الشعائر الحسينية وتعظيم شعائر الله

قال تعالى: وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير * ....... ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ...... ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ... . (الحج 27 – 32) [t]موقع الشعائر الحسينية[/t] يحتل موضوع الشعائر الحسينية حيزا مهما في كلمات فقهاء الشيعة الإمامية حتى ألفوا فيها الكتب، وتتنوع صور تلك الشعائر من البكاء واللطم ولبس السواد وغير ذلك من صور الشعائر، ولابد لنا أن نلاحظ الأساس الذي اعتمده الفقهاء في مشروعية تلك الشعائر ورجحانها. من جملة الأدلة التي اعتمدوها كمستند لهم آية ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ، ومحل بحثنا لإثبات رجحان الشعائر الحسينية هو البحث في هذه الآية بغض النظر عما ورد في كل واحدة من أشكال الشعائر الحسينية من دليل خاص، فنحن نريد أن نثبت رجحان البكاء واللطم وغيره حتى لو افترضنا عدم ورود دليل خاص فيها وعدم وجود أخبار فيها. [t]الشعائر في كلمات أهل اللغة[/t] قال الراغب الإصفهاني: "ومشاعر الحج: معالمه الظاهرة للحواس، والواحد مشعر، ويقال: شعائر الحج، الواحد: شعيرة، قال تعالى: ذلك ومن يعظم شعائر الله (الحج/32)، وقال: فاذكروا الله عند المشعر الحرام (البقرة/198)، لاتحلوا شعائر الله (المائدة/2)، أي: ما يهدى إلى بيت الله، وسميت بذلك لأنها تشعر، أي تعلم بأن تدمى بشعيرة أي: حديدة يشعر بها، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد لمماسته الشعر، والشعار أيضا ما يشعر به الإنسان نفسه في الحرب، أي يعلم". (مفردات ألفاظ القرآن ص456) وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: "والمشعر موضع المنسك من مشاعر الحج من قول الله: فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وكذلك الشعارة من شعائر الحج، وشعائر الله مناسك الحج، أي علاماته، والشعيرة من شعائر الحج، وهو أعمال الحج من السعي والطواف والذبائح، كل ذلك شعائر الحج. والشعيرة أيضا: البدنة التي تهدى إلى بيت الله، وجمعت على الشعائر". (ترتيب كتاب العين ج2 ص922، والبدنة من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة، الذكر والأنثى في ذلك سواء، وقال الجوهري: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها، وجمع البدنة البدن، راجع لسان العرب ج1 ص346) وقال ابن منظور في لسان العرب: "والإشعار: الإعلام، والشعار العلامة، قال الأزهري: ولا أدري مشاعر الحج إلا من هذا لأنها علامات له، وأشعر البدنة: أعلمها، وهو أن يشق جلدها أو يطعنها في سنامها الأيمن حتى يظهر الدم ويعرف أنها هدي، .... والشعيرة البدنة المهداة سميت بذلك لأنه يأثر فيها بالعلامات، والجمع شعائر، وشعار الحج: مناسكه وعلاماته وآثاره وأعماله، جمع شعيرة، وكل ما جعل علما لطاعة الله عز وجل كالوقوف والطواف والسعي والرمي والذبح وغير ذلك، ومنه الحديث: أن جبرئيل أتى النبي (ص) فقال: مر أمتك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج. والشعيرة والشعارة والمشعر كالشعار، قال اللحياني: شعائر الحج مناسكه، واحدتها شعيرة". (لسان العرب ج7 ص135 _ 136، وقال مصحح الكتاب: تعليقا على قول ابن منظور: قوله "وشعار الحج: مناسكه وعلاماته وآثاره وأعماله، جمع شعيرة" صحيح، وإنما الخطأ في قوله إنه جمع شعيرة، فجمع شعيرة شعائر"). والمتحصل من مجموع كلماتهم (وبملاحظة التفاتهم للاستعمالات القرآنية) أن الشعائر جمع