الأمة التي تقف في وجه الحسين (ع)

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلائق أجمعين وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا واللعن الدائم على أعدائهم من الأولين والآخرين.

[e]مقدمة مهمة عن خطب الجمعة[/e]

http://www.al-meshkah.com/showkh.php?id2=26&cat=6



جاء في زيارة الإمام الحسين (ع) المعروفة بزيارة وارث والتي رواها الشيخ الطوسي:

[h]بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله (ع) لقد عظمت الرزية وجلت المصيبة بك علينا وعلى جميع أهل السماوات والأرض، فلعن الله أمة أسرجت وألجمت وتهيأت لقتالك[/h]. (مصباح المتهجد ص721)

وجاء في الرواية المعتبرة على رأي السيد الخوئي والمامقاني وغيرهما (في القاسم بن يحيى والحسن بن راشد) عن الإمام الصادق (ع) أنه قال فيما يقوله الزائر للإمام الحسين (ع):

[h]لعنت أمة قتلتكم، وأمة خالفتكم، وأمة جحدت ولايتكم، وأمة ظاهرت عليكم، وأمة شهدت ولم تستشهد[/h]. (الكافي ج4 ص577 ح4)



[t]اللعن كأفراد واللعن كجماعات[/t]



نقرأ في كثير من زيارات الإمام الحسين (ع) وكذا في بقية الروايات المروية عن أهل البيت (ع) اللعن والتبرئ من قتلة الإمام الحسين (ع) وأعدائه وظالميه كأفراد كما في لعن شمر بن ذي الجوشن وعبيد الله بن زياد ويزيد بن معاوية، ولعنهم كأمة وجماعة، ولعل التأكيد فيها في اللعن والتبرئ كأمة أكثر من اللعن كأفراد.

والناظر في القرآن الكريم يجده يركز على مفهوم الأمة والتعامل معها ككتلة واحدة ذات توجه واحد وغاية واحدة وترابط بين أجزائها، كما في قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس (آل عمران /110)، وقوله سبحانه: كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا (المؤمنون /44)، وقوله عز وجل: وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق (غافر / 5).



[t]متى تسمى الأمة أمة؟[/t]



والأمة كما عرفها الراغب الاصفهاني هي كل جماعة يجمعها أمر ما، إما دين واحد أو زمان واحد أو مكان واحد. (مفردات ألفاظ القرآن ص86)

والملاحظ في كثير من الآيات القرآنية عند تعرضها لذكر الأمم التركيز على الجامع العقائدي، قال تعالى: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (الأعراف / 159)، فالمسلمون أمة واحدة، والكفر ملة واحدة. (ومقولة: الكفر ملة واحدة وإن لم  ترد في نص حديث وكما توهم ذلك البعض، ولكن أصلها مقتنص من روايات متعددة، وليس المقام هنا مقام العرض الفقهي لمسألة الكفر ملة واحدة والتي تناولها الفقهاء في موارد متعددة منها توريث الكفار على اختلافهم لبعضهم، وقتل الذمي بغيره وإن اختلف معه في الديانة.)

وقد أكد القرآن الكريم على أن هناك حسابا للأمم بملاحظتها كأمة ومجموع، كما في قوله تعالى: كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ، ولايكون ذلك إلا بلحاظ جامع العقيدة والعمل.

ولأن الذي يجمع كل أمة هو الجامع العقائدي، ولأن الاعتقاد لايعرف حدودا زمانية ومكانية، ولهذا يكون من هاجر مع النبي (ص) إلى المدينة من الأمة ويكون المسلم الذي يعيش في زماننا هذا في استراليا من نفس تلك الأمة. وكذلك في الطرف الآخر، فأبو جهل الذي حارب النبي (ص) في بدر يعد من نفس الأمة التي حاربت الأنبياء من الكافرين، فمن تبع سيرة الآباء الكافرين صار منهم، {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}، وبنفس مقياس الانتماء هذا يعد سلمان رشدي الذي يعيش اليوم من نفس أمة أبي جهل الذي توفي قبل أكثر من 1400 عام.



