الظن، وباعتبار تعدد متعلقه من الله عز وجل والمؤمنين، فسنتناول كل واحد منهما بشكل مستقل ضمن محورين، وفيما يرتبط بالمحور الأول فقد وردت الكثير من الروايات الصادرة عن أهل البيت (ع) التي  تحث على الأول وتحذر من الآخر. 

منها: ما راه الكليني [e]بسند صحيح[/e] عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا (ع) قال:

[h]أحسن الظن بالله فإن الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي المؤمن، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر[/h]. (الكافي ج2 ص72 ح3)

أي إن كان ظنه بي خيرا فجزاؤه خير، وإن كان ظنه بي شرا فجزاؤه شر.

وهذا الحديث يؤكد على وجود الارتباط بين الظن الذي يختاره العبد بالله مع الجزاء، وإن الأمر لا يتعدى الاختيار القلبي الذي يظهر أثره على المرء في عمله.

ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن أبي جعفر (ع) قال: [h]أحسنوا الظن بالله، واعلموا أن للجنة ثمانية أبواب عرض كل باب منها مسيرة أربعين سنة[/h]. (الخصال ج2 ص408 ح7)

والإمام الباقر (ع) يقرن بين حسن الظن ودخول الجنة، فسعة رحمة الله عز وجل والتعلق بها تفتح للإنسان أبواب الجنة على سعتها، فلا ينبغي والحال هذه أن يكون الإنسان سلبيا بالإعراض عنها.

ومنها: ما رواه الكليني [e]بسند صحيح [/e](عند من يرى وثاقة وجلالة داود بن كثير الرقي ويعمل بخبره كما عليه العلامة الحلي والعلامة المامقاني والعلامة المجلسي والشيخ موسى الزنجاني والوحيد البهبهاني والسيد الخميني والسيد أحمد الخونساري والسيد محسن الحكيم وغيرهم كثير) عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن داود الرقي، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر الباقر (ع)، قال:

[h]قال رسول الله (ص):

قال الله تبارك وتعالى: لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع درجاتي العلى في جواري، ولكن فبرحمتي فليثقوا، وبفضلي فليفرحوا، وإلى حسن ظني بي فليطمئنوا، فإن رحمتي عند ذلك تدركهم، ومني يبلغهم رضواني، ومغفرتي تلبسهم عفوي، فإني أنا الله الرحمن الرحيم، وبذلك تسميت[/h]. (الكافي ج2 ص72 ح4، ونص الحديث القدسي بالكامل مذكور في ج2 ص61 ح4)

وهذا الحديث يسلط الضوء على نقطة مهمة في مسألة حسن الظن بالله، وهي أن حسن الظن لا يعني ترك العمل بل عدم الاتكال على العمل واعتبار العمل لوحده المنجي للإنسان والبالغ به عبادة الله ورضوانه، فحاجة الإنسان إلى رحمة الله وحسن ظنه بها أكثر من حاجته إلى عمله.

ومنها: ما رواه الكليني بإسناده عن بعض أصحاب الإمام الكاظم (ع) أنه قال:

[h]كنت وراء أبي الحسن موسى (ع) على الصفا أو على المروة، وهو لا يزيد على حرفين: "اللهم إني أسألك حسن الظن بك في كل حال، وصدق النية في التوكل عليك". [/h](الكافي ج4 ص433 ح9)

وفي الحديث تأكيد على أن المؤمن لا يستغني عن حسن الظن بالله تبارك وتعالى في جميع حالاته، سواء عند نزول النعمة بأن يرجو استمرارها والمزيد منها، أو عند نزول المصيبة بأن يرجو زوالها وعدم حدوثها ثانية، وسواء عند ارتكاب الطاعة بأن يرجو من الله قبولها، أو عند ارتكاب المعصية بأن يستغفر الله ويرجو قبول توبته.

ومنها: ما رواه الكليني [e]بسند صحيح[/e] عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن بريد بن معاوية، عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع) قال: [h]وجدنا في كتاب علي (ع) أن رسول الله (ص) قال وهو على منبره:

والذي لا إله إلا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجائه له وحسن خلقه والكف عن اغتياب المؤمنين.

والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصيره من رجائه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين.

والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن لأن الله كريم بيده الخيرات يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه[/h]. (الكافي ج2 ص71 ح2)

والحديث الشريف يلغي مفهوم الفصل الذي يحاول أن يطرحه المتكاسلون وغير العاملين فيما يرتبط بحسن الظن بالله، فمن يرجو الله يضم إلى رجائه الأعمال الصالحة من حسن الخلق والكف عن اغتياب المؤمنين، ومن يسوء ظنه بالله فهو يضم إلى سوء ظنه التقصير وسوء الخلق واغتياب المؤمنين، وهي أعمال طالحة تبعث على سوء الظن بالله سبحانه وتعالى.