الشعيرة، وهي إما مناسك الحج وإما البدنة والوجه الجامع بينهما كون الشعيرة علما لطاعة لله عز وجل، فصفة العلامة مأخوذة في معنى الشعائر. [t]المفسرون والشعائر[/t] اختلف المفسرون في المراد من الشعائر في الآية المباركة، قال الطبرسي: "ومن يعظم شعائر الله أي معالم دين الله والأعلام التي نصبها لطاعته. ثم اختلف في ذلك: فقيل: هي مناسك الحج كلها عن ابن زيد، وقيل: هي البدن وتعظيمها استسمانها واستحسانها عن مجاهد وعن ابن عباس في رواية مقسم، والشعائر جمع شعيرة وهي البدن إذا أشعرت أي أعلمت عليها بأن يشق سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنها هدي، فالذي يهدي مندوب إلى طلب الأسمن والأعظم. وقيل: شعائر الله دين الله كله، وتعظيمها التزامها، عن الحسن. فإنها أي فإن تعظيمها لدلالة تعظيم عليه، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه فقال: فإنها من تقوى القلوب أضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب...". (مجمع البيان ج7 ص133) وقال السيد عبد الأعلى السبزواري في تفسير قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله: "والشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة، تطلق تارة: على معالم الحج ومشاعره، وهي أعلامه الظاهرة المعدة للنسك والعبادة، ومشاعر الله: كل ما يتعبد فيه لله عز وجل. وأخرى: على العبادة والنسك من صلاة وصوم ودعاء وقراءة القرآن وغير ذلك مما يصح أن تكون عبادة. والمعنى أن الصفا والمروة من مواضع عبادة الله تعالى ومعالم طاعته، لأن المسعى من أحب البقاع إلى الله تعالى، وأن السعي بينهما تذلل خاص وخشوع كبير لله تعالى، ففي الحديث قيل للصادق (ع): لم صار المسعى أحب البقاع إلى الله تعالى؟ قال: [h]لأنه يذل فيه كل جبار[/h]. ومنه إشعار البدن، أن يجعل لها علامة من شق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها. وإضافتها إلى الله تعالى في الآية المباركة لتشريفها وتهويل الخطب في إحلالها. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تتهاونوا بحرمات الله عز وجل ولا تهتكوا شعائر الله تعالى فتجعلوها حلالا تعملون فيها كما تشاءون، وخص بعض المفسرين الآية الكريمة بشعائر الحج ولكنه تخصيص لها بغير دليل". (مواهب الرحمن ج2 ص214) وقال الشيخ النمازي الشاهرودي: "فالشعائر مطلق العلامات، فإذا أضيفت إلى الله تكون العلامات الراجعة إلى أمور الله، وذلك قوله تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب يعني علامات طاعة الله وأعلام دينه". (مستدرك سفينة البحار ج5 ص416) ومن خلال رأي الطبرسي والسبزواري والنمازي يتبين أنهم يرجحون كون المراد من الشعيرة مطلق العلامة لله عز وجل وأن البدن هي من مصاديق وأفراد تلك العلامات. وقد ذهب إلى هذا الرأي الكثير من المفسرين منهم الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي ج3 ص378، والملا فتح الله الكاشاني في زبدة التفاسير ج4 ص391) بينما يذهب البعض الآخر إلى كون المراد من شعائر الله في الآية خصوص البدن. قال البيضاوي (من مفسري العامة): "ذلك ومن يعظم شعائر الله دين الله أو فرائض الحج ومواضع مناسكه أو الهدايا لأنها من معالم الحج، وهو أوفق بظاهر ما بعده، وتعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان}. (كما نقله عنه النراقي في عوائد الأيام ص27) قال العلامة الطباطبائي: "والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة، وشعائر الله الأعلام التي