[t]سر تناول القرآن لبعض الأمم[/t]



وإذا كان في الفرآن الكريم ذكر لبعض الأمم على نحو خاص، فلأجل اتفاقهم على أمر يخصهم وإن كانوا يشتركون مع غيرهم من الأمم في أصل الكفر، فقوم موسى كقوم هود اتفقوا على الكفر فهم يعدون من ملة واحدة، غير أن الاختصاص يعود لسبب آخر كإنكار خصوص نبوة موسى (ع) أو محاربة النبي هود (ع).

ومن هنا نستطيع أن ندرك بسهولة أن الأمة التي اجتمعت على قتال الإمام الحسين (ع) والوقوف مع بني أمية  يوم عاشوراء لم تنقرض، لأن الأفكار والأعمال التي جمعت من وقف ذاك اليوم بوجه الإمام الحسين (ع) ما زالت ماثلة في يومنا هذا، ومن هنا تجد أن هناك من يفجر نفسه في يوم عاشوراء في كربلاء ليقتل زوار الحسين (ع) – وكما وقع في العام الماضي - ، وهناك من ينتحر لأجل أن يقتل أكبر عدد ممكن من المجتمعين في الحسينيات لأجل البكاء على الإمام الحسين (ع)، وإن ما جمع بني أمية وأتباعهم سنة 61 هـ ما زال يجمع أتباع المنهج الأموي اليوم.

إذن ليست المسألة مسألة أفراد بل القضية قضية منهج وفكر ومعتقد، وهو الذي يفرز ويحدد ويقسم.



[t]لماذا انقسم أعداء الإمام الحسين (ع) إلى أمم؟[/t]



أما ما جاء في بعض الزيارات ومنها الزيارة التي صدرنا بها الخطبة: "لعنت أمة قتلتكم، وأمة خالفتكم، وأمة جحدت ولايتكم، وأمة ظاهرت عليكم، وأمة شهدت ولم تستشهد" الظاهرة في أن من وقف بوجه الإمام الحسين (ع) أمم متعددة فهو لايتنافى مع كونهم أمة واحدة، ويحتمل أن يكون الغرض من التنويع لبيان تنوع الفعل والجريمة، فالبعض يظهر وقوفه في الجبهة المناهضة للإمام الحسين (ع) وأهل البيت (ع) بالجحود، وبعضهم بالإسراج للخيل وصنع السيوف وبعضهم بالقتل وبعضهم بالتفرج وعدم النصرة وبعضهم بمجرد الرضا القلبي، فمجرد الرضا بالفعل كاف في استحقاق العذاب وإن كان الرضا بعد قرون من الفعل، ومن هنا نفهم السر في نزول عذاب الاستئصال الذي كان في الأمم السابقة مع أن الأمة كلها لم تشارك في قتل وإيذاء الأنبياء وإنكار دعوتهم بل بعضهم، ولكن البعض فعل والآخر أيده ورضي بفعله فعمهم العذاب، وهذا نظير ما فعلته ثمود حيث نسب الله عز وجل عقر الناقة للقوم كلهم، قال تعالى: فكذبوه فعقروها (الشمس / 14) مع أن المتيقن والمعلوم – بغض النظر عن الآيات والروايات الواردة – أن العقر لايمكن أن يصدر من كل القوم. 

وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين (ع) حيث قال:

[h]إنما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا، فقال سبحانه[/h]: فعقروها فأصبحوا نادمين ( الشعراء / 157)". (نهج البلاغة الخطبة 201)

وروى ابن أبي زينب النعماني عن أمير المؤمنين (ع) أيضا أنه قال:

[h]وإنما يجمع الناس الرضا والغضب، أيها الناس إنما عقر ناقة صالح رجل واحد، فأصابهم الله بعذابه بالرضا لفعله، وآية ذلك قوله عز وجل[/h]: فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر (القمر / 29-30)، وقال: فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها (الشمس / 14-15). (الغيبة ص27، عنه مستدرك الوسائل ج12 ص194 ح3)  

كما يحتمل أن يكون منشأ التنوع هو اختلاف الجرائم في أنواع العقوبة فالذين قاتلوا الإمام الحسين (ع) عقوبتهم أشد من الذين رضوا بقتل الحسين (ع) أو الذين أسرجوا الخيول وإن كان الكل يشترك في أصل العقوبة.  