ويقول العلامة المجلسي تعليقا على هذا الحديث:

"قوله (ع) [h]إلا بحسن ظنه[/h]: قيل: معناه حسن ظنه بالغفران إذا ظنه حين يستغفر، وبالقبول إذا ظنه حين يتوب، وبالإجابة إذا ظنه حين يدعو، وبالكفاية إذا ظنها حين يستكفي، لأن هذه الصفات لا تظهر إلا إذا حسن ظنه بالله تعالى، وكذلك تحسين الظن بقبول العمل عند فعله إياه، فينبغي للمستغفر والتائب والداعي والعامل أن يأتوا بذلك موقنين بالإجابة بوعد الله الصادق، فإن الله تعالى وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، وأما لو فعل هذه الأشياء وهو يظن أن لا يقبل ولا ينفعه فذلك قنوط من رحمة الله تعالى، والقنوط كبيرة مهلكة". (مرآة العقول ج8 ص44)

ومنها: ما رواه الكليني [e]بسند صحيح[/e] عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن حريز، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله (ع) قال:

[h]من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء الظن بالله[/h]. (الكافي ج5 ص330 ح1)

وذلك أن ترك التزويج هو أثر عملي فمترتب على خوف الفقر، وهو يفصح عن توقع التارك عدم نزول رحمة الله عليه، ولا يراد من سوء الظن سوى هذا المعنى.    



[t]معنى حسن الظن بالله[/t]



وفي ضوء ما تقدم من روايات اتضحت ملامح مفهوم حسن الظن بالله وسوء الظن به، ويعزز هذا المفهوم بعض الروايات الصريحة في هذا الصدد، فقد روى الكليني عن الإمام الصادق (ع) أنه قال:

[h]حسن الظن بالله أن لا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا ذنبك[/h]. (الكافي ج2 ص72 ح4)

قال العلامة المجلسي في شرح هذا الحديث:

"فيه إشارة إلى أن حسن الظن بالله ليس معناه ومقتضاه ترك العمل والاجتراء على المعاصي اتكالا على رحمة الله بل معناه أنه مع العمل لا يتكل على عمله، وإنما يرجو قبوله من فضله وكرمه، ويكون خوفه من ذنبه وقصور عمله لا من ربه، فحسن الظن لا ينافي الخوف، بل لابد من الخوف وضمه مع الرجاء وحسن الظن". (مرآة العقول ج8 ص45)

وقال في شرح حديث آخر:

"وأما ظن المغفرة مع الإصرار (أي على الذنب) وظن الثواب مع ترك الأعمال فهذا جهل وغرور يجر إلى مذهب المرجئة". (المصدر السابق ص44)

وبناء عليه فمن حسن ظنه بالله فقد دعاه ذلك إلى حسن العمل، كما أن حسن الظن بالله لا يقتصر على حسن الظن برحمته بل حسن الظن بكل ما يرتبط بالله عز وجل، سواء برحمته أم بقدره أم بتدبيره.  



[t]حسن الظن الكاذب خير من سوء الظن[/t]



بالرغم من أن الظن الصادق بالله عز وجل يلازم العمل ولا ينفيه، وأن التارك للعمل والمتهاون فيه إن أحسن الظن برحمة ربه لايكون قد صدق مع ربه في حسن الظن به، غير أن رحمة الله لما كانت واسعة جدا فإنه يرجى منها مع كذب الإنسان في حسن الظن (حيث أنه لم يعمل بما يقتضيه حسن الظن من أداء الأعمال) أن تشمله، وقد روى البرقي [e]بسند صحيح[/e] عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

[h]يؤتى بعبد يوم القيامة ظالم لنفسه فيقول الله تعالى له: ألم آمرك بطاعتي؟ ألم أنهك عن معصيتي؟ فيقول: بلى يا رب، ولكن غلبت علي شهوتي، فإن تعذبني فبذنبي لم تظلمني، فيأمر الله به إلى النار، فيقول: ما كان هذا ظني بك، فيقول: ما كان ظنك بي؟ قال: كان ظني بك أحسن الظن، فيأمر الله به إلى الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى: لقد نفعك حسن ظنك بي الساعة[/h]. (المحاسن ج1 ص94 ح4، كتاب ثواب الأعمال، باب ثواب حسن الظن بالله، عنه وسائل الشيعة ج15 ص232 ح9 ط آل البيت، والبحار ج7 ص288 ح4)  

وروى الشيخ الصدوق حديثا مقاربا للحديث السابق في المضمون فقد روى [e]بسند صحيح[/e] عن أبيه، قال: حدثني سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) قال:

[h]إن آخر عبد يؤمر به إلى النار فيلتفت، فيقول الله جل جلاله: أعجلوه، فإذ أتي به قال له: عبدي لم التفت؟ فيقول: يا رب ما كان ظني بك هذا، فيقول الله جل جلاله: عبدي وما كان ظنك بي؟ فيقول: يا رب كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي وتدخلني جنتك، فيقول الله: ملائكتي، وعزتي وجلالي وبلائي وارتفاع مكاني (أي وعظمة مقامي ومنزلتي)، ما ظن بي هذا ساعة من حياته خيرا قط، ولو ظن بي ساعة من حياته خيرا ما روعته بالنار، أجيزوا له كذبه وأدخلوه الجنة.

