العلماء وأيتام آل محمد

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلائق أجمعين وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا واللعن الدائم على أعدائهم من الأولين والآخرين.



[e]مقدمة مهمة عن خطب الجمعة[/e]

http://al-meshkah.com/showkh.php?id2=26&cat=6

قال الله سبحانه وتعالى:  فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث   سورة الفجر / 17.

وقال عز من قائل:  ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده   الأنعام / 152.

وقال عز وجل: ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم في الدين والله يعلم المفسد من المصلح   البقرة / 220.



[t]الوصية باليتيم[/t]

جاء التشديد الكبير في القرآن الكريم والروايات الواردة عن النبي (ص) وأهل بيته (ع) حول اليتيم والاهتمام به والوصية به وكفالته وإعالته.



فقد روى الشيخ الصدوق [e]بسند صحيح [/e]عند الشيخ المامقاني (في شيخ الصدوق وعلي بن السندي ) عن الإمام الصادق (ع) قال: [h]اتقوا الله في الضعيفين ، يعني بذلك اليتيم والنساء [/h]. (الخصال ص37)

وروى أيضا عن أبي عبد الله (ع) ، عن آبائه (ع)، قال: قال رسول الله (ص):

[h]مر عيسى بن مريم (ع) بقرب قبر يعذب صاحبه، ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب، فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان صاحبه يعذب، ثم مررت به العام فإذا هو ليس يعذب، فأوحى الله عز وجل إليه: يا روح الله أنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما، فغفرت له بما عمل ابنه[/h]. (الأمالي المجلس 77 ص 603 ح8، عنه سفينة البحار ج8 ص740)

ومن جملة وصايا أمير المؤمنين (ع) عند وفاته لولديه الحسن والحسين عليهما السلام:

[h]الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم[/h]. ( نهج البلاغة – الرسالة 47 ص421 ، وعنه سفينة البحار ج8 ص 741) 

ومعنى لا تغبوا أفواههم أي صلوها بالإطعام فلا تطعموهم يوما وتتركوهم يوما.

وقد روى الكليني هذه الوصية [e]بسند صحيح [/e]عن أبي علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: بعث إلي أبو الحسن موسى عليه السلام بوصية أمير المؤمنين عليه السلام وهي: .......، ثم قال عبد الرحمن: وكانت الوصية الأخرى مع الأولى، ومما جاء في الوصية الأخرى:

[h]الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله عز وجل له بذلك الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار[/h]. (الكافي ج7 ص 51)

وروى الحميري [e]بسند صحيح [/e]عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد الصادق (ع)، عن أبيه الباقر (ع)، قال:

قال النبي صلى الله عليه وآله:

[h]من كفل يتيما وكفل نفقته، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وقرن بين إصبعيه المسبحة ( أي السبابة ) والوسطى[/h]. ( قرب الإسناد ص94 ح315 )



[t]التحذير من أكل مال اليتيم[/t]



وبإزاء الوصايا السابقة ورد التحذير والنهي البليغ عن أكل مال اليتيم ظلما، فقد قال تعالى:  إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا   النساء / 10، وفي جملة من الروايات الصحيحة عد أكل مال اليتيم من الكبائر. (منها ما رواه الكليني في الجزء الثاني – باب الكبائر – ص277 ح2 و3، ص287 ح8 ص280 ح10 ، ص286 ح24)

ولعل من موجبات هذا التحذير والوعيد هو ضعف اليتيم وعدم قدرته الدفاع عن نفسه والقيام بشؤونه والاستقلال بأمره، فاليتيم بحاجة إلى عناية ورعاية وحماية، واستغلال نقطة الضعف هذه تكشف عن لؤم في النفس ودناءة في الروح. 

وفي العلل والعيون عن محمد بن سنان عن الإمام الرضا (ع) قال: [h]حرم الله أكل مال اليتيم لعلل كثيرة من وجوه الفساد، أول ذلك: إذا أكل مال اليتيم ظلما فقد أعان على قتله إذ اليتيم غير مستغن ولا محتمل لنفسه ولا قائم بشأنه لا له من يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه فإذا أكل ماله فكأنه قد قتله وصيره إلى الفقر والفاقة ....الخ[/h]. (البحار ج76 ص268 ح8)



[t]الأبوة النسبية والمعنوية [/t]



اليتيم يطلق على من فقد أباه النسبي، وهو الذي يتولى الاهتمام بشأن الابن ويقوم بأموره، وتقتصر جوانب هذا الاهتمام في الغالب على الأمور الدنيوية، فهو الذي يهيئ له الطعام والشراب والملبس والمسكن، ويحميه من الأخطار، أما مسألة الهداية والصلاح وسلوك طريق الحق فهذا ما لا يهتم به الآباء غالبا، ناهيك عن أن هذا خارج عن شأن الأب بما هو أب، فإن الهداية لاتكون إلا من الله عز وجل وأوليائه، قال تعالى:  أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون  (يونس/ 35).