[t]لعن بني أمية[/t]



ورد في جملة من الزيارات لعن بني أمية بشكل مجموع، وقد يكون هذا مستغربا، لا من جهة أن اللعن كيف يرد على الجماعة بل من جهة أن اللعن توجه إلى قبيلة من جهة النسب، فلماذا يؤخذ الأبناء بجريرة الآباء؟ وهل استحقاق الآباء للعن يستوجب استحقاق الذرية لها؟ 

ولكن التأمل في المسألة يقضي بأن اللعن المتوجه للأبناء لم يكن بلحاظ النسب بل من جهة المنهج والمسلك الذي يتبعونه في عداء الإمام الحسين (ع).

وقد يذهب البعض إلى أن اللعن الوارد حول بني أمية قاطبة - وهو دعاء عليهم بالطرد من رحمة الله - من جهة أن الأئمة (ع) يعلمون أنه لن يلد شخص ينتمي إلى بني أمية بالنسب إلا ويكون معاديا للإمام الحسين (ع) بسبب تأثير التربية وغير ذلك من العوامل، نظير دعاء نوح (ع) على قومه: وقال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا. (نوح / 26-27)

غير أن الأرجح بحسب الظاهر وبلحاظ بعض الروايات الواردة أن استحقاق اللعن من جهة متابعة بني أمية في مقام الاعتقاد والعمل، فمن لم يكن متابعا لهم لايشمله اللعن وإن كان منتميا لبني أمية نسبا.

فقد روى الشيخ المفيد في الاختصاص بسند معتبر عند بعض علمائنا (بناء على نسبة كتاب الاختصاص للشيخ المفيد واعتبار حال شيخ المفيد) عن أبي عبد الله محمد بن أحمد الموفي الخزاز، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، عن ابن فضال، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي مسروق النهدي، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، قال: دخل سعد بن عبد الملك - وكان أبو جعفر (ع) يسميه سعد الخير وهو من ولد عبد العزيز بن مروان - على أبي جعفر (ع)، فبينا ينشج كما تنشج النساء، قال: فقال له أبو جعفر (ع): [h]ما يبكيك يا سعد؟ قال: وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال له: لست منهم، أنت أموي منا أهل البيت، أما سمعت قول الله عز وجل يحكي عن إبراهيم[/h]: فمن تبعني فإنه مني ( إبراهيم /36)". (الاختصاص ص85)



[t]صور متابعة بني أمية[/t]



وإذا كانت المسألة لا علاقة لها بالزمن، ولا علاقة لها بالنسب، بل تعتمد على المتابعة في العمل والحب، وقد تختلف صور المتابعة شدة وضعفا فهناك من يقتل ويفجر، وهناك البعض ممن يعبر عن هذه المتابعة بإعلان في الصحف عن تنزيلات بمناسبة عاشوراء!!!

والاتحاد الوطني لجامعة الكويت ينزل في هذا الشهر منشورا في الجامعة وباسم لجنة التوعية الاجتماعية!!! (فما أحلى اسم التوعية وما أقبح مضمونها) وهو موقع باسم أحد مشايخ الفتنة المعروفين، وعنوانه: لماذا يزرع الشقاق بين المسلمين سنويا!!

وكأن إحياء الشيعة لعزاء الإمام الحسين وإظهار الحزن عليه هو منشأ الشقاق وهو الذي يثير الفتنة وليست العصبيات والدفاع عن جرائم يزيد وبني أمية!!

لقد جاء في المنشور:

"إن ما روي من أن السماء صارت تمطر دما أو أن الجدر كان يكون عليها الدم أو ما يرفع حجر إلا ويوجد تحته دم أو ما يذبحون جزورا إلا صار كله دما فهذه كلها أكاذيب تذكر لإثارة العواطف ليس لها أسانيد صحيحة".

مع أننا قد أسلفنا في بعض الخطب السابقة أن الهيثمي في الجزء التاسع من مجمع الزوائد قد صرح بصحة بعض الأحاديث المتضمنة لبعض الأحداث الكونية السابقة، وبهذا يظهر من هو الكاذب.

وجاء في المنشور أيضا:

"وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشانا وغير ذلك من الزيادات التي إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء".