ثم قال أبو عبد الله (ع):

ما ظن عبد بالله خيرا إلا كان عند ظنه به، وذلك قوله عز وجل:[/h] وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (فصلت /23). (ثواب الأعمال ص173 ثواب حسن الظن بالله عز وجل)

ويلاحظ في هذا الحديث أن الله عز وجل يعتبر هذا العبد كاذبا في دعواه حسن الظن به، وأنه لم يكن ممن أحسن ظنه بالله في الدنيا من قبل ولو أنه فعل ذلك لما أمر به إلى النار، ولكن حيث أنه الآن مدع لذلك ولأن التعلق برحمة الله حتى من خلال الادعاء أمر محبوب عند الله، فقد أمر بأن يدخل عبده الجنة. 

كما يلاحظ أن هذا العبد هو آخر من سيدخل النار في يوم الحساب العسير والطويل مع ما فيه من أهوال، وقد يكون ذلك سببا آخر لاستحقاقه النجاة من عقوبة النار.



[t]كيف يمتدح حسن الظن بالله؟[/t]



وهنا سؤال وارد (بناء على ما ذكرته في أول الخطبة بأن الظن أمر مذموم في مقابل اليقين الممدوح) وهو: كيف يكون الظن الحسن بالله ممدوحا مع أنه فرد من أفراد الظن، والظن بشكل عام مذموم؟

والجواب: إن الظن في الروايات الواردة حول حسن الظن بالله إما أن يحمل على اليقين وبالتالي لا يكون من أفراد الظن (فهو خارج عنه تخصصا) وإما أن يحمل على ظاهره ولكن الشارع وعبر الروايات الصحيحة استثنى هذا الفرد كما استثني بعض الأفراد من العام فيكون  خروجه منها من باب التخصيص، وسر هذا الخروج لما ذكر قبل قليل من أن الله عز وجل يحب أن يتعلق العبد برجاء رحمته، إذ أن رحمته وسعت كل شيء وهي قد سبقت غضبه، والتعلق بهذا الأمل والرجاء يبعد الإنسان عن القنوط ويبعث على تحركه نحو تلك الرحمة.



[t]المحور الثاني: حسن الظن بالمؤمنين وسوء الظن بهم[/t]



صدرت الخطبة بقوله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم(الحجرات / 12)، ولابد من التعرض للآية بشكل موجز بنقل ما قاله العلماء والمفسرون من الشيعة الإمامية.

قوله تعالى:  اجتنبوا أي كونوا على جانب منه، أي ابتعدوا عنه.

وقوله: كثيرا من الظن اختلف في الظن المنهي عنه، فذهب السيد الخوئي والميرزا التبريزي إلى أن المقصود به: "كل ظن لم يقم على اعتباره دليل معتبر" (صراط النجاة ج3 ص313)، في مقابل الظن الذي قام الدليل على اعتباره كالدليل القائم على حجية خبر الواحد.

وبناء على هذا الرأي فإن سوء الظن يكون أحد أفراد هذا الظن المنهي عنه، وله أفراد أخرى كالقياس والاستحسان مثلا.

ويظهر من كلام الشيخ الطوسي أنه يتبنى هذا الرأي فقال:

"وإنما قال كثيرا لأن في جملته ما يجب العمل عليه ولا يجوز مخالفته، وقوله إن بعض الظن إثم فالظن الذي يكون إثما إنما هو ما يفعله صاحبه وله طريق إلى العلم بدلا منه مما يعمل عليه، فهذا ظن محرم لا يجوز فعله، فأما ما لا سبيل له إلى دفعه بالعلم بدلا منه فليس بإثم، فلذلك كان بعض الظن إثم دون جميعه". (التبيان ج9 ص249)

وذهب العلامة الطباطبائي إلى أن المراد به خصوص ظن السوء، في مقابل ظن الخير فإنه مندوب إليه كما يستفاد من قوله تعالى في سورة النور الآية 12: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا

والمراد بالاجتناب عن الظن – وكما يقول العلامة الطباطبائي - الاجتناب عن ترتيب الأثر عليه كأن يظن بأخيه المؤمن سوء فيرميه به ويذكره لغيره ويرتب عليه سائر آثاره، وأما نفس الظن بما هو نوع من الإدراك النفساني فهو أمر يفاجئ النفس لا عن اختيار فلا يتعلق به النهي، اللهم إلا إذا كان بعض مقدماته اختياريا.

وعلى هذا فكون بعض الظن إثما من حيث كون ما يترتب عليه من الأثر إثما كإهانة المظنون به وقذفه وغير ذلك من الآثار السيئة المحرمة. (الميزان ج18 ص323)



[t]سؤال حول آية إن بعض الظن إثم[/t]



قد يطرح سؤال مهم هنا وهو: إن كان المأمور بالاجتناب عنه هو سوء الظن فما معنى أن تأتي الجملة التالية في الآية وهي قوله عز وجل:  إن بعض الظن إثم  ، فهل يعني هذا أن بعض سوء الظن فيه إثم واستحقاق العقاب وبعضه ليس فيه الإثم واستحقاق العقاب؟

وفي الجواب يقال:

إما أن نقول أن المقصود من الكثير هو نفسه البعض ولا مانع أن يكون البعض كثيرا، وعلى هذا فالمحرم في الفقرتين واحد ولا تخالف بينهما.