وعلى هذا الأساس كان أمر الهداية موكولا بالأنبياء والأوصياء عليهم السلام، إذ هم الهداة للخلق والسالكين بهم المحجة البيضاء، ولهم حق الأبوة المعنوية المرتبطة بشأن الآخرة الباقية، التي هي أعظم وأخطر من شأن الدنيا الفانية.

وبمقدار ما يكون للمرء دور في إحدى هذين المجالين يكون له الفضل والسبق عند الله عز وجل، غير أن شأن الأبوة المعنوية أهم بكثير من شأن الأبوة الدنيوية لأن كمال الإنسان بمعنوياته ولأن الأثر المترتب على الأبوة الروحية عظيم وخطير بينما أثر الأبوة النسبية محدود.



[t]أبوة اليتيم الدنيوية[/t]



يروي الشيخ الطوسي [e]بسند صحيح [/e]عند بعض علمائنا كالمامقاني والمجلسي والشهيد الثاني (في أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد) عن الإمام الباقر (ع) أنه قال:

[h]أربع من كن فيه من المؤمنين أسكنه الله في أعلى عليين في غرف فوق غرف، في محل الشرف كل الشرف، من آوى اليتيم ونظر له فكان له أبا، ومن رحم الضعيف وأعانه وكفاه، ومن أنفق على والديه ورفق بهما وبرهما ولم يحزنهما، ومن لم يخرق لمملوكه وأعانه على ما يكلفه ولم يستسعه فيما لا يطيق[/h]. (الأمالي – المجلس السابع – ص189 ح21)

فاليتيم يحتاج إلى من يحل محل أبيه في الاهتمام بأمور دنياه، ولهذا أكد الحديث على مسألة الإيواء ونظرة الرحمة والشفقة التي يحتاجها اليتيم عوضا عما فقده بسبب فقد والديه، واعتبر من يقوم بذلك بمنزلة الأب النسبي لليتيم.



[t]محمد وآل محمد الآباء الروحيون للأمة[/t]



إذا تأملنا في أصل الاشتقاق اللغوي لكلمة الأب لظهر لنا بوضوح صدق إطلاقها على محمد وآل محمد (ع)، فقد قال الراغب الإصفهاني في أول كلمة من كتابه مفردات ألفاظ القرآن:

"الأب: الوالد، ويسمى كل من كان سببا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره أبا، ولذلك يسمى النبي أبا المؤمنين، قال الله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} وفي بعض القراءات: (وهو أب لهم)، وروي أنه قال لعلي: أنا وأنت أبوا هذه الأمة". (المفردات ص57 ط ذوي القربى، تحقيق: صفوان عدنان داوودي)

وقد روى الشيخ الصدوق [e]بسند يقبل التصحيح [/e]عن سيد الشهداء الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قال:

قال لي رسول الله (ص):

[h]يا علي أنت أخي وأنا أخوك، أنا المصطفى للنبوة وأنت المجتبى للإمامة، وأنا صاحب التنزيل وأنت صاحب التأويل، وأنا وأنت أبوا هذه الأمة[/h]. ([(الأمالي – المجلس 53 – الحديث 13 – ص410.

أما قبول السند للصحة فللآتي:

محمد بن أحمد السناني من مشايخ الصدوق الذين ترضى عليهم، وهما وجهان موجبان للحسن، بل إن الترضي موجب للوثاقة عند البعض.

عبد الله بن أحمد هو ابن نهيك الثقة وذلك بملاحظة الطبقة، ويشهد لذلك ما قاله السيد الخوئي في المعجم ج3 ص166 في طريق الصدوق إلى إسماعيل بن الفضل.

القاسم بن سليمان ثقة عند الخوئي ومن يذهب إلى توثيق رواة تفسير القمي.

وسعيد بن علاقة من خواص أصحاب أمير المؤمنين، وأبو سعيد عقيصا قال الجلالي عنه: "وفي نسختنا من رجال البرقي أنه من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام من ربيعة". (رجال المجلسي ص254)

هذا مضافا إلى استفاضة الحديث من طرقنا فقد رواه بنصه وبمضمون مشابه من أن الرسول (ص) وعليا (ع) هما الوالدان لهذه الأمة جملة من محدثي الشيعة والسنة. راجع البحار ج36 ص4 باب أن الوالدين رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما، ويراجع أيضا الصراط المستقيم للنباطي العاملي ج1 ص242 – 243، ونهج الإيمان لابن جبر ص 625، 629)])