نصبها الله تعالى لطاعته كما قال: إن الصفا والمروة من شعائر الله، وقال: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله. والمراد بها البدن التي تساق هديا وتشعر أي يشق سنامها من الجانب الأيمن ليعلم أنها هدي على ما في تفسير أئمة أهل البيت (ع) ويؤيده ظاهر قوله تلوا: لكم فيها منافع الخ، وقوله بعد : والبدن جعلناها الآية، وقيل المراد بها جميع الأعلام المنصوبة للطاعة، والسياق لايلائمه". (الميزان ج17 ص373) وقال الشيخ النراقي: "إن المستفاد من جميعها (أي الأقوال في شعائر الله في الآية) أن المراد بـ (شعائر الله) يحتمل وجوها أربعة: الأول: البدن خاصة. الثاني: مناسك الحج وأعماله كلها. الثالث: مواضع مناسكه ومعالمه. الرابع: علامات طاعة الله وأعلام دينه. والمعنى الصالح للتمسك بالآية في وجوب تعظيم شعائر الله على ما يستدل به القوم هو الرابع، دون غيره من الثلاثة الأول، فالتمسك بها يتوقف على تعيين ذلك المعنى، ولا دليل على تعيينه إلا عموم اللفظ من حيث كونه جمعا مضافا. ومع ذلك يخدشه أمران: أحدهما: أنه يفيد لو كان الشعائر جمعا للشعار بمعنى مطلق العلامة، وهو غير ثابت، لاحتمال كونه جمعا للشعيرة التي هي البدنة. وثانيهما: أن عموم الجمع المضاف إنما هو في الأفراد المنسوبة إلى المضاف إليه، والمضاف إليه هنا وإن كان هو الله، ولكنه لما لم يصح يحتاج إلى تقدير لا يتعين أن يكون هو دين الله أو طاعته أو عبادته أو أمثال ذلك، بل يمكن أن يكون هو طاعته المخصوصة أي الحج، فإن أدنى ملابسة كافية في الإضافة. هذا مع أن ظاهر المقام لا يلائم التعميم، بل يناسب أحد الثلاثة – كما مر في كلام البيضاوي – لكون المقام مقام بيان أعمال الحج. بل ما بعد هذه الآية وهو قوله: لكم فيها منافع إلى آخره يعين إرادة أحد هذه الثلاثة، إذ لايوافق قوله تعالى: {لكم فيها منافع} إلى قوله: إلى البيت العتيق إرادة التعميم من شعائر الله إلا بارتكاب أمور كثيرة مخالفة للأصل من تقدير وتخصيص، كما مر في كلام الطبرسي. بل في الروايتين اللتين مر ذكرهما في كلام الصافي عن الكافي والفقيه تصريح بتفسير قوله: لكم فيها منافع إلى آخره بما لا يوافق إلا أحد الثلاثة. بل في بعض الأخبار إشعار بإرادة البدن خاصة من الشعائر، وهو ما رواه في الكافي ..... هذا ولكن الظاهر من قوله سبحانه بعد هذه الآيات: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله عدم اختصاص الشعائر بالبدن حيث إن الظاهر من لفظة (من) هو التبعيض. وظهر بذلك ضعف ما يستفاد من كلام جمع من الفقهاء من حمل شعائر الله على العموم". (عوائد الأيام ص29) [t]مناقشة الرأي الثاني[/t] وحيث أن الرأي الأخير مما ذهب إليه الكثير من مراجع الطائفة واستندوا إليه وأفتوا بموجبه وخاصة فيما يرتبط بإقامة الشعائر الحسينية (راجع الملحق رقم 1) فإنه لابد لنا من نقد ما تبناه الرأي الثاني الذي ذهب إلى أن المراد خصوص البدن. أما الاستشهاد بروايات أهل البيت (ع) في إرادة البدن فهو من قبيل ذكر المصداق وليس من قبيل تحديد المعنى، مع أنه لم ترد أي رواية معتبرة في إرادة البدن فإن كل ما ورد في الآية هو رواية واحدة جاءت في الكافي ( ج4 ص395 ح5، راجع تفسير نور الثقلين ج3 ص497 ح126، وكنز الدقائق ج9 ص93) وهي رواية ضعيفة حيث كان الراوي عن الإمام (ع) هو بعض رجاله أي بعض رجال الحسن بن علي بن فضال، وهو تعبير يفيد مجهوليته. أما قوله تعالى: لكم فيها منافع إلى أجل مسمى فالجملة وإن كان يحتمل فيها إرادة البدن من جهة تعقيبها بقوله: ثم محلها إلى البيت العتيق غير أن الطبرسي قد نقل وجوها متعددة في إرادة المنافع حيث قال: "ومن قال أن الشعائر دين الله قال: لكم فيها منافع أي الأجر والثواب، والأجل المسمى يوم القيامة، .... ومن قال أن الشعائر هي الدين كله فيحتمل أن يكون معناه أن محل ما اختص منها بالإحرام هو البيت العتيق وذلك الحج والعمرة في القصد له، والصلاة في التوجه إليه، ويحتمل أن يكون معناه أن أجرها على رب البيت العتيق". (مجمع البيان ج7 ص133) ولو أراد القائل بإرادة البدن أن يرجع الضمير في قوله: لكم فيها منافع على شعائر الله، وبالتالي إرادة البدن من شعائر الله فإن هذا غير معلوم، إذ يحتمل قويا عود الضمير على بهيمة الأنعام، فتكون البدن من مصاديق شعائر الله لا أنها المراد في الآية. وأما قوله بعد : والبدن جعلناها من شعائر الله فهي تنفع للقائلين بإرادة عموم العلامة من شعائر الله أكثر مما تنفع القائلين بإرادة البدن حيث أن الآية جاءت بمن التبعيضية، وصرحت بأن البدن من شعائر الله وليست شعائر الله، مما يعني أن تعظيم شعائر الله أشمل وأعم من تعظيم البدن. يؤكد على هذه الحقيقة الآيات القرآنية الأخرى التي تعتبر الصفا والمروة من شعائر الله. وبنفس هذا الوجه يرد على ما قاله المحقق القمي في اعتراضه الأول حيث اعترف في آخر كلامه أن ظهور قوله: والبدن جعلناها من شعائر الله يدل على عدم اختصاص الشعائر بالبدن. أما الروايتين الدالتين على إرادة البدن من قوله {فيها منافع} (تفسير نور الثقلين ج3 ص497 ح126، 127) فيرد عليهما: أولا: إن رواية الكافي ضعيفة بمحمد بن الفضيل، أما رواية من لايحضره الفقيه، فلا تتم إلا على القول بالأخذ بأخبار علي بن أبي حمزة والقول بوثاقة أو حسن محمد بن علي ماجيلويه شيخ الصدوق بناء على مبنى الترضي. وعلى فرض الأخذ بهما فهما تصلحان لإثبات أن البدن فيها منافع كمصداق من مصايق شعائر الله. أما دعوى إضافة الجمع المضاف إلى طاعة الله المخصوصة أي الحج فيدفعها أنها خلاف الإطلاق فإن التقييد بطاعة مخصوصة كالحج هو الذي يحتاج إلى مزيد بيان، هذا مع أن القول بعدم إمكان إضافة الشعائر إلى الله من دون تقدير فهو أول الكلام فإن الشعائر بمعنى العلامات وهي كالآيات تقبل الإضافة إلى الله عز وجل مباشرة، ولقد كثرت الآيات القرآنية والأحاديث التي أضيفت فيها الآيات إلى الله عز وجل مباشرة. كما أن هناك قرينة أخرى على إرادة العلامات والشعائر وهو التشابه ما بين ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه (الحج /30) وبين {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} (الحج /32)، فالتعظيم توجه في الآية الأولى إلى حرمات الله عز وجل أي ما يجب رعايته ولايجوز انتهاكه، ومن البين أن علامات الله تشترك مع حرمات الله من جهة الرعاية وعدم الهتك، هذا مع ملاحظة أن الآية الأولى وردت بعد التطرق لقوله: ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (الحج / 28)، وتحديد حرمات الله وهو معنى عام بمصداق خاص كمناسك الحج أو بهيمة الأنعام أو البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام وكلها احتمالات ووجوه ذكرها المفسرون خلاف الظاهر من الآية، فلماذا لايكون الأمر كذلك في قوله: ومن يعظم شعائر الله؟ [t]أهل البيت (ع) هم شعائر الله وعلاماته[/t] قال الشيخ النمازي الشاهرودي: "وأعظم أعلام الدين النبي وأئمة الهدى صلوات الله عليهم، ولعله لذلك قال أمير المؤمنين (ع):[h] نحن الشعائر والأصحاب[/h]. ومن أفرادها البدن، كما قال تعالى: والبدن جعلناها لكم من شعائر الله. ومن أفرادها: الصفا والمروة، قال: إن الصفا والمروة من شعائر الله ومنها مواضع مناسك الحج ومعالمه التي تكون منافع للناس، بل نفس مناسك الحج وأعماله كلها. ومنها المصاحف والمساجد والضرائح المقدسة والعلماء العاملين، ففي تفسير الصافي: "قوله: لا تحلوا شعائر الله قال: لا تتهاونوا بحرمات الله، جمع شعيرة وهي ما جعله الله شعار الدين وعلامته من أعمال الحج وغيرها، ... ونعم ما قيل: الشعيرة والعلامة والآية واحدة". (مستدرك سفينة البحار ج5 ص416) وهل يعقل أن تكون البدن من شعائر الله وعلاماته، ويدعو القرآن إلى تعظيمها ولايكون أفضل الخلق من علامات الله ولا يدعى إلى تعظيمهم؟! وما دل على أنهم آيات الله وعلاماته مما هو متواتر إجمالا، ونحن في غنى عن إثبات ذلك ولكنني أورد رواية واحدة لغاية أخرى: روى الشيخ الطوسي بسند صحيح، عن أستاذه الشيخ المفيد، عن شيخه ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله (ع)، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن منصور بن بزرج، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) في قول الله: وعلامات وبالنجم هم يهتدون ( قال (ع): [h]النجم رسول الله، والعلامات الأئمة من بعده[/h]. (الأمالي ص163 ح70 مجلس6 ح22. وهناك روايات مستفيضة أخرى، وبعضها معتبر على بعض المباني الرجالية رويت في الكافي وتفسير القمي بسند صحيح عن الإمام الرضا (ع) تفيد أن المقصود من العلامات هم الأوصياء والنجم هو رسول الله صلى الله عليه وآله). وقد استشهدت برواية الطوسي المعتبرة لأنها فضلا عن إثباتها المطلوب تؤكد على مسألة تأويل القرآن بأهل البيت (ع) التي يشكك فيها البعض أو ينفيها مدعيا أن ذلك خلاف ظاهر القرآن مع تأكيد ظاهر القرآن على مسألة التأويل!! (وليس غرضنا عدم تفسير الآية بالنجم الذي في السماء أو نفي كون ذلك هو الظاهر من الآية، بل غرضنا الرد على من لا يصحح إمكانية التأويل في المقام) ومن خطبة لأمير المؤمنين (ع) قال: [h]نحن الشعائر والأصحاب، والخزنة والأبواب، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها، فمن أتاها من غير أبوابها سمي سارقا[/h]. (ينابيع المودة للقندوزي ج3 ص471) [t]مراتب تعظيم الشعائر[/t] المؤكد الذي لا خلاف فيه بين الفقهاء أن تعظيم الشعائر أمر حسن ومطلوب، والتعظيم للعلامة المرتبطة بالله عبارة عن إبداء الاهتمام بها، وله مراتب متفاوتة تختلف من حيث الشدة والضعف، فقد تصل إلى حد الوجوب وقد لا تصل إليه. ومن الأمثلة على تعدد مراتب التعظيم وتفاوتها حكما ما قاله السيد الخوئي (قدس سره): "ويمكن الاستدلال على حرمة مس الجنب أسماء الأنبياء والأئمة بأدلة ثالثها أنها خلاف تعظيم شعائر الله. والجواب: إن مقتضى الاستدلال هو استحباب ترك مسها لا وجوبه، فإن التعظيم له مراتب عديدة وليس التعظيم واجبا بجميع مراتبه وإلا لم يجز اجتياز الجنب من الصحن الشريف ولا مسه بحائط الصحن لأنه خلاف تعظيم الشعائر، فالصحيح عدم حرمة مس أسماء الأنبياء والأئمة جنبا إلا أن يستلزم هتكها". (كتاب الطهارة ج5 ص390، وذهب إلى نفس الرأي السيد الحكيم في مستمسك العروة الوثقى ج3 ص45، والنراقي في مستند الشيعة ج2 ص288، وتأمل السبزواري في ذخيرة المعاد ج1 ص156 في دلالة آية تعظيم الشعائر على لزوم إزالة النجاسة عن الضرائح المقدسة وكذلك القمي في غنائم الأيام ج1 ص436 الذي أضاف: ولكن الأحوط ما ذكروه، بينما يظهر من البعض القول بالوجوب