وبناء على هذا الاحتمال يطرح سؤال آخر:

إن كان المقصود من الظن هو سوء الظن فلماذا توجه النهي نحو كثيرا من الظن ولم يتوجه إلى كل الظن، فهل هناك من غير الكثير من الظن ما لايكون فيه إثم وعقاب؟

ويقال في الجواب: قد جيء بكلمة كثيرا بصيغة النكرة الدالة على الكثرة ليدل على كثرة الظن في نفسه لا بالقياس إلى سائر أفراد الظن السوء حتى يقال أن هناك ظن سوء لا يندرج تحت الكثير منه، فالمقصود من الآية أن أفراد سوء الظن كثيرة في حد ذاتها.

وإما أن نقول أن الكثير ليس هو البعض حيث أن الظاهر من الآية الكريمة وجود الفرق بين بعض الظن وكثيره من جهة المقدار، وهنا قد يبدو الإشكال أصعب؟

ولكن يقال في الجواب أن الكثير من سوء الظن بجميع أفراده محرم، وذلك لوجود المفسدة الحاصلة في بعض أفراده، لأن الفرد قد يظن سوءا بشخص من دون أن يكون لديه يقين وعلم بما ظن فيه، ويرتب الأثر على سوء ظنه، وبعد مدة من الزمن يتبين له أن ما ظنه كان هو الواقع، ومن ثم ليس كل سوء ظن قد تترتب عليه المفسدة، ولكن حيث أن بعض أفراد سوء الظن فيه مفسدة قطعية ومخالفة للواقع ولذا توجه التحريم لجميع أفراد سوء الظن احترازا عن الوقوع في الفرد الذي فيه المفسدة، أي أنه بناء على هذا الاحتمال يحصل تصرف في معنى الإثم في قوله: إن بعض الظن إثم فلا يحمل على العقاب بل على معنى المفسدة الواقعية، ومن ثم لا يكون أي تناقض بين القول بحرمة الكثير من الظن والقول أن بعض أفراد الظن فيه مفسدة لأنه بمنزلة القول أحرم عليك كثيرا من الظنون لأن في بعضها مفسدة واقعية.



[t]الروايات تعضد القرآن في حرمة سوء الظن[/t]



ومضافا إلى دلالة الآية المباركة على حرمة سوء الظن إما على نحو كونه هو المراد من الظن أو كونه أحد أفراد الظن المنهي عنه، فقد عضدت أحاديث العترة الطاهرة تلك الحرمة. 

ومن جملتها: ما رواه الحميري [e]بسند صحيح [/e]عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وآله قال:

[h]إياكم والظن فإن الظن أكذب الكذب، وكونوا إخوانا في الله كما أمركم، لا تتنافروا ولا تتجسسوا ولا تتفاحشوا، ولا يغتب بعضكم بعضا، ولا تتنازعوا ولا تتباغضوا ولا تتدابروا ولا تتحاسدوا فإن الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب اليابس[/h]. (قرب الإسناد ص29 ح94 تحقيق وطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، عنه وسائل الشيعة ج27 ص59 ح24، والبحار ج72 ح195 ح8).

والظاهر من الحديث بقرينة ضم الأمر بالأخوة والنهي عن التجسس والتنافر والتباغض والتنازع والتدابر والتفاحش أن الظن المنهي عنه من شاكلته أيضا أي من الأمور المرتبطة بعلاقات المؤمنين مع بعضهم، فيحمل على سوء الظن بالمؤمنين، وعلى أقل تقدير فإن سوء الظن بالمؤمن منهي عنه أيضا لأنه من أفراد الظن بلا شك وريب.  

ومن جملتها أيضا: حديث الأربعمائة المروي [e]بسند صحيح[/e] على رأي السيد الخوئي والشيخ المامقاني والوحيد البهباني (في القاسم بن يحيى والحسن بن راشد)، فقد قال الشيخ الصدوق:

حدثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله (ع) قال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين (ع) علم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه، ومن جملتها قوله (ع): 

[h]اطرحوا سوء الظن بينكم فإن الله عز وجل نهى عن ذلك[/h]. (الخصال ص610، 624)

ومن جملتها: ما رواه الكليني عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:

قال أمير المؤمنين (ع):

[h]ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه[/h] (أي حتى يأتي اليقين الذي تتحقق به الغلبة والعلم بأمر أخيك سواء كان المنكشف بالعلم هو المحمود من أمر أخيك أو المذموم منه)[h]، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا[/h]. (الكافي ج2 ص161 ح3، عنه البحار ج72 ح21)



[t]حسن الظن بالمؤمن والعمل بالظن[/t]



قد يقول البعض: إن من المقبول للمرء أن يفهم سر النهي عن سوء الظن باعتبار أن الظان لا يقين لديه ولا علم، ومن المذموم أن يسير الإنسان خلف ما ليس بعلم لأنه لايضمن الوصول للواقع والحقيقة التي ينشدها، ولكن ما بال بعض الروايات تدعو الإنسان إلى حسن الظن بالمؤمن ؟ أليس حسن الظن به من موارد الظن أيضا وينبغي بالتالي أن تكون مشمولة بالنهي؟