وما مر من الحديث يؤكد على أن للإنسان حياة بدنية بالروح الحيوانية وحياة أبدية بالإيمان والعلم والكمالات الروحانية الموجبة لفوزه بالسعادة الأبدية، وقد وصف الله تعالى في مواضع من كتابه الكفار بأنهم أموات بينما وصف الشهداء بالحياة، وحق الوالدين في النسب إنما يجب لمدخليتهما في الحياة الأولى الفانية لتربية الإنسان فيما يقوي ويعضد الحياة الأبدية، وحق النبي (ص) والأئمة (ع) يجب من الجهتين، أما الأولى فلكونهم العلة الغائية لإيجاد الخلق وبهم يرزقون وبهم يدفع الله العذاب ويسبب الأسباب، وأما الثانية التي هي الحياة العظمى فبهدايتهم اهتدوا وبينابيع علمهم أحياهم الله حياة طيبة، فيكون حقهم كآباء أعظم ، ويجب على الخلق رعاية حقوقهم وتجنب عقوقهم. (مقتبس مما قاله العلامة المجلسي في البحار ج36 ص13)

ولقد روى ابن شهرآشوب عن رسول الله (ص) أنه قال:

[h]يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة، ولحقنا عليهم أعظم من حق أبوي ولادتهم، فإنا ننقذهم إن أطاعونا من النار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الأحرار[/h]. (المناقب ج3 ص126 ط منشورات ذوي القربى، عنه البحار ج36 ص11)

ولعل السر في تثنية الضمير وكون علي ورسول الله أبوا هذه الأمة مع أن الشخص الواحد لايكون له إلا أب واحد الإشارة إلى أن عليا له حكم الأب كما كان ذلك الحكم بشكل تام لرسول الله (ص)، مما يؤكد على استمرارية الهداية من خلال الإمامة.

كما أن الحديث فيه دلالة أخرى وهي أن الإنسان لايكمل من دون الإمام المعصوم (ع)، فكماله به، وأن البشرية مهما تقدم بها الزمن ومهما ظفرت بأسباب المدنية والرقي المادي فإنها ستكون متخبطة في شأنها الإنساني والمعنوي من دون وجود الإمام الذي يوجههم ويرفع سقف تفكيرهم واهتماماتهم، وقد روى الشيخ الصدوق عن أبي جعفر الباقر (ع) أنه قال:

[h]إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم[/h]. (كمال الدين ص675 ح30)

وما أجمل التعبير في الرواية حيث وصف الناس من دون الإمام بمن لم يكمل في عقله ولم يبلغ مرتبة النضج والرشد الفكريين. 

  

[t]الروايات التي تفسر اليتيم بأهل البيت (ع)[/t]



بمقتضى الأحاديث السابقة فإن النبي (ص) والأئمة من أهل بيته هم الآباء الروحيون للأمة، وهي تقتضي أن يكون الأبناء غيرهم، لكننا نشهد في جملة مما روي عن أهل البيت (ع) أنهم قد وصفوا أنفسهم بالأيتام، ومن ذلك ما رواه الصدوق في كمال الدين [e]بسند صحيح [/e]عند بعض علمائنا (أي من يوثق علي بن أبي حمزة البطائني كالمامقاني والخميني) عن أبي بصير قال: [h]قلت لأبي جعفر: أصلحك الله ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال (ع): من أكل مال اليتيم درهما، ونحن اليتيم[/h]. (عنه البحار ج93 ص186 ح11، كتاب الخمس للخوئي ج1 ص9، ومن ذلك أيضا ما جاء في فقه الرضا عنه البحار ج3 ص191 ح9).

 وهذا الوصف مما يتنافى مع وصف الأبوة، فالأب هو الذي يتولى رعاية الأبناء، واليتيم هو الذي يفتقد الأب ويحتاج إلى الرعاية فكيف يكون مرعيا من يفترض فيه أن يكون راعيا؟!

من الواضح إن الوصفين كانا بلحاظين مختلفين، وأينما تعددت الجهة واللحاظ والنسبة ارتفع ما يتوهم من التضاد الظاهري، فوصف الأبوة إنما كان بلحاظ موقع هدايتهم للأمة، ووصف اليتم قد يتصور من جهة:

1 - أن وصول الأموال إلى الأيتام والفقراء يكون عن طريقهم وعلى يدهم وتحت إشرافهم، يقول العلامة المجلسي ضمن تعليقه على بعض الأخبار:

"وأما في الإطعام فعلى ما في هذا الخبر من حمل اليتيم والمسكين عليهم (ع) أيضا ظاهرا، وعلى ما في غيره فإن الولاية سبب لتسلط الإمام فيهدي الناس ويفك رقابهم ويطعم الفقراء والمساكين". (البحار ج24 ص283 ح8) 

2 - أن عنوان اليتم منسوب إليهم (ع) كونهم ذوي القربى، فصار عنوان ذوي القربى مركزا لاستحقاق اليتامى والمساكين وابن السبيل المنسوبين إليهم.