ونحن نسأل: إن القصة التي أثبتها شيخ الفتنة هذا هي بنفسها تثبت عطش الإمام الحسين (ع) فالمصدر المأخوذ منها القصة واحد، وهو تاريخ الطبري ومقتل أبي مخنف، وقد جاء في المنشور:

"وكان كل واحد من جيش الكوفة يتمنى لو غيره كفاه قتل الحسين حتى لا يبتلى بدمه حتى قام رجل خبيث يقال له شمر بن ذي الجوشن فرمى الحسين برمحه فأسقطه أرضا". فهل ثبت لديه هذا بسند صحيح؟

أم أنه لاحاجة إلى السند الصحيح إلا في عطش الحسين (ع) ومنع الماء عنه؟

ويأتي المنشور أخيرا ليبرئ المجرم من جريمته ويقول أنه : لم يكن ليزيد يد في قتل الحسين (ع) ولا نقول هذا دفاعا عن يزيد ولكن دفاعا عن الحق.

وهذا الدفاع يعكس منهج بني أمية وابن تيمية في تبرئة المجرمين، فإننا نجد علماء كبار من أهل السنة صرحوا بدور يزيد في قتل الإمام الحسين (ع)، يقول الذهبي:

"ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل وقتل الحسين وأخوته وآله وشرب يزيد الخمر ...الخ". (تاريخ الإسلام، أحداث سنة 61-80هـ ص30)



[t]مطوية الفتنة[/t]



وفي يوم الاثنين المصادف 5 محرم 1426هـ وزعت ثلاث صحف كويتية مطوية فيها إثارة للفتنة الطائفية، وحسنا فعل بعض الكتاب من أهل السنة حيث عبر عنها بـ"مطوية الفتنة"، فالمنشور المطبوع بأوراق مصقولة تزامن مع بداية شهر محرم الحرام حيث يقيم الشيعة مآتم الأحزان على مصيبة الإمام الحسين (ع)، وتوقيت المطوية ومحتواها يؤكدان استهداف إثارة الشيعة، كما أنه جاء بعد الأحداث الأمنية العصيبة التي مرت بها الكويت والتي أعلن فيها بعض من ألقي القبض عليهم أنهم كانوا ينوون القيام بأعمال عدوانية على الحسينيات، وكأنها تصب الزيت على النار أو تبحث عن متنفس تفرغ فيه الضغائن أو تريد صرف الأنظار عن أحداث معينة وتوجيهها نحو أمور أخرى وكأنها هي مصدر الخطر الذي يهدد البلد!!

وإذا كان أتباع المنهج الأموي يوزعون مثل هذه المطويات والمنشورات سابقا على السيارات والبيوت خلسة فإنهم في هذه السنة يوزعونها علانية ومرفقة مع الجريدة!! في تحد سافر لأحاسيس المواطنين الشيعة.



[t]المطوية والروح الأموية[/t]



ومن يقرأ هذه المطوية يجد سيطرة الروح الأموية عليها، وتوغل النفس الطائفي والشعوبي، وقد جاءت بثلاث ألوان أساسية، وكان كاتبها يركز على المواطن الحساسة والمثيرة باللون الأحمر والأخضر.

فالصفحة الأولى منها كانت عن شهر محرم، بينما الصفحات الثانية والثالثة تحدثت عن الخلفاء الأربعة، والصفحة الرابعة عن عائشة ومعاوية وكأنه لايوجد في الصحابة من هو أفضل من معاوية!! ألا يدلل هذا على أن المقصود هو إثارة الفتنة.

من حقهم أن يتحدثوا عما ثبت لديهم عن فضل صيام يوم عاشوراء، مع أننا لانجد منهم أي اهتمام بالنشر في الصحف بالدعوة لصيام أيام أخرى غير عاشوراء مما ثبت استحباب صيامها عندهم!! ولكن أن ينتقلوا من الحديث عن أعمال يوم عاشوراء من الصيام إلى القول: "واعلم أن الهدي هدي محمد الذي قال:[h] ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان[/h] فهو يكشف عن نية مبيتة للتحريض وإثارة الفتنة، فما موقع هذا الحديث ضمن الحديث عن يوم عاشوراء وأعماله؟ فهل ورد عن النبي (ص) عندهم النهي تلك الأمور عندما كان يحل يوم عاشوراء؟! أليس مقصودهم هو التعريض بالشيعة لأنهم يلعنون وفي الحسينيات قتلة الإمام الحسين (ع) من يزيد وغيره.