وفي الجواب يمكن القول أن حسن الظن بالمؤمن لن تترتب عليه آثار محرمة بخلاف سوء الظن به، فمن يظن سوءا بمؤمن يهينه أو يهجره أو يسيء إليه في التعامل أو يتجسس عليه أو يغتابه وغير ذلك من نتائج محرمة على سوء الظن، وكذلك من يظن ظنا غير معتبر بالحكم الشرعي فإنه يرتكب محرما كبيرا وهو نسبة حكم إلى الله عز وجل من غير دليل، أما من يحسن الظن بالمؤمن فإنه لن تترتب آثار محرمة على حسن ظنه بل هو سيستمر فيما كان عليه سابقا من الإحسان إليه وحسن الخلق معه وتوقيره، فالفارق أن أحد الظنين يقود إلى الحرام بخلاف الآخر، ولم يثبت ولم يدع أحد من الفقهاء أن المؤمن إذا عمل بأي ظن حتى في المباحات وأمور الدنيا فقد ارتكب الحرام كمن ظن أن الكنز في هذا المكان فحفره أو ظن أنه سيجد السلعة المعينة إذا ذهب إلى هذا المتجر. 



[t]حسن الظن والسذاجة[/t]



من جهة أخرى ألا تكرس الدعوة إلى حسن الظن بالمؤمن السذاجة والسطحية والبساطة، حيث أن من ظن سوءا بشخص فإنه يترك ظنه ذلك ثم يحوله وعبر التلقين الذي يدعو إليه الشارع إلى الظن بأنه فعل هذا العمل لعذر ويحمل فعله على محمل حسن كمن يرى مؤمنا خارجا من حانة الخمر وهو محمر اللون فيحمله على أنه مريض أو غاضب وقد ذهب لكي ينهى صاحب الحانة عن منكر بيع الخمر، هذا رغم أن ظواهر الأمور لا تدعو إلى المحمل الذي أقنع نفسه فيه بل هي بالعكس تميل إلى سوء الظن به.

ويقال في الجواب: إن المقصود من حسن الظن إما هو الالتزام في مقام العمل بالاحتمال الذي يقابل الاحتمال الدال على المعنى السلبي، دون التصرف في نفس الحالة الحاصلة في القلب، وهذا كما هو واضح لا يعني السذاجة إذ المؤمن لم يغير شيئا من حالته القلبية بل يعني أن يستمر المؤمن في تعامله الحسن السابق (وهو التعامل الأصلي الذي دعا إليه الشرع في التعامل مع المؤمن) حتى يأتي له الدليل القاطع على ما ظنه فيه إثباتا أو إلغاء.

وإما أن يكون المقصود به التصرف في حالة القلب، وهذا لا يلازم السذاجة أيضا إذ أن الأمور وإن كانت تميل إلى جهة ما ولكنها لا تعد دليلا لا من جهة العقل ولا النقل، ومن ثم فإن الشارع يستطيع أن يتصرف في حالة الإنسان إذا ما تأدب الإنسان والتزم بأن يسير وفق إرادة الشارع، فإن المرء عندما يرى أمرا من أخيه فيحصل له سوء ظن به، فإن الظن كمفهوم يعني وجود احتمال مرجوح ولو بسيط في الطرف الآخر، وبما أن الظن الأول ظن مذموم لأنه يوجب ظلم الآخر من غير وجود دليل علمي قاطع، وبما أنه لايمكن دفع سوء الظن المذموم إلا بتقوية الاحتمال الآخر وهو احتمال غير ملغي من الأساس ومن هنا جاء في تعبير الرواية: [h]وأنت تجد لها في الخير محملا[/h] وإلا لو لم يكن هناك أي مجال لاحتمال الخير فهو يعني أن الأمر من قبيل العلم كمن يرى شخصا وهو يشرب الخمر، وبما أن ترجيح جانب ما كان محتملا لايعد ظلما لأحد وهو أمر ممكن إذا ما وطن المرء نفسه على ذلك فإن العمل بالظن الجديد من قبيل العمل ببقية الظنون الحسنة غير المسبوقة بسوء الظن والتي تزرع الثقة والمتانة في العلاقات الاجتماعية.

إن السذاجة والبساطة أن تحاول أن تجعل غيرك يقنع نفسه بغير ما كان ظاهرا ومعلوما، أما تغيير ما كان مظنونا مما تترتب عليه آثار محرمة إلى ما لا تترتب عليه تلك الآثار يعد عقلانية وتأصيلا لمجتمع متماسك. 

(تجدر الإشارة إلى أنه يستشف من كلام الشيخ الطوسي في التبيان ج9 ص249 تضعيفه القول بلزوم حسن الظن)



[t]روايات تدعو إلى سوء الظن بالمؤمن!![/t]



هناك بعض الروايات الواردة عن أهل البيت قد يتوهم منها جواز سوء الظن بالمؤمن. 