كالأردبيلي في زبدة البيان ص286 وفي كتابه الآخر مجمع الفائدة والبرهان ج1 ص324.) ومن مرتبة الوجوب وجوب تطهير المشاهد المشرفة للمعصومين إذا استلزم من عدم تطهيرها الهتك والإهانة دون ما لا يلزم منه ذلك، فهذا من القدر المتيقن دخوله في حد الوجوب من التعظيم للشعائر. (راجع كتاب الطهارة للسيد الخوئي ج2 ص33، وشرح العروة الوثقى للشهيد الصدر ج4 ص315) وعد الكركي من موارد الوجوب استنادا لتعظيم الشعائر استئجار الكافر المصحف. (جامع المقاصد ج7 ص أما موارد الاستحباب التي ذكروها استنادا إلى آية تعظيم الشعائر فكثيرة: منها: كنس المساجد. (ذخيرة المعاد للسبزواري ج2 ص249، وجواهر الكلام للنجفي ج14 ص87) ومنها: عدم دخول الخلاء بخاتم عليه أسماء الأنبياء والأئمة عليهم السلام. (رياض المسائل للطباطبائي ج1 ص217) ومنها: زخرفة المشاهد المشرفة. (جواهر الكلام ج14 ص90) ومنها: عمارة قبور الأنبياء. (جامع المقاصد للكركي ج10 ص39) ومنها: تجديد قبور العلماء والصلحاء والبناء عليها. (مفتاح الكرامة للعاملي ج4 ص281، وجواهر الكلام للنجفي ج4 ص340، صراط النجاة للخوئي والتبريزي ج2 ص439 سؤال1378) ومنها: الوضوء للدخول في الأماكن الشريفة كقباب الشهداء ومحال العلماء والصلحاء من الأموات والأحياء وما يتبع الروضات من رواق ونحوه. (كشف الغطاء للشيخ جعفر كاشف الغطاء ج1 ص96، وجواهر الكلام للنجفي ج1 ص20) [t]أشكال تعظيم الشعائر[/t] وتعظيم الشعائر يتفاوت بحسب الشعيرة التي ترتبط بها، فإن كانت الشعيرة هي البدن فتعظيمها استسمانها، وإن كانت هي دين الله فتعظيمها الالتزام به، وإن كانت هي مناسك الحج فتعظيمها بأداء الأعمال المرتبطة بها كالسعي والطواف، وإن كانت هي الأنبياء والأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام فتعظيمها بإحياء أمرهم وإبداء الانقياد لهم والاهتمام بشأنهم من بناء قبورهم وبنائها. [t]اهتمام العلماء بالشعائر الحسينية[/t] من موارد الالتباس لدى البعض أنه يظن أن المراد من الشعائر الحسينية وشعائر الله أمر واحد، والصحيح أن الشعائر الحسينية هي من مصاديق تعظيم شعائر الله، فإن الإمام الحسين (ع) هو من شعائر الله بل وأعظمها، وكلما كانت العلامة المنسوبة لله عز وجل أعظم كان أمر تعظيمها أهم وأشد، وتعظيم الإمام الحسين (ع) يكون عبر الشعائر الحسينية، وسميت كذلك لأنها من العلامات المنسوبة للإمام الحسين (ع) في الحزن عليه وتجديد ذكراه كالبكاء واللطم والتشبيه وغير ذلك، فالشعائر الحسينية هي تعظيم لشعائر الله وليست نفس شعائر الله، ولعل ما أوجب اللبس بعض عبارات الفقهاء التي حذفت فيها كلمة التعظيم لأنها مقدرة في الكلام. ولقد اهتم علماؤنا الكبار بالغ الاهتمام بالشعائر الحسينية وخاصة في شهري محرم وصفر لما فيها من إحياء الدين وهداية جماعات من غير المسلمين، وحذروا من استماع تسويلات المغرضين والمشككين. ( ومنه على سبيل المثال ما قاله السيد كاظم المرعشي والسيد مهدي المرعشي والسيد جمال الدين الكلبايكاني، فراجع فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية ص33، 34،60) وقد عد أستاذ الفقهاء والأصوليين الشيخ النائيني (رض) خروج المواكب العزائية في عشرة عاشوراء من الشعار العبادي العظيم ومن الأمور الراجحة التي تعد من أظهر مصاديق ما يقام به عزاء الحسين المظلوم، وأيده في رأيه العديد من الفقهاء الكبار. (راجع فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية ص22، 25 – 36) وأختم الخطبة بواحدة من تلك الكلمات