ومما يؤكد هذا القصد أنهم أعقبوا الحديث السابق المنسوب إلى النبي (ص) بحديثين آخرين منسوبين إليه وهما: [h]ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية[/h] ،[h] وأنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة[/h] ، والصالقة هي التي تصيح بصوت مرتفع والشاقة التي تشق ثوبها"، وهي أمور تقام في الحسينيات في شهر محرم وخاصة في يوم عاشوراء من قبل الشيعة رجالا ونساء اعتمادا لفتاوى فقهائهم الذين استندوا في آرائهم لما ثبت لديهم عن أهل البيت (ع).

كما أن المطوية ركزت على المسألة الشعوبية والقومية وهي اهتمامات أموية بحتة يشهد لها التاريخ، فذكر في سيرة عمر بن الخطاب أنه : "وقد ذل لوطأته أكاسرة الفرس وأباطرة الروم وعتاة العرب"، وفي سيرة عثمان أنه: "وتم في عهده فتح قبرص وكثير من البلاد منها طبرستان وخراسان وغيرها وقتل يزدجرد آخر أكاسرة الفرس"، حيث قد عمد إلى تلوين كلمة الفرس بلون أحمر مميز عن باقي الكلمات، فما الفرق بين الكفار سواء كانوا أكاسرة الفرس أم أباطرة الروم أم عتاة العرب؟!



[t]افتراءات على أمير المؤمنين (ع)[/t]



وعندما يتعرض كاتب المطوية (ويمكن للشخص أن يعرفه بسهولة من اهتماماته بمثل هذه الإثارات وأسلوبه المشابه لطريقته السابقة) لسيرة الخلفاء الأربعة بعد وفاة الرسول الأكرم (ص) يعطي لكل واحد منهم لقبا كالصديق والفاروق وذو النورين إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فإنه يكنيه بأبي الحسنين!!

كما أنه عندما يتعرض لسيرة الخلفاء الثلاثة لايتكلم عن طبيعة علاقتهم ببقية الصحابة، فلاحديث مثلا عن علاقة عمر بن الخطاب بخالد بن الوليد، ولاعلاقة عثمان بن عفان بأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، ولكن يحرص على أن يذكر شيئا عن العلاقة بين أمير المؤمنين (ع) ومن سبقه من الخلفاء، واعتمادا على منقولات ضعيفة أو مكذوبة، مما يؤكد أن الكاتب كتب ما كتب بقصد التحرش في الشيعة.

ففي سيرة أبي بكر يقول:

"وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على البيت الذي فيه أبو بكر مسجى، ومما قال فيه: رحمك الله يا أبا بكر كنت أول القوم إسلاما، وأكملهم إيمانا، وأخوفهم لله، ...الخ". ثم ذكر الكاتب: "رواه البزار". واكتفى بذلك من دون الإشارة إلى صحة السند.     

أما الهيثمي وهو من علماء السنة فيقول تعليقا على الرواية السابقة:

"رواه البزار، وفيه عمر بن إبراهيم، وهو كذاب". (مجمع الزوائد ج9 ص47)

وفي سيرة عمر يقول:

"قال علي: "من فضلني على أبي بكر وعمر لأجلدنه حد المفتري (الكاذب)". ثم يضيف: "رواه أحمد بسند صحيح".

أقول: نص كلام أمير المؤمنين (ع) قد وضع باللون الأحمر، والرواية غير موجودة أصلا في مسند أحمد فضلا أن يكون لها سند صحيح في المصادر التي بين أيدينا، والكاتب اعتاد على الكذب تبعا لشيخه ابن تيمية الذي أورد الحديث وكأنه من المسلمات، غير أن المعلق على كتاب منهاج السنة محمد رشاد سالم فضح ابن تيمية وصرح بضعف الحديث. (راجع منهاج السنة 7 / 511)

وفي سيرة عثمان نقل الكاتب عن علي (ع) كلام له في جمع عثمان الناس على المصاحف، وذكر أن مصدر الخبر كتاب فتح الباري ومدعيا صحة الإسناد مع أن الرواية غير موجودة في فتح الباري ج1 ص78 فضلا عن صحة إسنادها.