منها: ما رواه الكليني عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (ع) أنه قال:

[h]والحزم مساءة الظن[/h]. (الكافي ج1 كتاب العقل والجهل ص27 ح29) 

والمراد من الحديث - كما يظهر - أن الإنسان إذا أخذ بالحزم في أموره ومن خلال إحكامها وإجادة الرأي واقتصاره على الأخذ بقول الثقاة فذلك يقتضي أن يسوء الظن بالغير حتى يتبين له الحق. 

وليس في هذا المعنى دعوة لعدم الأخذ بأخبار المؤمن الثقة أو إساءة الظن فيما ينقله من ثبتت وثاقته بل المقصود أن الحزم يقتضي أن لا يتقبل إلا ممن يوثق به، وسوء الظن هنا لم يكن بعد ثبوت الوثاقة حتى يكون مذموما بل هو قبلها. 

ومثل سوء الظن هذا ليس بمعنى أن يحمل المتكلم على الكذب أو الاشتباه بل بمعنى عدم ثبوت صحة ما ينقله ما دام أن وثاقته لم تثبت وقرائن الصحة لم تجتمع في نقله، فيكون سوء الظن بهذا المعنى مما يدفع الإنسان لتحري الأمر حتى يتبين له الحال، وفرق بين أن تتهم الغير وتحمل كلامه وتصرفاته على الأمر السلبي وبين أن لا تتقبل منه وتتوقف، فالأول يعد طعنا في الغير دون الثاني، وفتح الباب للقبول من كل أحد قبل التأكد من وثاقته يبعث على اختلاط الحق بالباطل.

ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: 

[h]إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه حوبة (أي إثم) فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجل الظن برجل فقد غرر[/h]. (نهج البلاغة الحكمة رقم114)

وفي المقطع الأول من الحديث (المرتبط باستيلاء الصلاح على الزمان وأهله) نهي عن سوء الظن بالفرد الذي لم يظهر منه الإثم أي لم يكن متجاهرا بالفسق وهو يعني اختصاص النهي في حق من لم يتبين حاله، وأما المقطع الثاني (المرتبط باستيلاء الفساد على الزمان وأهله) فليس فيه دعوة إلى سوء الظن بل فيه دعوة إلى عدم حسن الظن بالأشخاص حتى يتبين الحال، والاستيلاء يعني أن الغلبة والسيطرة لأهل السوء، فكيف يمكن والحال هذه الوثوق أو البناء على الأحسن في التعامل مع الأفراد؟! 

ويؤكد السيد الخميني قدس سره على هذه الفكرة في بعض خطبه، حيث يقول أنه لايمكن أن نجري في زماننا هذا حسن الظن وأصالة الصحة في المسلم، بل لابد من التثبت والتأكد منه قبل أن نوكل إليه أي مهمة.

وكلامه قدس سره لا يعني بطبيعة الحال عدم حسن الظن بالمؤمن إذا ما تم اختباره ومعرفته عن قرب، فإنه يتحدث عن حال ما قبل السبر والغور لا ما بعدهما.



[t]المؤمن ومواطن التهمة[/t]



من الآداب التي حث عليها أهل البيت (ع) أن لايجر المؤمن بتصرفاته ما يوجب إساءة الآخرين الظن به، بحيث يقطع مادة الظن عن غيره، ولكي يحفظ نفسه وقيمته في المجتمع كي لا يسترخصه الآخرون وينتقصون مكانته، وقد روى الكليني [e]بسند صحيح[/e] (عند من يوثق النوفلي كالسيد الخوئي والسيد الخميني والشيخ المامقاني وغيرهم) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق (ع)، قال: 

[h]قال أمير المؤمنين (ع):

من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن[/h]. (الكافي ج8 ص152 ح137)

ولا يراد من هذا الحديث جواز إساءة الظن بالمؤمن الذي وضع نفسه في موطن التهمة، بل المقصود أن المؤمن ينبغي أن ينأى بنفسه عن موجبات إساءة الظن كالجلوس مع الفساق والظالمين والجهلة أو التردد على الأماكن التي تكثر فيها المعاصي.

ونقل ابن إدريس الحلي [e]بسند صحيح [/e]عن جامع البزنطي أنه قال:

قال أبو الحسن (ع): [h]قال أبو عبد الله (ع):

اتقوا مواقف الريب، ولا يفض أحدكم مع أمه في الطريق فإنه ليس كل أحد يعرفها[/h]. (السرائر ج3 ص579، والرواية صحيحة بناء على صحة طريق ابن إدريس الحلي إلى كتاب البزنطي أو اشتهار الكتاب، ويذهب إلى هذا الرأي جم غفير من علمائنا بل لا يبعد القول أنهم الأغلب مثل صاحب الرياض السيد الطباطبائي وصاحب الوسائل الحر العاملي، وصاحب الحدائق الشيخ يوسف البحراني، وصاحب كشف اللثام الفاضل الهندي، وصاحب مستند الشيعة النراقي، وصاحب مصباح الفقيه للهمداني، والشيخ الأنصاري والسيد الخوئي وغيرهم).