فالقرآن الكريم يؤكد على أن الخمس له مخارج ومصارف ومنها يتامى ذي القربى، قال تعالى:

واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. (الأنفال/ 41)، ويشهد لذلك جملة من الروايات مروية في التهذيب وتفسير العياشي. (راجع تفسير كنز الدقائق ج5 ص343، عن التهذيب ج4 ص125 ح360 وح361، وص126 ح362 ، وتفسير العياشي ج2 ص61 ح50)  

وقد روى الشيخ الصدوق عن أبي عبد الله (ع) أنه قال:

[h]إن الكبائر سبع فينا نزلت ومنا استحلت، فأولها الشرك بالله العظيم، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، وإنكار حقنا.

فأما الشرك بالله فقد أنزل الله فينا ما أنزل، وقال رسول الله فينا ما قال، فكذبوا الله وكذبوا رسوله، وأشركوا بالله عز وجل.

وأما قتل النفس التي حرم الله فقد قتلوا الحسين بن علي (ع) وأصحابه.

وأما أكل مال اليتيم فقد ذهبوا بفيئينا الذي جعله الله لنا فأعطوه غيرنا.

وأما عقوق الوالدين فقد أنزل الله عز وجل في كتابه {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} فعقوا رسول الله (ص) في ذريته وعقوا أمهم خديجة في ذريتها.

وأما قذف المحصنة فقد قذفوا فاطمة على منابرهم.

وأما الفرار من الزحف فقد أعطوا أمير المؤمنين بيعتهم طائعين غير مكرهين ففروا عنه وخذلوه.

وأما إنكار حقنا فهذا مما لا يتنازعون فيه[/h]. (الخصال ج2 ص363 ح56، عنه البحار ج76 ص5)

3 – أنهم المنقطعون عن النظير، وهذا توجيه ثالث أورده الشيخ الصدوق حيث قال أن معنى اليتيم هو المنقطع عن القرين، وقد سمي النبي يتيما بهذا المعنى، والدرة اليتيمة إنما سميت يتيمة لأنها منقطعة القرين. (كمال الدين ص522)



[t]العلماء وأيتام آل محمد (ص)[/t]



كما أن هناك من يحل محل الأب النسبي في تكفل شئون اليتيم الدنيوية فهناك أب روحي يتكفل شؤون الناس المعنوية، وهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام كما أسلفنا، وهذه الأبوة لايمكن لأحد أن يقوم بشأنها كما هو المعصوم (ع) لعصمته ومؤهلاته ومنزلته العظيمة عند الله عز وجل من جهة ولعلمه بالأحكام الواقعية من جهة أخرى، غير أن أقرب الناس للقيام ببعض شؤونهم فيما يرتبط بهداية الناس وتوجيههم وإرشادهم هم العلماء العارفون بأحكام الشرع أي المجتهدون الجامعون للشرائط الذين أمرنا بالرجوع إليهم في عصر الغيبة، وعندما يفتقد الناس أباهم الروحي وهو الآن الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف فإن لهم حكم الأيتام الذين يحتاجون إلى العناية في أمورهم المعنوية، فإن المراجع هم القادرون على توجيه الناس فيما يرتبط بشرائع دينهم وعليهم تلقى المسؤولية العظيمة في الهداية والتعليم.  

روى الطبرسي في الاحتجاج وكذا جاء في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (ع) بإسناده عن الإمام أبي محمد العسكري (ع) قال: حدثني أبي عن آبائه، عن رسول الله (ص) أنه قال:

[h]أشد من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه يتم يتيم انقطع عن إمامه ولايقدر على الوصول إليه ولايدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه.

ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى[/h]. (البحار ج2 ص2 ح1)



ومن المعلوم أن اليتم المعنوي يقتضي أن تكون المخاطر التي تحف باليتيم متناسبة مع ما يتنافى مع الكمال المعنوي وهي المرتبطة بالشبهات الفكرية والعقائدية والمفاسد الأخلاقية، فالحذر كل الحذر ممن يريدون إفساد أخلاق شبابنا وممن يريدون أن يشوشوا عقيدتنا ويثيروا سمومهم وإن زينوها بمعسول الألفاظ، وإن تلبسوا زورا بلباس العلماء وادعوا الاجتهاد، فرجوعنا إلى العلماء والمراجع الذين ثبتت تزكيتهم في الحوزات العلمية كفيل بأن يمنع من أن يفترسنا -نحن الأيتام- المتربصون بديننا ومذهبنا الدوائر، فهم الذين يكشفون المتربصين ويبينون زيفهم وزيف انحرافاتهم.

والحمد لله أولا وآخرا.