أما في سيرة أمير المؤمنين (ع) فقد خصص نصف الحديث فيه عن علاقة أمير المؤمنين (ع) بعائشة، وقال فيه:

"لم يكن يوم الجمل لعلي بن أبي طالب (ع) وأم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير قصد في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم وذلك بسبب اندساس أتباع عبدالله بن سبأ في الفريقين، وهم الذين أوقدوا نار القتال. وكان علي أمير المؤمنين يوقر أم المؤمنين عائشة ويجلها، ويقول إنها لزوجة نبينا في الدنيا والآخرة تاريخ الطبري .. وكذا أم المؤمنين عائشة كانت تجل عليا وتوقره ..الخ".

ولامجال هنا لمناقشة المتسبب في قتال حرب الجمل وجذور الحرب، فهذا يقتضي بحثا مستقلا، ولكن ما يعنينا أن هذا الحديث المنسوب لأمير المؤمنين (ع) والذي قد وضع باللون الأحمر في المطوية للفت الأنظار قد رواه الطبري في تاريخه ج3 ص61 بسنده الآتي:

"كتب إلي السري (بن يحيى)، عن شعيب (بن إبراهيم)، عن سيف (بن عمر التميمي)، عن محمد وطلحة". 

وهذا السند ضعيف ففيه سيف بن عمر التميمي المتهم بالكذب والزندقة، فقد قال فيه يحيى بن معين: ضعيف الحديث، فلس خير منه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم بن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، قال: وقالوا أنه كان يضع الحديث. (تهذيب الكمال ج8 ص250).

وقال الحافظ ابن حجر:

"بقية كلام ابن حبان: اتهم بالزندقة، وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك، وقال الحاكم: اتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط". (المصدر السابق ص251 الهامش1)

وفي السند جهات ضعف أخرى، وفي ضعفه بسيف الكفاية.

وفي الصفحة الأخيرة وفي سيرة معاوية:

"قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بعد رجوعه من صفين: لاتكرهوا إمارة معاوية، والله لئن فقدتموه لكأني أنظر إلى الرؤوس تندر (تقطع) عن كواهلها (أكتافها)". ابن كثير".

أقول: لم يميز أي فقرة في سيرة معاوية باللون الأحمر سوى نص هذا الحديث المكذوب، فالحديث المذكور رواه ابن كثير بسند مرسل بينه وبين مجالد. (البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص140، راجع الملحق رقم 1)

 

[t]شكر وعتاب[/t]



ونحن هنا نتقدم بالشكر من الجرائد التي رفضت نشر هذه المطوية حرصا على المصلحة الوطنية بالرغم من العروض السخية التي قدمت لها، كما نشكر جريدة القبس على اعتذارها للخطأ غير المقصود في النشر، ونعتب على الصحف التي قبلت عرض المطوية من دون أن تلاحظ أولوية المصلحة العامة.

ولقد أخبرني أحد المؤمنين الثقات عن أحد العاملين في إحدى الصحف التي امتنعت عن نشر المطوية أن من وقف خلف المنشور (وهي جهة مجهولة لم تذكر اسمها على المطوية أيضا) عرض عليهم مبلغ ألفين دينار لكل محافظة من محافظات الكويت الست، وعندما رفض مندوب الجريدة عرض مبلغ أربعة آلاف دينار أي ما مجموعه أربعة وعشرون ألف دينار للجريدة الواحدة، وإن هذا الرقم الكبير يدعو إلى التدقيق من الجهات المختصة في المصادر المالية لهذه المطوية، فلعلها أخذت من الأموال التي يتبرع بها المواطنون بحسن نية للأعمال الخيرية أو الزكاة ظنا منهم أنها تصرف في مواردها فوظفها أصحاب مطوية الفتنة في مجال الفتنة.      



[t]دعوة لفتح تحقيق جدي[/t]



لقد بلغني أن بعض المسؤولين قد أبلغ بعض المعترضين على مطوية الفتنة من أصحاب الحسينيات وفي اجتماع ضمهم أخيرا بعد العاشر من المحرم أنهم أوصوا بإجراء تحقيق في ذلك، وإنني أقول أنه لايمكن الاكتفاء بالتصريحات والوعود الشفهية التي تطلق في الجلسات الخاصة بل المطلوب حتى يشعر المواطن بجدية الحكومة في محاسبة مثيري الفتنة وأن الجميع سواسية أمام القانون أن تنطلق الحكومة في خطوات عملية وعلنية لإيقاف مثيري الفتنة عند حدهم، فالفتنة إذا أطلت برأسها تأكل الأخضر واليابس.