الثمينة التي صدرت من الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء حول الشعائر الحسينية: "ولعمر الله والحق أن تعطيل تلك المظاهرات والمواكب لا يلبث رويدا حتى يعود ذريعة إلى سد أبواب المآتم الحسينية، وعندها لا سمح الله لا يبقى للشيعة أثر ولا عين، ولتذهبن الشيعة ذهاب أمس الدابر، فإن الجامعة الوحيدة والرابطة الوثيقة لها هي المنابر الحسينية والمآثر العلوية، وما تلك الهنابث والوساوس إلا من جراء هاتيك الدسائس – نزعة أموية ونزعة وهابية – يريدون إحياء ذكر بني أمية وإزهاق الحقيقة المحمدية ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ". (فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية ص86) ولا استبعاد بعد هذا فيما قاله بعض الفقهاء من أن الشعائر الحسينية في هذه الظروف واجبة وجوبا كفائيا في الجملة بمعنى لزوم إحياء أصلها من دون تحديد لشكل الإحياء (راجع كلام السيد تقي الطباطبائي القمي والسيد شهاب الدين المرعشي في فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية ص158، 182) ، فإن لمثل هذا نظائر في الفقه، ومنه ما قاله السيد محمد رضا الكلبايكاني من وجوب زيارة النبي (ص) على المجموع من جهة حفظ الشعار الإسلامي وإن كانت الزيارة بالنسبة للآحاد مستحبة. (تقريرات الحج ج2 ص242) اللهم وفقنا لتعظيم شعائر الله عز وجل وأسأله أن يكتبنا في جملة المحيين للشعائر الحسينية. [t]الملحق رقم (1):[/t] ومن ذلك ما قاله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمد رضا الطبسي النجفي، والشيخ محمد علي سيبويه الحائري، والسيد محمد صادق الروحاني، والشيخ ضياء الدين العراقي، فراجع فتاوى علماء الدين حول الشعائر الحسينية ص68، 73، 115، 113، 133، 142، وكذلك ما استشهد به السيد السيستاني والسيد الخوئي والميرزا التبريزي، فراجع موقع السيد السيستاني على الانترنت www.sistani.org ضمن كلمة الشعائر الدينية، وصراط النجاة ج2 ص439، 562، وهو الظاهر أيضا من تقريرات دروس السيد الخوئي في كتاب الطهارة ج5 ص390 حيث أنه لم يعترض على أصل إرادة مفهوم العلامة من الشعائر بل ناقش في كون تعظيم شعائر الله واجبا على كل حال كما سيأتي. ومن المناسب هنا نقل عبارة مهمة للشيخ النجفي حول تعظيم شعائر الله عز وجل، يقول قدس سره بعد أن ذكر حرمة الاستنجاء بالمطعوم: "ثم إنه يفهم من كثير من الأصحاب بل لم أعثر فيه على مخالف جريان الحكم في كل محترم كالتربة الحسينية وغيرها، وما كتب اسم الله والأنبياء والأئمة أو شيء من كتاب الله عليه، بل قد يلحق به كتب الفقه والحديث ونحوها، بل قد يتمشى الحكم في المأخوذ من قبور الأئمة من تراب أو صندوق أو غيره، بل قد يلحق بذلك المأخوذ من قبور الشهداء والعلماء بقصد التبرك والاستشفاء دون ما لا يقصد، إذ الأشياء منها ما ثبت وجوب احترامها من غير دخل للقصد فيه، ومنها ما لا يثبت له جهة الاحترام إلا بقصد أخذه متبركا به أو مستشفيا به، ومنها ما يؤخذ من الإناء من طين كربلاء وغيرها، فإنه لا يجري عليه الحكم إلا إذا أخذ بقصد الاستشفاء والتعظيم والتبرك .... ولا يخفى عليك أنه لا يليق بالفقيه الممارس لطريقة الشرع العارف للسانه أن يتطلب الدليل على كل شيء بخصوصه من رواية خاصة ونحوها، بل يكتفي بالاستدلال على جميع ذلك بما دل على تعظيم شعائر الله وبظاهر طريقة الشرع المعلومة لدى كل أحد، أترى أنه يليق به أن يتطلب رواية على عدم جواز الاستنجاء بشيء من كتاب الله!!". (جواهر الكلام ج2 ص52.)