والمراد من هذا الحديث شدة احتياط المؤمن في سلوكه الخارجي، فلا يخرج في الفضاء مع امرأة لا يعرف الآخرون أنها ممن تحرم عليه فيظنون أنها أجنبية عنه وتساورهم الظنون فيه، ولعل ذكر الأم في الحديث مع أن هناك فارقا في السن بين الإبن وأمه قد لا يتسبب عادة في حصول الريب، من جهة أن بعض الأمهات لايظهر عليهن الشيب وكبر السن، أو أنهن يتزوجن في سن مبكرة، أو أنهن يغطين وجوههن فلايعلم أنهن شابات أو كبيرات.



[t]قصة واقعية حول الأثر السيء لسوء الظن[/t]



وسأنقل لكم قصة عشت أحداثها وتحكي الأثر المدمر لسوء الظن، وسأنقلها بطريقة فيها تعميم للأحداث حتى لا تتشخص من جهة الاحتياط كي لا نقع في محذور الغيبة، ومن جهة أن المطلوب هو العبرة وليس خصوصيات الحادثة.

في أيام دراستي في قم وبالتحديد في فترة العزوبية وقبل زواجي وقعت سرقة في مسكن كنت أتردد عليه وأبات فيه أحيانا عند بعض الأصدقاء، وكان المسكن يضم طلابا من أكثر من دولة، وكنت أنا واحدا ممن سرق منه ماله في ذلك المسكن. 

دار حديث بيني وبين الساكنين حول موضوع سرقة الأموال وتبين أن هناك أكثر من شخص قد سرقت أموالهم، وأن السارق لا يمكن إلا أن يكون واحدا ممن يباتون في هذا المسكن. 

تحيرنا حول السارق، فلم يعهد في حياة طلبة العلوم الدينية مثل هذه الأمور، وكثير منا يعرف الآخر عن قرب ويعرف ما فيه من التقوى والأمانة بحيث لايمكن أن يخطر حتى بباله أنه يقوم بالسرقة، فمن هو هذا الدخيل الذي يقوم بهذا العمل الشنيع؟! 

كنا نتناقش حول الموضوع، وكان كل واحد منا يضع بعض المعلومات حول كيفية السرقة ووقتها التقريبي عسى أن نتمكن من تضييق الدائرة لتحديد السارق وإلقاء القبض عليه، وقد حاولت وبطرق بسيطة تكشف عن قلة خبرتي في التعامل مع السارقين أن أوقع السارق في الفخ، ولكنني فشلت وتمكن السارق من سرقة أموالي!! 

المهم أن بعض الطلبة تمكن من اكتشاف السارق، فقد قام بحفظ الرقم المسلسل لنقوده وسجلها في ورقة (وكما يصنع رجال المباحث اليوم)، وبعد أن سرقت أمواله طلب من الشخص الذي شك في أنه السارق أن يقرضه شيئا من ماله، فأعطاه السارق النقود التي كان قد دون أرقامها من قبل.

بعد اكتشاف السارق والاتصال بوالده وإرجاعه لولده الذي كان في مقتبل العمر إلى بلده من حيث جاء، تبين أن والده لم يكن قادرا على السيطرة عليه في بلده وكان يخشى عليه من تأثير رفاق السوء فضغط على ابنه للدراسة في الحوزة ليضبط سلوكه في حين إن الابن غير مقتنع بذلك!! وهذا خطأ كبير في التفكير، فالحوزة إنما تساعد المنضبط في تنمية سلوكه وبلوغه مراتب أرفع أعلى أما غير المنضبط فليست الحوزة ساحة لدخوله، وليست الحوزة كما يظن البعض أنها الحل الأخير للفاشلين دراسيا وغير المنضبطين سلوكيا بل لابد لمن يريد الدراسة فيها أن يكون على قدر جيد من الفهم والأدب والتربية قبل أن يقدم إليها.

المهم أنه وخلال فترة اكتشاف السارق التي دامت أكثر من شهر قام البعض بكتابة رسالة إلى بعض من ساء ظنه بهم وأعطاها لآخر لكي يضعها تحت باب غرفته متهما إياه بالسرقة وبلزوم إرجاع الأموال مهددا إياه بأمور غير محمودة إن لم يفعل، وعندما رأى ذلك الشخص (وكان أحد أصدقائي) الرسالة أصابه ما يشبه الانهيار، ولقد رأيته يبكي (وهو القليل البكاء!!) في حالة مزرية فاحتضنته وهدأت من أعصابه وقلت له: لم أنت مرتبك وأنت ونحن نعلم أنك لا تقوم بمثل هذا العمل.