ولاينبغي أن تمر هذه القضية من دون محاسبة، فمثل هذه المنشورات والمطويات تؤجج الوضع أكثر، وهي تجر البلد إلى التطرف.



[t]داوتني بالتي كانت هي الداء!![/t]



ونحن نشهد هذه الأيام لمعالجة مشاكل التطرف والإرهاب أنه تمت الاستعانة في بعض الندوات والمؤتمرات المقامة من بعض الجهات الرسمية بمجموعة من المشايخ الذين يوصفون بأنهم "مشايخ الاعتدال"!! مع أن بعضهم كان حتى الأمس القريب من أشد مسببي التأزيم والتطرف. 

لايهمنا هذا الآن مع أنه لا أمل بحل أي مشكلة إذا كان العلاج يتم عبر من سبب المشكلة، ولكن ما يعنينا أن الطرح المتداول من قبل ما يسمون بمشايخ الاعتدال مركز على مسألة التطرف الحاصل ضد الحاكم، ولم نسمع من أي واحد من هؤلاء أن تعرض للتطرف الحاصل ضد المحكوم وضد المواطنين وكأنه لم يعترف المجرمون بنيتهم المشؤومة لتفجير الحسينيات بمن فيها؟! 

نسأل الله أن يقينا من شرور الفتن ويحفظ بلدنا وسائر بلاد المسلمين من السوء.



[t]الملحق رقم (1):[/t]

وقد رواه ابن عساكر بخمسة أسانيد ضعيفة في تاريخ مدينة دمشق ج59 ص151، ولامجال لاستقصاء وجوه الضعف فيها كلها ولكنني أكتفي ببعضها لأداء الغرض.

فالسند الأول فيه: أبو غسان أحمد بن سهل بن الوليد الأهوازي وحيان بن علي العنزي وهما مجهولان عندهم.

والسند الثاني فيه: أبو بكر محمد بن أبي نصر بن أبي بكر اللفتواني وأحمد بن محمد بن عمر اللنباني، ولم يوثقا في كتبهم.

والسند الثالث فيه: الحسين بن عبد الملك الخلال، ولم يوثق بحسب ما بأيدينا من مصادر إلا ما قاله الذهبي فيه في سير أعلام النبلاء ج19 ص620 حيث وصفه بالصادق، ولم ينقل الذهبي مصدرا لتوثيقه مع الفاصل بينهما فالذهبي توفي سنة 748هـ، والخلال توفي سنة 532هـ وبينهما قرنان من الزمان.

والسند الرابع فيه: الحسين محمد بن عبدالرحمن بن فهم، وقد قال فيه الحاكم: ليس بالقوي، وكذا قال الدارقطني، فراجع لسان الميزان ج2 ص308 ، وتذكرة الحفاظ ج2 ص680.

والسند الخامس رواه ابن عساكر بإسناد عال ولكن ليس إلى الراوي عن أمير المؤمنين (ع) بل عن عامر، فهو مرسل. 

وجميع الأسانيد تنتهي إلى مجالد بن سعيد الكوفي، وقد قال فيه البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان عبد الرحمن بن مهدي لايروي عنه شيئا، وكان أحمد بن حنبل لايراه شيئا، يقول: ليس بشيء، وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: لايحتج بحديثه، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: ضعيف واهي الحديث. (تهذيب الكمال ج17 ص438)

وقد ضعفه شيخ السلفية الألباني، فراجع سلسلة الأحاديث الصحيحة في المجلد الأول – القسم الأول ص150، والمجلد الثاني ص249.

كما أن أربعة من الأسانيد كان الراوي فيها عن أمير المؤمنين (ع) الحارث بن عبدالله الأعور، وهو مختلف فيه بين أهل السنة، فقد اتهمه بعضهم بالكذب كأبي إسحاق وأبي بكر بن عياش وجرير والمديني. (تهذيب الكمال ج4 ص41 و42)

وقد اعترف الألباني بضعفه في سلسلة الأحاديث الصحيحة في المجلد الثاني ص427 و468.