بعد عدة أشهر مضت من اكتشاف السارق الحقيقي استطاع صديقي المتهم ومن خلال بعض الطرق تحديد الشخص الذي أرسل إليه الرسالة فحقد عليه، ولا زال إلى يومنا هذا لا يطيقه لاتهامه إياه ظلما، والعلاقات بينهما شبه منعدمة. كل ذلك بسبب متابعة صاحب الرسالة لسوء ظنه. ولو لم يكن لسوء الظن سوى هذا الأثر أي إفساد العلاقات لكان كافيا لاجتنابه، كيف؟! وله آثار مدمرة أخرى كالبعث على التجسس المحرم، أو الغيبة، إذ أن من يسوء ظنه بأحد يسعى إلى التأكد مما ظنه عبر التجسس عليه أو أنه إذا لم يفعل ذلك ينشر ظنه هذا إلى الناس فيغتاب المظنون، ولعله للترابط ما بين هذا الذنب وبين ذنبي التجسس والغيبة كان النهي متوجها إليها جميعا ضمن آية واحدة، قال تعالى: يا أيها الذين اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا. (الحجرات / 12) 



[t]لنقف صفا واحدا ضد نشر ثقافة سوء الظن[/t]  

 

نشرت جريدة جمهوري إسلامي الإيرانية تحليلا للأوضاع المرة في النجف الأشرف ذكرت فيه ونقلا عن مصادر خاصة!!! أن خروج السيد السيستاني من النجف كان بضغط من الأمريكان، والأمر لم يقتصر على الجريدة بل تعداه إلى الإذاعة العربية في طهران فقد سمعت بنفسي في مطلع هذا الأسبوع نشرها لتحليل جريدة جمهوري إسلامي، وكأن هناك قصدا وتعمدا لنشر مثل هذه الإشاعات والأخبار التي تسبب ارتباكا وبلبلة في أذهان المؤمنين وتمهد الأرضية لإساءة الظن بالمراجع، حيث أن الاستجابة للضغوط الأمريكية بالخروج من النجف من دون إظهار أي ردة فعل معترضة على تلك الضغوط يفتح الباب للإساءة بالمرجع.

ولو تنزلنا وقلنا أن ليس في ذلك إساءة ففيه لوازم تثير الظنون السيئة، فإن كانت المسألة مجرد عدم ممانعة للضغوط الأمريكية فلماذا تظهر القضية بصورة مرض السيد السيستاني وسفره إلى لندن وحاجته للعلاج؟! وتصوير القضية بهذا الشكل يطرح سؤالا في أذهان العامة وهو: لماذا لا تعلن المرجعية الحقيقة وأنها خرجت مجبرة من النجف وأنه ليس فيها أي مرض تعاني منه؟ ألا يعني إظهار المرجعية القضية بهذه الصورة (وفقا لما يترتب من نشر الجريدة آنفة الذكر للتحليل المزعوم) تواطؤ المرجعية أو تساهلها فيما يخص أحداث النجف؟ ألا يقترب هذا الطرح من التحليلات التي بثتها ولا تزال تبثها الفضائيات المغرضة من أن توقيت خروج السيد السيستاني مدروس لكي يسمح للأمريكان بضرب جيش المهدي؟ وأن مسألة المرض مصطنعة ومبالغ فيها وما هي إلا تمثيلية وسيناريو لرفع الحرج عن المرجعية!!

وماذا سيبقى لنا إذا ما تم ضرب المرجعية عبر التشكيك في نزاهتها؟! ومن خلال نشر ثقافة سوء الظن.

فالجريدة لم تذكر المصدر الأصلي الذي تلقته وبنت عليه تحليلها وسوء ظنها، وهل هو موثوق به أم لا؟ وهل بادرت لتتأكد من السيد السيستاني أو مكتبه صحة هذا الخبر والتحليل حتى يتبين الأمر عن علم ودراية بعيدا عن سوء الظن والتحليلات الواهية.

وللأسف فلم تكن هذه المرة الأولى التي تقوم فيها الجريدة آنفة الذكر بنشر ما يسيء إلى المراجع فقد قامت من قبل بالطعن في المرجع التبريزي في عمليه تصديه لبعض المنحرفين عقائديا، بذريعة ما يسبب موقفه من استفادة للجهات الأجنبية والإسرائيلية منها على وجه الخصوص من زعزعة الجبهة المتصدية لإسرائيل متناسية من الذي أثار هذه الفتنة بانحرافاته وشبهاته في الوسط الشيعي!! فاستنكرت على المتصدي للانحراف وسكتت عن مثير الفتنة الأصلي!!! وكأن إثارة الطعون والضلالات فيما يخص معتقد الشيعة الإمامية لايخدم الكيان الصهيوني؟!! 

إن الأثر السيء لترويج ثقافة سوء الظن في أوساط المؤمنين وخاصة عندما يصدر من المتصدين للشأن الإعلامي الشيعي من فضائيات وإذاعات وصحف ينخر في المجتمع المؤمن ويفكك أواصره ويقطع أوصاله، وهو عمل محرم وخاصة عندما يكون في حق المراجع، فمن المعلوم أن الذنب يكون إثمه أكبر كلما كان من وقع في حقه الذنب أعظم حرمة عند الله عز وجل، ومن هنا نجد تأكيد القرآن الكريم عند ذمه لبني إسرائيل على مسألة قتلهم الأنبياء مع أنه قد صدر منهم القتل لأتباع الأنبياء أيضا.

نسأل الله عز وجل أن يصون مجتمعاتنا من هذه الآفة ويحصننا من سوء الظن وآثاره إنه سميع مجيب.